ما إن انتهى الاجتماع الذي ضم الرئاسات الـ3 بالإضافة إلى رؤساء الكتل السياسية، حتى بلغت قلوب السياسيين والمراقبين الحناجر لما ستكون عليه الخطوة اللاحقة، ذلك لأن الاجتماع أسفر عن فشل ذريع بالتوصل لحلول للخروج من عنق الزجاجة التي وضع السياسيون أنفسهم فيه، عبَّر عن ذلك رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري حينما قال: "وجهات النظر كانت غير متطابقة بين المجتمعين، لكن على الجميع احترام الإجراءات القانونية والتوجهات التي تم اعتمادها، ولكي لا يؤدي ذلك إلى حالة من ‏الفوضى والإرباك لا نستطيع معالجتها".

لم تمض سوى ساعات على ذلك الاجتماع حتى استفاقت بغداد صباحًا على حريق هائل التهم صناديق الاقتراع التي كانت مخزنة بمخازن وزارة التجارة وسط بغداد، كان ذلك في نفس اليوم الذي من المقرر أن تسلم فيه مفوضية الانتخابات مهامها إلى الهيئة القضائية التي سينتدبها مجلس القضاء العراقي ذات اليوم، وهنا يتبادر سؤال يلقي بظلال الشك القوية على أمناء المفوضية، لماذا رفضت المفوضية تسليم مهامها قبل أيام وأرجأتها إلى يوم الأحد؟

ما إن انتشر خبر الحريق حتى بدأت تنطلق مواقف السياسيين وفي طياتها الاتهامات المتبادلة للآخرين بهذه الجريمة، ومبرئين أنفسهم من الضلوع فيها، فدعا رئيس البرلمان العراقي لضرورة إعادة الانتخابات البرلمانية بعد حادثة الحريق التي ثبت تزويرها والتلاعب بنتائجها وتزييف إرادة الشعب العراقي بشكل ‏متعمد، لحقه رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي قال في بيان منسوب له إن حرق المخازن الانتخابية يمثل مخططًا لضرب البلد ونهجه الديمقراطي.

تكتنف عملية الحريق التي حدثت الكثير من الغموض في تفاصيلها، على الرغم من أن الهدف منها واضح بشكل كبير، وهو الحيلولة دون إتمام عملية العد والفرز اليدوي لتلك الصناديق

لكن النائب عادل نوري رئيس لجنة تقصي الحقائق رمى الكرة في مرمى المفوضية حينما قال: "نطالب الجهات المعنية والادعاء العام بالقبض على أعضاء ‏مفوضية الانتخابات، بعد الكشف عن الكثير من مخططاتهم لتزوير الانتخابات، التي كان آخرها ‏إحراق صناديق الاقتراع"، وأضاف نوري أن مفوضية الانتخابات خانت الأمانة وفقدت ثقة البرلمان والشعب.

وجاء تصريح نوري بعد أن حمّلت قيادة عمليات بغداد مفوضية الانتخابات مسؤولية الحريق، وأكدت أن حماية المخازن ليس ‏من اختصاصها، بل من مسؤوليات المفوضية، ذلك لأن مسؤوليتها تقتصر على حماية السور الخارجي لمراكز التخزين، أما داخل المخازن فهو اختصاص المفوضية، أما عن بقية الكتل السياسية فجميعها أصدرت بيانات متشابهة تدعو لكشف الفاعلين وتحمل مسؤولية الحريق للأطراف التي زورت في العملية الانتخابية الأخيرة.

حقيقة ما حدث

وتكتنف عملية الحريق التي حدثت الكثير من الغموض في تفاصيلها، على الرغم من أن الهدف منها واضح بشكل كبير وهو الحيلولة دون إتمام عملية العد والفرز اليدوي لتلك الصناديق، وعمليات الحريق تكررت كثيرًا في عهد حكومات ما بعد الاحتلال، فقد كانت الطريقة المثلى لإخفاء عمليات الفساد المالي التي كانت تدور في أروقة دوائر الدولة وتخلية مسؤولية الفاعلين بهذه الطريقة.

ويأتي هذا الحريق الأخير لصناديق الاقتراع بعد كشف رئيس الإدارة الانتخابية رياض البدران عن ‏وجود نحو 800 ألف ورقة اقتراع مزيفة داخل صناديق الاقتراع، منها 170 ألفًا في بغداد فقط، مما ‏يثير الشكوك بشكل جدي بضلوع المفوضية بهذه الحادثة للتغطية على التلاعب في صناديق الاقتراع.

في الوقت الذي أكد حمد الربيعي نائب رئيس اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد أن الحريق استهدف المخازن التي فيها صناديق الاقتراع مما أدى إلى احتراقها بالكامل، بالمقابل قال رئيس مجلس المفوضين معن الهيتاوي في بيان له إن الحريق شمل جميع أجهزة تسريع النتائج وأجهزة التحقق ‏الإلكترونية الخاصة بمكتب انتخابات بغداد الرصافة دون صناديق الاقتراع.

من خلال استثمار حادثة الحريق يمكننا أن نتلمس الأطراف الفاعلة فيه، وإلى أين تريد أن تمضي الأمور

انقلاب العبادي لم يمض دون رد

وعلى ما يبدو أن الانقلاب السياسي الذي قاده العبادي وبمساعدة الجبوري على خصومهم، من خلال قرار إعادة عمليات العد والفرز اليدوي، لم يمض دون رد حاسم من خصومهم، كما توقعنا ذلك في مقالنا السابق، جاء الرد من خلال التفجيرات المختلفة التي طالت مدينة بغداد ومدينة كركوك، لكن الأمر كان يحتاج لفعل أقوى من ذلك، فجاء الحريق ليضع حدًا للمضي بعمليات العد والفرز اليدوي المتوقع أن تجرى بالأيام القليلة القادمة.

وبالتالي فإن تطورات هذا الصراع بين الطرفين مرشح لأن يتطور بقوة وسرعة للحد الذي سيهدد العملية السياسية برمتها، فالأطراف التي تستطيع أن تتلاعب بالعملية الانتخابية بهذا الشكل من التزوير والاختراقات ثم إلى حريق لصناديق الاقتراع، ليس متوقعًا منها التوقف عن سعيها للاستئثار بالحكم وبكل طريقة ممكنة.

إلى أين ستمضي الأمور؟

ومن خلال استثمار حادثة الحريق يمكننا أن نتلمس الأطراف الفاعلة فيه، وإلى أين تريد أن تمضي الأمور، نشرت قناة "العالم" المقربة من مصادر القرار الإيراني مقالًا ألمحت فيه إلى أن المستفيدين من حادثة الحريق وعدم إتمام عملية العد والفرز اليدوي هما الحزبين الكرديين "الاتحاد الوطني الكردستاني" و"الديمقراطي الكردستاني"، وكذلك الأحزاب السنية التي زورت على حد تعبيرها في المناطق العربية السنية، وهي بالتالي تريد أن تبرئ ساحة الأحزاب الموالية لها من تهمة التزوير، وكذلك تعميق الخلافات بين العرب والكرد وما بين الأحزاب السنيَّة والشيعيَّة، وهذا الاصطفاف هو بالضبط ما يريده النظام الإيراني في حال تطورت الأمور إلى ما لا يحمد عقباه واندلعت حرب أهلية على خلفية إلغاء الانتخابات ونتائجها والدعوة إلى انتخابات جديدة.

وفي هذا السياق أعلنت أكثر من كتلة سياسية على خلفية الحريق الذي حدث دعوتها لتشكيل حكومة تصريف أعمال وإلغاء الانتخابات والدعوة لانتخابات جديدة، هذا ما أعلنه الائتلاف الذي يقوده إياد علاوي فور انتشار خبر الحريق، داعيًا إلى إلغاء نتائج الانتخابات وإعادة إجرائها في وقت لاحق، مع إبقاء الحكومة الحاليّة لتصريف الأعمال لحين توفير الظروف الملائمة لإجراء انتخابات خلال 6 إلى 8 أشهر.

بنفس الوقت ألمح النائب عن اللجنة القانونية في البرلمان العراقي زانا سعيد أن القضاء قد يذهب تجاه ‏إلغاء نتائج الانتخابات في حال حدوث أعمال مماثلة في مخازن المفوضية، وأضاف أن القضاء يمتلك صلاحية إلغاء نتائج الصناديق المحترقة ‏في بغداد أو إلغاء نتائج محافظة كاملة.‏

 الطبقة السياسية التي تحكم البلاد حاليًّا ثبت بالأدلة أنهم غير قادرين على قيادة البلد

لن يستقيم حال العملية السياسية في العراق

ومن الواضح أن العملية السياسية في العراق بعد الاحتلال لم يستقم أمرها أبدًا طيلة فترة الـ15 سنة الماضية ولن يستقيم مستقبلًا، فقد قادت هذه العملية السياسية العراق من أزمة إلى أزمة، ويخرج من حرب داخلية ليدخل في حرب داخلية أخرى، ووصلت مستويات الفساد لأرقام قياسية، وتمزق النسيج الاجتماعي للبلد للحد الذي ربما سيكون من العسير جمع شتاته مرة أخرى، حتى جاءت حادثة حريق صناديق الاقتراع لتمثل الفصل الأخير لهذه العملية السياسية، ويثبت عند الجميع لدرجة اليقين أن هؤلاء غير قادرين على إدارة البلد، وأن الشعب العراقي فقد ثقته تمامًا بالقائمين على العملية السياسية جميعًا.

إن الطبقة السياسية التي تحكم البلاد حاليًّا ثبت بالأدلة أنهم غير قادرين على قيادة البلد، وإذا ما استمروا في قيادته لربما سيحدث أضعاف ما حدث حتى الآن، ومن الواجب أن يقوم المجتمع الدولي بدوره الأخلاقي تجاه الشعب العراقي لتخليصه من البلاء الذي يعاني منه، كما يجب أن يقوم الشعب العراقي بدوره للسعي للتخلص من هذه الطبقة السياسية من خلال تظاهراته ومناشداته للمنظمات العالمية والمجتمع الدولي لأخذ دوره في مساعدته لتصحيح المسار في العراق وتمكين شعبه من قيادة نفسه بنفسه.