في علمي السياسة والإدارة على حد سواء يكون الوقت المناسب لاتخاذ القرار هو العامل الأبرز نحو تحقيق الهدف المنشود، فليس من الحكمة استفزاز الجمهور بقرارات مفاجئة في أوقات غير مناسبة حتى إن كانت ضرورية، فالوقت المناسب هو حائط الصد المنيع أمام التداعيات العكسية التي من الممكن أن ترافق القرارات إن اُتخذت في غير وقتها المناسب.

قبل يومين على عيد الفطر المبارك، وبينما المصريون مشغولون بترتيبات العيد وطقوسه المميزة، وبدلاً من أن تفاجئ الحكومة المصرية مواطنيها بمنحة أو هدية تسرهم في هذه الأيام الاستثنائية من العام، إذ بها تعلن حزمة الأسعار الجديدة في فواتير الكهرباء، لتمارس هوايتها المفضلة في إجهاض الفرحة في عيون الملايين من الفقراء المصريين، ما بين فترة وأخرى.

وزير الكهرباء المصري محمد شاكر، وخلال مؤتمر صحفي له أمس، بديوان عام وزارته، كشف النقاب عن الأسعار الجديدة للفواتير التي سيتم التعامل معها بداية يوليو المقبل، على أن يتم تحصيلها رسميًا مع فواتير شهر أغسطس القادم، استنادًا إلى قرار مجلس الوزراء الصادر في 30 من مايو الماضي بجلسة رقم 121.

الزيادة المقررة على الفواتير تتراوح بين 24.4% على عدادت المنازل، فيما تصل إلى 26.6% على العدادات التجارية والقطاع الصناعي، علمًا بأن الزيادة الأكبر كانت من نصيب الشريحة الأولى (من صفر إلى 50 كيلووات) التي يمثل الفقراء ومحدودو الدخل غالبيتها، إذ ارتفعت من 13 قرشًا إلى 22 قرشًا للكيلو بمعدل زياده قدره 70%.

ارتفاع قيمة فواتير الكهرباء يأتي في إطار سلسلة الزيادات التي اعتمدتها الحكومة المصرية خلال الفترة الأخيرة، استجابة لشروط صندوق النقد الدولي الذي يهدف في نهاية الأمر إلى رفع الدعم نهائيًا، ففي خلال الشهرين الأخيرين فقط، ارتفعت أسعار تذاكر مترو الأنفاق (وسيلة النقل الأساسية لقرابة مليوني مصري يوميًا) من 2 إلى 7 جنيهات بزيادة قدرها 250% تلاها زيادة أسعار مياه الشرب بنسبة 40%، هذا بخلاف انتظار زيادة أسعار المحروقات بين اللحظة والأخرى، بينما يقف المصريون مكتوفي الأيدي، في انتظار ما يملى عليهم من حكومة ترى أن نهجها المستمر في زيادة الأسعار يصب في المقام الأول في مصلحة المواطن.

340% زيادة خلال 4 سنوات

لم تكن زيادة الأمس الأولى من نوعها في أسعار فواتير الكهرباء، إذ تعد الخامسة على التوالي خلال السنوات الأربعة الأخيرة، كانت البداية في يوليو 2014، ثم يوليو 2015 ويوليو 2016، وبعدها يوليو 2017، وأخيرًا في يوليو 2018.

تأتي الزيادة في إطار الالتزام بالخطة الإصلاحية التي قدمتها الحكومة المصرية لصندوق النقد الدولي للحصول على القرض الذي تبلغ قيمته 12 مليار دولار تحصل عليهم مصر خلال 3 سنوات التي تقتضي رفع الدعم نهائيًا عن السلع والخدمات كافة بحلول العام المالي 2019/2020.

بمقارنة سريعة بين شرائح استهلاك الكهرباء وأسعار فواتيرها ما بين 2013 و2018 يلاحظ أن الأسعار زادت بقيم تتراوح بين 160 إلى 340% خلال الفترة الرئاسية الأولى للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فبعد أن كانت الشرائح مقسمة إلى 6 شرائح في 2013 زادت إلى 7 شرائح في 2018 بعد أم تم تقسيم الشريحة الثانية (من 51-200 كيلووات) إلى شريحتين في زيادة الأمس (من 51-100 ومن 101-200 كيلووات).

أما عن معدلات الزيادة في أسعار الشرائح التي تمثل غالبية الفقراء ومحدودي الدخل، فبعد أن كان سعر الكيلووات/ساعة للشريحة من صفر إلى 50 عام 2013  نحو 5 قروش، أصبحت في 2018 نحو 22 قرشًا بزيادة 340%، وهي شريحة يصل عدد المشتركين فيها إلى 3.5 ملايين مشترك وفق تصريحات وزير الكهرباء أمس خلال مؤتمره الصحفي، و5 ملايين مشترك عام 2012، بمتوسط 14-20 مليون مستفيد تقريبًا، باعتبار أن كل مشترك يمثل أسرة مكونة من 4 أفراد.

زيادة معدلات التضخم

موجات زيادة الأسعار المتتالية في الخدمات لا شك أنها ستنعكس على معدلات البيع والشراء في مصر، خاصة في ظل واقع اقتصادي مترهل بطبيعته وهو ما دفع الكثير من خبراء الاقتصاد إلى التحذير من خطوة هذه السياسة على ارتفاع معدلات التضخم والتأثير السلبي على منظومة الاقتصاد المحلي.

رئيسة قسم البحوث في بنك الاستثمار "فاروس" رضوى السويفي، قالت: "أرقام التضخم الخاصة بشهر يونيو/حزيران الحاليّ ستكون الهدوء الذي يسبق العاصفة، إذ إن الزيادة الجديدة في أسعار الكهرباء ستنعكس على معدل التضخم الخاص بشهر يوليو/تموز، بجانب أسعار المواد البترولية المتوقعة".

السويفي في تصريحات لها لـ"رويترز" أضافت "نتوقع زيادة بين 3 و4% على أساس شهري في يوليو، على أن تنخفض إلى 2.5% على أساس شهري في أغسطس/آب، ونتوقع أن يصل معدل التضخم السنوي إلى ما بين 13 و14% من يوليو/تموز إلى سبتمبر/أيلول، على أن ينخفض بعدها لنحو 12% من أكتوبر/تشرين الأول حتى ديسمبر/كانون الأول 2018".

بعد ساعات قليلة من إعلان وزير الكهرباء رفع أسعار الفاتورة، ألمح السيسي إلى احتمالية رفع أسعار المحروقات خلال الأيام القادمة

فيما ذهبت الخبيرة الاقتصادية ريهام الدسوقي، إلى أن "الطبقة الوسطى في مصر ستكون الأكثر تضررًا من الزيادات الجديدة، وستبحث عن مصادر أخرى لهيكلة مصروفاتها الشهرية من خلال البحث عن سلع وخدمات أقل تكلفة من تلك التي تستخدمها حاليًّا".

يذكر أن البنك المركزي المصري وفي بيانات له قد أشار إلى أن معدل التضخم الأساسي الذي يستثني السلع المتقلبة مثل الغذاء، انخفض إلى 11.1%على أساس سنوي في مايو/أيار من 11.62% في أبريل/نيسان.

تحذيرات من تداعيات ارتفاع أسعار الكهرباء على معدلات التضخم

تمهيد لارتفاع المحروقات

يبدو أن الكهرباء لن تكون المحطة الأخيرة في سلسلة الزيادات، فبعد ساعات قليلة من إعلان وزير الكهرباء رفع أسعار الفاتورة، ألمح السيسي إلى احتمالية رفع أسعار المحروقات خلال الأيام القادمة، وذلك خلال كلمة له في حفل إفطار الأسرة المصرية الثاني، مهد خلالها إلى صعوبة المرحلة قائلًا: "نحن تقريبًا نقدم ما يمكن تقديمه بأرخص تكلفة وأتحدى العالم كله، نحن نقدم الوقود والكهرباء والسلع بأرخص الأسعار".

وأضاف أنّ الدولة تتحمل 632 مليار جنيه فاتورة الدعم كل عام، والحكومة في المتوسط تدعم كل أسرة بألف جنيه، بين دعم البوتاجاز والخبز والسلع التموينية، و"الدولة ستظل تقدم هذا الدعم حتى تُعد قاعدة بيانات حقيقية توضح من المستحق، فكل مواطن يحصل على دعم من الدولة في الخبز من 400 إلى 500 جنيه شهريًا".

الأزمات الاقتصادية ستحتدم أكثر وأكثر خلال هذا العام، خاصة مع ارتفاع الأسعار عالميًا، ومواصلة الحكومة سياستها في خفض الدعم، الأمر الذي يجعل الغلاء مستمرًا

كما جدد دعوته المتكررة للمصريين بتحمل تداعيات القرارات الاقتصادية الأخيرة، قائلًا: "علينا أن نتألم ونقاسي؛ فليس هناك من سبيل لنحقق ما نصبو إليه من آمال وتطلعات طموحة إلا العمل الجاد والمضني، وكل من يقول غير ذلك عليه أن يأتي ليقف مكاني ليقل لنا ماذا نفعل لكي نحل هذه المشكلات التي نمر بها، علينا أن ندفع معًا الثمن".

وتشير التقارير إلى تحريك أسعار المحروقات خلال الأيام القادمة إن لم تكن ساعات، إذ تخطط الحكومة في العام المالي المقبل 2018-2019، الذي يبدأ مطلع الشهر القادم، لخفض مخصصات دعم المواد البترولية بنسبة 26%؛ أي إلى 89 مليار جنيه، ودعم الكهرباء بـ47%؛ أي إلى 16 مليار جنيه.

2018 الأصعب اقتصاديًا

تشير التوقعات إلى أن العام 2018 ربما يكون الأصعب اقتصاديًا على المصريين، فإما أن يكون عنوانًا لمرحلة جديدة تخف فيها وطأة المشاكل الاقتصادية والعبور بسلام، أو الانخراط في مشكلات مالية واقتصادية أكثر صعوبة.

صعوبة هذا العام تنطلق من كونه آخر عام في برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي وقعته مصر مع صندوق النقد الدولي نهاية 2016، حيث يستهدف تحقيق فائض أولي في الموازنة العامة بما يتراوح بين 1.7% و2% من الناتج المحلي، بينما يتوقع تحقيق فائض في الموازنة الحاليّة للمرة الأولى بنسبة 0.2%.

أسعار فواتير الكهرباء زادت بقيم تتراوح بين 160 إلى 340% خلال الفترة الرئاسية الأولى للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

هذا الفائض الذي تسعى الحكومة لتحقيقه لا شك أنه سيكون عبر تحريك أسعار السلع والخدمات ورفع الدعم تدريجيًا، هذا بخلاف استمرار نزيف الاقتراض الخارجي الذي لا يتوقف الذي أدى إلى تصاعد حجم الدين الخارجي إلى أرقام غير مسبوقة في تاريخ مصر، تجاوزت حاجز الـ82 مليار دولار.

وائل النحاس الخبير الاقتصادي، يشير إلى أن الأزمات الاقتصادية ستحتدم أكثر وأكثر خلال هذا العام، خاصة مع ارتفاع الأسعار عالميًا ومواصلة الحكومة سياستها في خفض الدعم، الأمر الذي يجعل الغلاء مستمرًا، مضيفًا في تصريحات لـ"العربي الجديد" أن الحكومة "ستواصل الاقتراض وستتجه الأعباء نحو الارتفاع، وتقل فرص توظيف أموال البنوك في الاستثمار، ما يعني عدم تحريك الإنتاج الحقيقي وتقلص توظيف العمالة".

وكالعادة فإن الفقراء ومحدودي الدخل أبرز ضحايا تلك السياسات التي تفتقد للمعايير الإنسانية والمجتمعية، وتعتمد على تطبيق الشروط المملاه بصورة لا تقبل المرونة ولا الاستثناءات، في ظل تحريك متواصل في أسعار السلع والخدمات يقابله تجميد لمناسيب الرواتب والدخول، ومن ثم بات من المتوقع - وفق تقارير اقتصادية - ارتفاع معدلات الفقراء في مصر البالغ عددهم الآن قرابة 30 مليون مواطن خلال الفترة القادمة بصورة ملحوظة.