بين غليان الشارع والضغوط الإقليمية والدولية يجد الأردن نفسه وحيدًا، فالأمر لم يعد احتجاجًا على قانون ضريبة الدخل الذي أحالته الحكومة إلى البرلمان ورفضت سحبه، بل تحول إلى محاكمة لنهج اقتصادي وسياسي يرى فيه المحتجون تشوهات بالغة الضرر.

وفيما يعلو سقف المحتجين على قانون ضريبة الدخل، وتتفاوت مطالبهم بين المطالبة بسحب مسودة قانون ضريبة الدخل الجديد، والمطالبة بإقالة الحكومة وحل مجلس النواب، يستجيب ملك الأردن لاستقالة الحكومة تحت الضغوط الشعبية، لكن ذلك وإن بات واضحًا أنه المطلب الأول لكنه ليس المطلب الأخير.

أيام الغضب تتوالى

على مدار خمسة أيام حتى الآن، اجتاحت موجات غضب شعبي أرجاء الأدرن من شمالها لجنوبها، وتصاعدت خلالها المطالب وذاك في بلد تنال البطالة والفقر من نحو 20% من سكانه، وفيه باتت الحكومة كالمواطن، كلاهما جيوبه خاوية، وإن كان الحال كذلك، يغضب الأردنيون من لجوء حكومتهم إلى جيوبهم لسد عجزها، بل إنها تريد الغوص أكثر في جيوب البسطاء حين أقرت ضريبة الدخل، وقدمته للبرلمان كي يصدق عليه.

وكانت البداية في الدوار الرابع حيث يقع مقر رئاسة الوزراء - الذي وُلد مشروع القانون -، وفيه صار المئات آلافًا توافدوا إلى محيط دار رئاسة الوزراء، وهتفوا ضد الحكومة وطالبوا بإسقاطها، ووقعت مناوشات بينهم وبين قوات الأمن، وفي المحافظات تطور الاحتجاج إلى أعمال عنف وأغلقت طرقات رئيسية وأحرقت إطارات واعتقل الأمن من وصفهم بمثيري الشغب.

تصاعدت حدة الغضب وبلغت مستويات مقلقة، على مدار الأيام الماضية، وعبَّرت الأغلبية عن نفسها بوقفات سلمية طالبت فيها برحيل الحكومة، بينما أعاد البعض إنتاج شعارات الربيع العربي، وثمة من مسَّ غضبه رموز الدولة، وهؤلاء محتجون يرغبون في التظاهر أمام مبنى الحكومة ليلاً فلا يُسمح لهم باعتبار أن المنطقة المحيطة برئاسة الوزراء أمست منطقة عسكرية مغلقة في الدوار الرابع بعمان.

لم يفلح إيعاز الملك الأردني للحكومة بالتراجع عن رفع أسعار المحروقات والكهرباء في التخفيف من حدة الاحتجاجات، بل على العكس توسعت حركة الاحتجاج وانتقلت من العاصمة عمان إلى المحافظات والأطراف

وتصدرت النقابات المشهد في الشارع بعد الإضراب الذي نفذته الأربعاء الماضي، وجاء الإضراب لافًتا وحاشدًا ومفاجئًا، وكان هدفه سحب قانون الضريبة الذي يكبد الأردنيين المزيد من الأعباء المالية والمعيشية، لكن الحكومة تجاهلت هذه التحركات، وأصرت على موقفها من القانون بعد اجتماع جمعها بالقيادات النقابية برعاية رئيس مجلس النواب، لكنه أخفق في سحب قانون الضريبة بحجة ذكرها رئيس الوزراء، ومفادها أن إتمام هذا القانون مرتبط بحصول الأردن على قروض وفقًا لرغبة صندوق النقد الدولي.

هذه التطورات جاءت بعد ساعات من فشل اجتماع لرئيس الوزراء مع النقابات والنواب لسحب فتيل الأزمة، تمسك رئيس الحكومة بمشروع القانون وتمسكت النقابات بموقفها المناوئ، ودعت إلى استمرار الحوار، وتحدث وزراء عن خنق اقتصادي تتعرض له المملكة.  

ولم يفلح إيعاز الملك الأردني للحكومة بالتراجع عن رفع أسعار المحروقات والكهرباء في التخفيف من حدة الاحتجاجات، بل على العكس توسعت حركة الاحتجاج وانتقلت من العاصمة عمان إلى المحافظات والأطراف، في مشهد اعتبر مراقبون أنه يعيد للأذهان مشهدي احتجاجات "هبة نيسان" عام 1989، والحراك الأردني المواكب للربيع العربي عام 2011.

الأردنيون بين مطالب الإصلاح والتغيير

كانت الأوضاع المعيشية محركًا للاحتجاجات في الأردن، لكن يبدو أن سقف طموحات ومطالب الأردنيين لم ينتهِ عند لقمة العيش، فرسائل الأردنيون أصبحت واضحة، ومفادها أن السياسات العقيمة والشخوص الفارغة أساس التدهور الاقتصادي.

فالمشهد يشي إلى أن أماني وطلبات الشعب لا يمكن اختزاله في تغيير وجه حكومة يعينها الملك بنفسه، أو في التراجع عن قرار زيادة أسعار المشتقات النفطية والكهرباء، أو في الحد من ضرائب تعلم الحكومة أنها اقتصتها بطرق لا تمت إلى الشرعية بصلة.

فقد ناهز عدد الضرائب والرسوم المفروضة على المواطنين الأردنيين الـ100 ضريبة ورسم تحت مسميات مختلفة، حتى بات الأردنيون يصفون حكومة بلادهم بـ"الحكومة الجبائية"، معتبرين أنها وجدت في جيوبهم "بترولاً" لسد عجز الموازنة ونفقات الدولة الجارية بعد أن شكلت الإيرادات الضريبية ما نسبته 83% من إيرادات الموازنة العامة.

وكان المحتجون قد أعلنوا مطالبهم عبر صفحة الحراك الشبابي الأردني التي دعت إلى التظاهر أمام رئاسة الوزراء، ولخص الحراك مطالبهم في بيان صحفي دعا فيه إلى: رحيل الحكومة وتشكيل حكومة إنقاذ وطني وإلغاء الضرائب على المحروقات التي تصل إلى 40% وإلغاء بند فرق أسعار الوقود المثبت على فواتير الكهرباء وإلغاء ضريبة المبيعات التي تم فرضها على السلع الأساسية وسن قانون ضريبة دخل تصاعدي وإعادة الدعم على الخبز.

ثمة أحاديث في صالونات الساسة بعمان عن تخلٍ خارجي عن نجدة الحكومة الأردنية عنوانه العقاب

وأمام الغضب المتصاعد وارتفاع سقف المطالب تبدو الخيارات شحيحة، فخيار تراجع الحكومة عن قانون الضريبة أضحى خيارًا معطلاً، وخيار إعلان البرلمان صيغة تقبل بها النقابات وتقنع الشارع الغاضب يبدو صعبًا، فالمطالبات الشعبية تتركز على اقتلاع القانون من جذوره، عبر سحبه من مجلس النواب وإعلان صيغة توافقية بشأن قانون الخدمة المدنية.

في المقابل، يراهن ساسة أردنيون على تدخل ملكي مباشر لسحب مشروع القانون، فيما يتحدث هؤلاء عن جانب آخر للأزمة في البلاد، فثمة كلف سياسية مطلوبة من الأردن في ملفات إقليمية لا سيما ملفه "صفقة القرن"، وموقفه من القدس ولعل هذا قد يفسر تخلي دول حليفة عن الأردن في أوقات العسرة.

وليس خافيًا أن الأردن من الاقتصادات العربية التي تعتمد على المنح والمساعدات الخارجية، ويستفيد من منح خليجية سخية، وثمة أحاديث في صالونات الساسة في عمان عن تخلٍ خارجي عن نجدة الحكومة الأردنية، عنوانه العقاب، ومرده غضب حلفاء الأدرن التقليديين من خروجه عن المحور الأمريكي - الإسرائيلي - السعودي بشأن القضية الفلسطينية.  

مطالب الأردنيين أكبر من هذا بكثير

لم تشفع استقالة الملقي وتكليف عمر الرزاز بتشكيل حكومة جديدة لوقف موجة الاحتجاجات المتصاعدة، فقد أعلن رئيس مجلس النقباء ونقيب المهندسين الدكتور علي العبوس أن إضراب الأربعاء القادم مستمر على حاله حتى إن استقالت الحكومة لأن "المطلوب هو تغيير النهج وليس الأشخاص"، بحسب ما نقلت عنه وسائل الإعلام المحلية.

ورغم وجود أصوات برلمانية منحازة لمطالب المحتجين في الشارع والنقابات المهنية، وإعلان 90 عضوًا في مجلس النواب رفضهم مشروع قانون ضريبة الدخل ووصفه بأنه "غير صالح شكل ومضمون"، إلا أن الغضب الشعبي على الحكومة بات يشمل مجلس النواب الذي تحمّله شرائح واسعة من الأردنيين مسؤولية إقرار الموازنة مطلع العام الحاليّ، التي برأيهم منحت الحكومة تفويضًا لرفع الأسعار وفرض الضرائب بصورة غير مسبوقة.   

ويؤمن الأردنيون بأنهم في أمس الحاجة إلى قانون انتخاب عصري، ولا يمكن لقانون أن يُصاغ في غرفة مغلقة من شخص، فالقانون المنشود يجب أن يُصاغ ضمن إطار تشارك فيه جميع القوى السياسية ضمن إطار وطني شامل، كما يدركون أن جُلَّ مشاكلهم سببها شخوص اعتلت كراسي المسرح السياسي عنوة ولم يكن لهم يد فيها من قريب أو من بعيد.  

رغم أن هذه الاحتجاجات ذات طابع اقتصادي، فإن مراقبين يرون أن المخرج للنظام الأردني يتمثل في الإصلاح السياسي

وتتجه الأنظار إلى إصلاح المنظومة من الجذور في وقت يقوم فيه الأردن - كغيره من الممالك العربية - على نظام الملكية المطلقة، إذ يُمسك الملك بمقاليد الحكم ويتمتع بسطوة تمتد إلى مفاصل الدولة كافة، كما أن له القدرة على إلغاء السلطة التشريعية المنتخبة، كما حصل عدة مرات قبل ذلك، فملك الأردن، حسين سابقًا وعبد الله الثاني حاليًّا، يحظى بنفوذ وتأثير واسعين على السلطات التشريعية والتنفيذية في البلاد.

ورغم أن هذه الاحتجاجات ذات طابع اقتصادي، فإن مراقبين يرون أن المخرج للنظام الأردني يتمثل في الإصلاح السياسي، فالحلول المقترحة لا يجب أن تكون محددة في الجانب الاقتصادي، بل يجب التقدم أكثر على طريق الإصلاح السياسي، لتعزيز المشاركة الشعبية في صنع السياسات واتخاذ القرار، وبالتالي إحساس المواطنين بأنهم جزء حقيقي وفاعل في إدارة الشؤون العامة للبلاد، ويتحملون مع الحكومة ومجلس النواب مسؤولية هذه السياسات والقرارات".

وبحسب رئيس مركز هوية للدراسات محمد الحسيني، فإن الحل يكون في "تكليف حكومة مصغرة من شخصيات تحظى بثقة المجتمع الأردني، على أن تكون مهمة هذه الحكومة الشروع في حوار وطني حقيقي وعملي بشأن الملفات الرئيسية ذات العلاقة بعملية الإصلاح السياسي، بهدف الوصول إلى خطة عمل قابلة للتطبيق تشمل إجراء تعديلات دستورية وتشريعية".

وينظر السياسيون بحذر شديد إلى ما سيحدث في الشارع الأردني خلال الأيام المقبلة، ويستندون إلى أن المملكة التي تجاوزت أعاصير الربيع العربي بسلام وطمأنينة، ولا بد لها أن توازن بين حاجات الداخل وضغوط الخارج كي تتجاوز هذه الفترة الحرجة في ظل إقليم وجوار مضطرب إلى أبعد الحدود، وبهذا يؤطر الأردنيون لعنوان المرحلة الشعبية القادمة بأنها مرحلة المراجعات والمحاسبة وفتح الملفات الإصلاحية.