هل يُستهدف ولي عهد أبوظبي في عاصمة بلاده؟ فالحوثيون يهددون من جديد دُرَّة الاتحاد الإماراتي دبي وشقيقتها أبو ظبي، وقد كانتا جزءًا من بلادٍ اعتبرت عنوانًا للثراء والرخاء والاستقرار في المنطقة بأسرها، فلا تُعادِي ولا تُعادَى إلى أن جاء من رأى أن ثوب أبيه كان ضيقًا عليه، فبدأ مشروعه الموصوف بالإمبراطوري، فخلق أعداءً بدأوا يهددون لا بالرد على قوات الرجل في بلادهم فحسب، بل في عقر داره.

أبو ظبي لم تعد آمنة بعد اليوم!

تهديدات جديدة أطلقها الحوثيون متوعدين أبو ظبي بالصواريخ الباليستية، جاءت على لسان المتحدث باسم قوات الحوثيين العميد الركن شرف غالب لقمان الذي اعتبر في تصريحات لوكالة سبأ للأنباء التي يسيطر عليها الحوثيون، أن الإمارات لم تعد في مأمن من الصواريخ الحوثية، وتصعيدها في الساحل الغربي سيواجه بتصعيد أقوى وغير مسبوق من الجيش واللجان الشعبية، حسب تعبيره.

إلى المستثمرين في أبو ظبي ودبي، وجه لقمان تحذيره، ودعاهم إلى أخذ تصريحاته بخصوص استهداف أبو ظبي ودبي على مجمل الجد، في خطوة استدعاها التطور الأخير في ساحل اليمن الغربي، حيث حقق الجيش الوطني اليمني في ذلك المحور انتصارًا، قال الحوثيون عنه إنهم أوقفوه واستعادوا بعض المواقع التي خرجت عن سيطرتهم جرائه.  

فيما توعد وزير دفاع الحوثيين محمد العاطفي، وفي تصريحات للوكالة ذاتها، بفتح أبواب جهنم أمام قوات التحالف في الساحل الغربي، حسب وصفه، مضيفًا أن سهول تهامة وسواحل البحر الأحمر "ستتحول إلى مقابر جماعية لقوات الحكومة والتحالف"، وذاك تصعيد ليس ببعيد بعدما شكلت جبهة الساحل الغربي التي تقودها الإمارات ضمن التحالف العربي ضربة كبيرة للحوثيين، وباتت أبو ظبي على مشارف الحديدة آخر منفذ للحوثيين على العالم الخارجي.

رد فعل الحوثيين على تطورات محور الحديدة يثير الكثير من التساؤلات بشأن مدى جدية تهديد الحوثيين باستهداف أبو ظبي ودبي

ليست المرة الأولى التي يطلق الحوثيون فيها تهديداتهم ضد الإمارات، لكنها الأقوى والأكثر حدة، ففي مرات سابقة هددوا باستهداف الإمارات بالصواريخ، وهدد زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي قائلاً: "على كل الشركات في الإمارات ألا تنظر للإمارات على أنه بلد آمن بعد اليوم"، وفي كل مرة تؤكد الإمارات أن أجواءها مؤمّنة وتمتلك منظومة دفاع جوي قادرة على التعامل مع أي تهديد من أي نوع، لكنه أمر يتصاعد مع الوقت ليبقى في نظر الإماراتيين أكبر دليل على تداعيات مشاركتهم في الحرب باليمن.  

وبغض النظر عن ربط أبو ظبي أجندة الجيش الوطني بأهدافها في اليمن، من حيث دعمها لجبهة وإهمالها لأخرى لاعتبارات تخصها هي، فإن رد فعل الحوثيين على تطورات محور الحديدة يثير الكثير من التساؤلات بشأن مدى جدية تهديد الحوثيين باستهداف أبو ظبي ودبي، ومدى قدرتهم على تنفيذ هذا التهديد، وما خيارات الإمارات في مواجهة هذا التطوّروتداعيات ما جرى هناك.

ثمن مغامرات ابن زايد  

إنهم الحوثيون، وكما يتردد فقد تلقوا ضربةً مؤلمةً في محافظة الحديدة، وها هم يوسعون قوسهم في الرد على الإمارات التي توصف بـ"عرابة المعركة"، بعد إسناد ودعم الجيش الإماراتي للقوات اليمنية الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي، وبعد ما أثير عن خططها السرية للهيمنة على ثروات اليمن، وفرض الوصاية على قراره السياسي، ودعمها لانفصال جنوب اليمن، علاوة على الجدل بشأن الدور الإماراتي لا سيما بعد الفضيحة التي كشفتها منظمة "هيومن رايتس" وتفيد بأن للإمارات سجونًا سرية في اليمن.

سابقًا فعلوها مع السعوديين، فاستهدفوا مدنهم ومنشآتهم الحيوية، واضطرت المملكة لنقل القمة العربية من الرياض إلى الظهران، وحاليًّا أضافوا أبو ظبي ودبي، وقالوا إنهما لم تعدا آمنتين، وفي مرمى الصواريخ وعلى المستثمرين آخذ تهديداتهم على محمل الجد.  

لا يُعرف بعد قدرة الحوثيين على ما يهددون به، فصواريخهم في رأي البعض تكاد تكون بدائية وتفتقد للدقة في التصويب، والأهم برأي هؤلاء، أنها مستهدفة بقصف التحالف بين حين وآخر، لكن ذلك بالضبط ما يخيف في تهديد الحوثيين، فعدم الدقة يعني أي تدمير قد يحدث لن يكون محسوبًا عسكريًا، وقد يطال أهدافًا يظن غالبًا أنها مستبعدة في حالات الحروب.

الأسوأ بالنسبة للإماراتيين، يتمثل في أن أبو ظبي ودبي تقومان على الاقتصاد الخدمي، من استثمار في العقارات إلى السياحة في الأسواق الراقية وتحويلات الأموال

وفي حال وجَّه الحوثي ضربات صاروخية إلى الإمارات ستنخفض أعداد السياح وعوائدهم من هذا القطاع، وستتكبد الفنادق والمنتجعات خسائر هي الأخرى بسبب قلة إشغال الغرف، وهو ما سيسبب خسائر لاقتصادها، فالحروب لا يستفيد منها الصغار، والإمارات صغيرة بسياستها وقوتها المستأجرة، وبأحلامها، ولن تستفيد من هذه الحرب.  

أما الأسوأ بالنسبة للإماراتيين، فيتمثل في أن أبو ظبي ودبي تقومان على الاقتصاد الخدمي، من استثمار في العقارات إلى السياحة في الأسواق الراقية وتحويلات الأموال، إضافة إلى عصب تجاري يقوم على الاستيراد والتصدير بين الدول، يُضاف إلى هذا وذاك أن عمارة المدينتين عمودية وليست أفقية، حيث تشتهران ببنايتهما المرتفعة جدًا والمكتظة بالشركات والسكان؛ ما يجعل أي قصف حوثي على أهداف فيهما أقرب إلى الكارثة التي تضر بالاقتصاد والعمران والإنسان معًا.

فهل يتحسب المتنفذ في أبو ظبي لذلك؟ بحسب البعض فإن الإمارات تتمتع بقوة عسكرية لا يستهان بها، والأهم بترسانة سلاح تتمتع بقوة من بين الأكبر والأحدث في المنطقة، وهي تستطيع إجراء عمليات بالغة التعقيد وواسعة المساحة في البلاد.

لكن هامش حركتها في الداخل يظل ضيقًا، فالحوثيون ليسوا جيشًا، وإذا حدث وقرروا استهداف الإمارات فإنهم سيضربون رأس مالها الحقيقي باعتبارها جنة للاستثمار القائم على الأمن وحرية نقل الأموال، وفي الحالة هذه ثمة من يفكر مرتين في الاستثمار، وذاك كافٍ لتخسر تلك البلاد ما هو أهم من المليارات، وهو نموذجها في المنطقة في العالم، حيث الرفاهية والثروة والأمان أنست كثيرين أنها بلاد تقع في نفس الحيز الجغرافي للصومال واليمن وسواهما.  

هل يفعلها الحوثيون هذه المرة؟

التهديدات التي يجب أخذها على محمل الجد، وفق مسؤولي الجماعة، تبدو قابلة للتطبيق من منطلق امتلاك الحوثيين صواريخ وصلت سابقًا إلى الرياض، وبالتالي فإن مداها يصل إلى الإمارات، بالإضافة إلى استخدام الجماعة مؤخرًا طائرات مسيرة في استهداف مواقع سعودية، ويمكن توجيهها ضد أبو ظبي، بحسب مراقبين.

لكن اللافت أن وتيرة الاستهداف الصاروخي للسعودية زادت خلال الأشهر الماضية، إذ بلغت نحو 35 صاروخًا منذ أواخر مارس المنصرم، وما يقارب 140 صاروخًا منذ بدء الحرب في اليمن بحسب بيانات رسمية.

وبالنسبة للجارة الخليجية الأخرى، تكمن جدية التهديدات التي طالتها في استعراض عمليات الحوثيين، فقد سبق أن قُصفت أبو ظبي ودبي، ففي 31 من أغسطس 2017، حيث أطلقت عملية تجريبية لصاروخ باليستي على قاعدة عسكرية في أبو ظبي، وفي 3 من ديسمبر/كانون الأول الماضي، أُطلق صاروخ مجنح من نوع كروز على محطة براكة للطاقة النووية في أبو ظبي التي كان من المفترض افتتاحها هذا العام لكنه أُجِّل بعد الضربة إلى عام 2019، وهو ما نفته قطعيًا الإمارات حينها.

هذه العمليات رغم ما حملته من تهديد كانت في مرحلة التجريب والتطوير، كما يقول الحوثيون، لكنها الآن أصبحت أكثر تهديدًا بعد تصريح العميد شرف لقمان بأن التجارب أصبحت ناجحة للرد على التدخل الفاضح للإمارات في اليمن منذ ثلاث سنوات، وعليها - بحسب الصحفي اليمني أحمد المؤيد - أن تتحسس رقبتها لبدء القصف.   

ولا يمكن فصل هذه التهديدات التي يروج لها الحوثيون على أنها أثارت مخاوف الإمارات، عن أخرى لم تزعزع النفوذ الإماراتي في اليمن، لا سيما بعد إنزال قوات عسكرية إماراتية في جزيرة سقطرى، بالإضافة إلى معركة الساحل الغربي التي تسير بقيادة رئيسية وتنفيذية من أبو ظبي في إطار التحالف العربي.

إذا تحقق التهديد على أرض الواقع قد لا يبدو سهلاً، وفي حال تم فإنه يكشف قدرات عسكرية كبيرة ما زال الحوثيون يمتلكونها

واستنادًا إلى أقوال وتصريحات كثرت في الفترة الأخيرة، يرى مراقبون أن قدرة الحوثيين على تنفيذ تهديداتهم المتكررة تبدو محدودة، بسبب التصدع والانشقاق الداخلي في صفوف الحوثيين، فمنذ يومين قضت محكمة خاضعة للحوثين بإعدام 7 مشرفين حوثيين رفضوا التوجه لجبهة الحديدة.  

يُضاف إليها انكسارات وهزائم لا سيما على الساحل الغربي، عمّقت الانشقاقات في صفوف الحوثيين، لكنهم يعسكونها على أنهم أصبحوا أقوى من ذي قبل، إلا أن الواقع الميداني يختلف عما يروج له إعلاميًا، فقد أصدر عبد الملك الحوثي تعميمًا عاجلاً على جميع المشرفين الذين يواجبهم وفق الهيكلة الحوثية بأن يوفروا ويحشدوا المقاتلين على الجبهات وإلا أن يحاكموا على بتهمة التقاعس.

بالتزامن مع ذلك، عزز ناشطون حوثيون الخلافات بين أقطاب الصراع الحوثي، فقد أفاد الناشط الحوثي أمير عامر بأن استخبارات الحوثي التي يشرف عليها القيادي الميداني أبو علي الحاكم، اعتقلت "خلية" ترصد أسماء ومنازل قيادات الحوثيين في حي الجراف وهو معقل المليشيات في صنعاء، مشيرًا إلى قائمة طويلة تضم نحو 300 اسم لقيادات ومشرفين.

وبالعودة إلى تهديدات المسؤولين العسكريين في الجماعة، تصبح أبو ظبي ودبي الوجهتان القادمتان لصواريخ الحوثيين حتى إشعار آخر، لكن إذا تحقق التهديد على أرض الواقع قد لا يبدو سهلاً، وفي حال تم فإنه يكشف قدرات عسكرية كبيرة ما زال الحوثيون يمتلكونها بعد سنوات ثلاثة من الحرب.