لا يختلف اثنان بأن الانتخابات (الرئاسية والبرلمانية) التركية المزمع إجراؤها غدًا 24 من يونيو/حزيران القادم، تحظى باهتمام بالغ على الصعيدين الداخلي والخارجي التركي، وذلك لأسباب كثيرة أهمهما أنها من أبرز الاستحقاقات الدستورية في تركيا بعد انقلاب 15 تموز الفاشل.

ففي الوقت الذي لا زالت فيه تركيا تعاني من أزمات حقيقية تتمثل بأزمة مشروع إدارة الدولة منذ تأسيس الجمهورية وحتى اليوم، من المتوقع أن تضع هذا الانتخابات حدًا فاصلاً بين تركيا الحديثة التي يريدها أردوغان، وتركيا الجديدة التي يريدها الغرب والقوى المعارضة له.

إذ تبدو خيارات الناخب التركي واضحة اليوم، وإن كانت المطالب المتعلقة بتحسين الوضع الاقتصادي والحالة الاجتماعية تأتي على سلم أولوياته، إلا أن الاستحقاقات السياسية هي الأخرى لم تغب عن مخيلته، فقد نجح الرئيس أردوغان في توحيد كل أنظار الشعب التركي بمختلف تلوناته السياسية نحو العدو المتربص (حزب العمال الكردستاني وفتح الله غولن وداعش) للإخلال بالأمن القومي التركي، كما أنه نجح بإقامة خطوط فاصلة بينه وبين معارضيه، ويتضح ذلك في طبيعة الخطاب السياسي المستخدم في الحملات الانتخابية اليوم.

وبنظرة أوسع، لا بد من القول إن هذه الانتخابات ونتائجها ستكون لها علاقة مباشرة مع الجوار الإقليمي لتركيا، فلكوننا نعيش في ضوء بيئة إقليمية يكتنفها الكثير من الغموض وعدم اليقين، تبدو القوى الإقليمية المجاورة لتركيا وتحديدًا إيران والعراق وسوريا وأرمينيا، تنظر بعين الترقب لما ستؤول إليه هذا الانتخابات.

كل التيارات السياسية التركية اليوم كـ(حزب العدالة والتنمية، حزب الشعب الجمهوري، حزب الجيد، الحركة القومية)، أكدت في برامجها الانتخابية الحفاظ على المكتسبات السياسية التركية المتحققة في المجال الجغرافي التركي

وبالحديث عن العلاقة بين انتخابات 24 من يونيو/حزيران ومدى تأثيرها على السياسة الخارجية التركيا حيال العراق، فيمكن القول إن مجالات التحرك التركي الحاليّ حيال العراق تتراوح في الفضاءات الآتية:

  1. العمليات العسكرية التركية ضد حزب العمال الكردستاني شمال العراق

  2. مشكلة المياه

  3. النفوذ السياسي التركي في العراق

  4. العلاقة مع إقليم كردستانا

وبنظرة دقيقة لطبيعة هذا الفضاءات التي تربط تركيا بالعراق، يمكن القول إنها مرتبطة أساسًا بمحركات الأمن القومي التركي، وهذا ما يدفعنا للقول إن أي قيادة سياسية جديدة ستفرزها هذا الانتخابات، لن تذهب بعيدًا عن هذه الفضاءات المرتبطة بصورة مباشرة بالجغرافيا السياسية التركية المتأزمة.

فكل التيارات السياسية التركية اليوم كـ(حزب العدالة والتنمية، حزب الشعب الجمهوري، حزب الجيد، الحركة القومية)، أكدت في برامجها الانتخابية الحفاظ على المكتسبات السياسية التركية المتحققة في المجال الجغرافي التركي، مع التأكيد هنا بأن الاختلاف بينهم يرتبط في الأساليب التي يعتمدها كل حزب في تحقيق هذا الهدف، أما الجوهر فهو محل إجماع رسمي وشعبي تركي.

الدبلوماسية الناعمة التي يديرها اليوم السفير التركي في العراق فاتح يلدز، هي بصورة أخرى جزء من السياسة التركية الرسمية التي على ما يبدو وجدت في التوجه نحو الطبقات الاجتماعية العراقية خيارًا أفضل من المراهنة على الأحزاب السياسية العراقية

وبالعودة للعراق، يمكن القول إن كل القوى السياسية التركية تنظر إلى العراق بأنه جزء من الجغرافيا التركية "التاريخية"، ومشاكله مرتبطة بصورة مباشرة بالسياسة الداخلية التركية، ولنا في أزمة الهجرة التي تعرضت لها تركيا بعد 9/6/2014، نتيجته سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" على مدينة الموصل، أكبر مثال على ذلك، وبالتالي فإن الأسس التي توجه السياسة الخارجية لتركيا حيال العراق، غير قابلة للمساومة أو حتى النقاش بين القوى السياسية التركية المشاركة في الانتخابات المقبلة.

ومما تقدم يصح القول إنه ليس من المنتظر أن نرى تغيرًا كبيرًا في التوجهات التركية حيال العراق، هذا إذا ما افترضنا أنه يمكن أن يحصل تغيير في مؤسسة الرئاسة التركية، فكل التيارات السياسية التركية اليوم تشيد بالنجاحات التي حققتها القوات المسلحة التركية في عفرين ومنبج وقبلها في جرابلس، وإذا كانت أحزاب المعارضة اليوم لا تتفق مع سياسات الرئيس أردوغان، إلا أنها بالمقابل تتغنى بالنجاحات العسكرية المتحققة تحت قيادته، خصوصًا تلك المتعلقة بإبعاد خطر حزب العمال الكردستاني إلى خارج الأراضي التركية، وضرورة ملاحقته في جبال قنديل العراقية، وهو ما يفعله اليوم.

فالدبلوماسية الناعمة التي يديرها اليوم السفير التركي في العراق فاتح يلدز، هي بصورة أخرى جزء من السياسة التركية الرسمية، التي على ما يبدو وجدت في التوجه نحو الطبقات الاجتماعية العراقية خيارًا أفضل من المراهنة على الأحزاب السياسية العراقية التي تتغير مواقفها السياسية بتغير الظروف السياسية في العراق، وبالتالي فإن تركيا تدرك اليوم أنه من غير الممكن التهاون في خياراتها السياسية المحددة في العراق، كون التهاون فيها سيسمح لقوى إقليمية أخرى بملء الفراغ التركي، والحديث هنا عن إيران أو المملكة العربية السعودية.

ولا بد من التأكيد هنا أيضًا أن تركيا تدرك حجم المخاطر والفرص المتوفرة في الساحة العراقية، خصوصًا تلك المتعلقة بموضوع إعادة إعمار الموصل، أو مسألة كركوك، أو وجود الحشد الشعبي على طول الحدود العراقية السورية، والدور الإيراني في العراق، أو حتى التيارات السياسة العراقية المدعومة من قبلها.

فنجاح أردوغان في الانفراد بالقضية الفلسطينية، وتبني خيارات مستقلة في سوريا، وأمساكه بملفات مؤثرة في العراق، يجعل من الصعب التنبؤ بحدوث تغيرات جوهرية في طبيعة السياسة التركية بعد 24 من يونيو/حزيران

فهي على يقين بأن التراخي في هذه المجالات سيكلف تركيا الكثير، فإذا كانت تركيا طوال فترة سيطرة حزب العدالة والتنمية على السلطة، قد شهدت انغماسًا واضحًا في الشأن العراقي، فبالمقابل لا يمكن الافتراض هنا بأنه في حالة نجاح محرم إنجه مرشح حزب الشعب الجمهوري، أو ميرال أكشنار مرشحة الحزب الجيد، باعتبارهما الأوفر حظًا لمنافسة أردوغان على مقعد الرئاسة، سيحدث تغير كبير في بوصلة السياسة الخارجية التركية حيال العراق، خصوصًا أن جميع المرشحين متفقين على مبدأ أساسي وهو "أن عدم وجود تصور واضح لطبيعة السياسة التركية المستقبلية سواء على الصعيدين الإقليمي والدولي، سيكلف تركيا الكثير من رصيدها السياسي والاقتصادي والشعبي في المجالات الجغرافية المحيطة بها، وتحديدًا العراق".

ومن جهة أخرى إذا سلمنا بنتائج استطلاعات الرأي التي أجرتها العديد من المؤسسات التركية، وتوقعت أغلب نتائجها فوز الرئيس أردوغان بفارق بسيط عن مرشحي التحالف الجمهوري، وإذا ربطنا هذه النتائج بالخطابات السياسية المريحة التي يتحدث بها أردوغان في أثناء حملاته الانتخابية في العديد من المدن والمحافظات التركية، فإن هذا يدفعنا للقول بإمكانية استمرار الكاريزما الأردوغانية بتأثيرها ومساراتها على التوجهات التركية الحاليّة، كما أنه يمكن القول ختامًا بعدم إمكانية التراجع عن الموقع الذي بدأت تتمتع به تركيا في إطار الجيوبولتيك الإسلامي.

فنجاح أردوغان في الانفراد بالقضية الفلسطينية وتبني خيارات مستقلة في سوريا وإمساكه بملفات مؤثرة في العراق، يجعل من الصعب التنبؤ بحدوث تغيرات جوهرية في طبيعة السياسة التركية بعد 24 من يونيو/حزيران 2018.