قد تكون إحدى التطورات الأكثر غرابةً بعد قيام الجمهورية التركية الحديثة في عشرينات القرن الماضي، وما تبعها من إجراءات بحقّ اللغة العربية وكلّ ما يخصّ العرب والثقافة العثمانية القديمة، هي أنْ يصل الأمر بالكثير من الأتراك الجدد لاعتبار الاستماع للموسيقى العربية بمثابة "الخيانة العظمى".

ولو عدنا لبدايات الدولة وسياسات التتريك التي اتّبعتها وفرضها أتاتورك، لوجدنا أنّ الموسيقى طالها ما طالها أيضًا. إذ شملت أفكار "ضياء جوك ألب"، أو كما يلقّب بأبي القومية التركية، العديد من التنظيرات حيال الموسيقى التركية الحديثة ووجوب تنقيتها من أية شوائب عثمانية/عربية قد تفسدها وتفسد هويّتها القومية. وبحلول عام 1934، كانت دار الموسيقى الشرقية قد أغلِقت تمامًا ومُنعت إذاعتها على محطات الراديو بأمرٍ حكوميّ.

لكنّ المنع ذاك كان في النهاية سببًا مهمًّا في ظهور أحد أهم أنواع الموسيقى التركية التي أخذت موقعًا مميزًا لسنوات طويلة، الأرابيسك التركية. ولمن لا يعرف ما هو الأرابيسك فيمكن باختصار تعريفه بأنه تلك الموسيقى التي ظهرت في ثلاثينات القرن الماضي متأثرةً بالموسيقى العربية وألحانها، خاصةً المصرية، بعد تحوّل الأتراك للاستماع إلى إذاعات الراديو العربية إبان منع الإذاعة العثمانية كأحد سياسات التتريك.

وكنوعٍ من المحافظة على الهوية الشرقية ورفض الانصهار بالغرب، قاومت العديد من الطبقات المحافظة والتي كانت مهمّشة آنذاك، لعملية التتريك بمحافظتها على الاستماع للأصوات العربية مثل أم كلثوم وعبد الوهاب وغيرهم الكثير. ومع الوقت، بدأ العديد من الملحّنين والمغنّين الأتراك باستلهام الموسيقى العربية الحديثة ومزجها بالفلكلورية التركية الشعبية.

ظهرت موسيقى الأرابيسك في ثلاثينات القرن الماضي متأثرةً بالموسيقى العربية وألحانها، خاصةً المصرية، بعد تحوّل الأتراك للاستماع إلى إذاعات الراديو العربية إبان منع الإذاعة العثمانية كأحد سياسات التتريك.

وعلى مدى ثلاثة عقود تقريبًا، أي من بداية الثلاثينات حتى نهاية الخمسينات، بقيت موسيقى الأرابيسك، والتي لم تكن امتلكت اسمها هذا بعد، حصرًا على الطبقات الشعبية والريفية فقط، ولم تظهر سوى بالعديد من الأفلام القليلة أو بعض القنوات الإذاعية غير المشهورة. ومع ظهور الكاسيت في الستينات، بدأت هذه الموسيقى تنحىً منحىً مغايرًا، أكثر شهرةً وأقوى تواجدًا، وفي هذه الفترة أخذت اسمها لتمييزها كنوعٍ موسيقيٍّ مستقل ومميز يختلف عن الموسيقى التركية الحديثة.

وبمجرد ربط هذه الموسيقى بعد انتقالها للمدن بجذور شبه عربية، خاصة بما أنّ الكلمة "أرابيسك" تشير إلى "عربي"، اللغة أو القومية التي ترتبط بالماضي الذي ترغب الدولة بمحوه واستبداله، فأصبح من السهل على السلطات محاولة قتلها وإنهاء وجودها من الثقافة التركية. وبالفعل، قام التلفزيون الوطني بمنع بثّها على مدى عقديْن متتاليين، وواجهت حملة مضادّة من المؤسسات الثقافية والفنية العديدة، حتى تمّ وصمها بالموسيقى "المنحطة" أو "موسيقى العشوائيات" أو "موسيقى الميني باص".

ومع ذلك، وعلى الرغم من أن إذاعات وتلفزيون الدولة قامت باستبعادها، إلا أنّها وجدت واجهة شعبية واسعة، فقد أحبها الناس وفضَلوها على جميع الأنواع الأخرى لأسباب عديدة؛ فقد كانت ألحانها مألوفةً من جهة، ومن جهةٍ أخرى فقد وجد الشباب في كلماتها ومواضيعها ما يصفهم ويصف هويتهم الضائعة التي تحاول السلطات تغييرها ومحوها.

كما كان موسيقيو الأرابيسك ومغنّوها هم من الملحّنين والمغنّين الكبار المشهورين، الذين عُرفوا بتميّزهم وتفرّدهم على بقية الملحّنين، إذ يعدّ "أورهان كنجباي" و"مسلم جورساس" و"فردي طيفور" من ألمع الأسماء التي ظهرت في سماء الأرابيسك بداية ظهوره.

فمن جهته، يرفض " أورهان كنجباي"، الذي يعدّ مؤسس موسيقى الأرابيسك، لكنه يرفض هذه التسمية لها، معتبرًا أنّ الاسم جاء كوصمة للموسيقى لربطها بالثقافة العربية وتسهيل منعها في الدولة. إذ يعتقد كنجباي أن جذور موسيقاه ترتكز على التقاليد العميقة للموسيقى التركية، ويرى أنها يجب أن تكون معروفة بالموسيقى التركية الحديثة، أو مجرد نسبها له.

أمّا أغنيته  "Bir Teselli Ver"، والتي ألفها وغنّاها عام 1970، فقد جلبت شهرةً واسعة له، وباتت مع السنوات تعدّ واحدةً من أفضل الأغاني المكتوبة في الموسيقى التركية الحديثة، نظرًا لأنه حافظ فيها على التقاليد التركية الشعبية في الموسيقى من جهة، واستلهم موضوعات الموسيقى الحديثة خاصة، أي الوجودية المتشائمة، في كلماتها من جهةٍ أخرى.

كما عمل كنجباي كمنتج الموسيقى، وامتلك شركة إنتاج خاصة به منذ عام 1973، ألف عن طريقها أكثر من 1000 أغنية، غنّى 300 منها بنفسه، بينما ما تبقى منها غناها موسيقيّون آخرون. ومن الدلائل القوية على نجاح فنّه ورفضه لمحاولات المحو والاندثار، فقد شارك أورهان كنجباي في أدوار قيادية في أكثر من 30 فيلمًا وأخرج أكثر من 90 فيلمًا موسيقيًّا أحبّها الأتراك وأغانيها التي احتوتها.

ومع بداية الثمانينات، سطح نجم "إبراهيم تاتليسيس"، كواحدٍ من ألمع نجوم الأرابيسك الذين عرفتهم تركيا وأُعجب بألحانه العرب، فأخذوا منها وقلّدوها. بروز تاتليسيس جعل من الأرابيسك يأخذ منحىً جديدًا، إذ نال هذا النوع الموسيقيّ دعمًا من أحد الأحزاب السياسية للمرة الأولى، فاستخدمه حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان في دعايته الانتخابية. كما أنّ نجاح الحزب لاحقًا على المستوى السياسي، انعكس على تزايد القبول الشعبي للأرابيسك وسهّل من إمكانية انتشاره عبر المحطات التلفزيونية والإعلامية المختلفة.

أما في التسعينات، فقد بدأ الأرابيسك يجد طريقًا له في طبقات المجتمع الوسطى وبعض الطبقات النخبوية في تركيا، بعد أنْ كان حصرًا على الطبقات الشعبية والمهمّشة، ويعود الأمر إلى عدة عوامل لعلّ أهمها هو دمج العديد من الألوان الموسيقية الحديثة مع الأرابيسك، إضافةً لاستخدام العديد من الآلات والإيقاعات المختلفة، الشرقية منها والغربية. ولعلّ اختفاء الفجوة بين طبقات الريف والمدينة، واندماج سكان الريف أكثر وأكثر مع سكان المدينة، ساهم أيضًا في صعود الأرابيسك في تلك الفترة وتقبّله بشكلٍ أوسع. إذ ظهرت طبقة من الأتراك امتلك نضجًا أكثر فيما يخصّ الهوية القومية والارتباط بالتراث الشرقيّ، فلم تعدّ الرغبة بالانفصال عنه كما كانت في العقود الأولى لتأسيس الجمهورية.

وبحلول الألفية الثانية، اتجهت أغاني الأرابيسك من الموضوعات الكئيبة الثقيلة والمتشائمة إلى موضوعاتٍ أكثر خفة وانسيابًا وعواطف أقل حزنًا وتشاؤمًا. وبالتالي، أصبحت الأرابيسك الآن الموسيقى الأكثر جماهيريةً في الدولة التركية، إلى جانب انتشار ألحانها واستلهامها في العديد من دول البلقان وشرق أوروبا إضافةً للدول العربية، فالكثير من المطربين العرب أخذوا من الألحان التركية، خاصة ألحان إبراهيم تاتليسيس، واستخدموها في أغانيهم المشهورة، مثل أغنية "سيدي منصور" لصابر الرباعي والتي أُخذت عن ألحان أغنية "Mavişim" لإبراهيم تاتليسيس.

غيرَ أنّ الأرابيسك، وعلى الرغم من مرور كلّ تلك الأعوام على ظهوره، وعبوره للمراحل التي عبرها بدءًا من الرفض والشجب والمنع، إلى أنْ أصبح ذا شعبية واسعة كبيرة، إلا أنّه لا يزال حتى يومنا هذا شاهدنا على صراع الهويات والانتماءات التي تضجّ بها الساحة التركية، سياسيًا واجتماعيًا، فتصريحات عازف البيانو والموسيقيّ التركيّ المشهور "فاضل ساي" قبل 6 سنوات من الآن، عن أنّ موسيقى الأرابيسك ما هي إلا "شيء مقزز" وأنّ حبه "خيانة"، تعدّ دليلًا قويًّا على التناقض الهويّاتي الذي لا يزال يلاحق الذات التركية منذ عقود طويلة.