حالة تذمر عامة تسود السوشيال ميديا في تونس، تذمر من كل شيء ومن كل وضع حتى درجات الحرارة المرتفعة التي لا دخل للحكومة في رفعها، يبدو أن التذمر صار هواية تونسية ولكن الحكومة توفر له الأسباب كأنها تستدعيه قصدا لرفع حالة الإحباط في النفوس.

عن جهل أو عن قصد يقوم عامل الحفارة بكسر أنبوب الماء الرئيسي المزود للمدينة بمياه الشرب فتبيت المدنية عطشى في موجة حر استثنائية لأول شهر يوليو، وفي موجة زيادات غير مسبوقة في المواد المعيشية والطاقية تتشكى الحكومة من نقص الموارد وتبث إشاعات عن قرب إفلاسها ولكنها تجد المال الكافي لدعوة فنانين عرب بكاشيهات خيالية كافية لوحدها بحل أزماتها، فنانون عرب مجّهم الجمهور لكثرة ما شاهدهم (كاظم الساهر وماجدة الرومي وأمينة فاخت التي لم تجدد ولم تضف منذ 10 سنوات)، يطرح الجمهور السؤال هل لهذا الاستثمار الثقافي اللاهي مردود في الأزمة القائمة؟

الحكومة لا تجيب والجمهور يتذمر. خلف موجة التذمر يواصل أنصار إسقاط الحكومة عملهم فلا يدخلون عطلة سياسية كعادة الصيف الكسول في تونس حيث ينصرف السياسيون لعطلهم ويستعدون للعودة السياسية في شهر أيلول،لا يبدو أن هناك عطلة سياسية ولكن ما حقيقة الوضع الآن والحر خانق والماء مقطوع والمهرجانات زاهية؟

الشاهد هو الخيار الصفر

سبق أن كتبنا في الغرض وبينا أن الشاهد ليس الخيار الأفضل لتونس وهو رجل غير مبدع وحكومته القائمة الآن أقرب ما تكون إلى حكومة تسيير أعمال كسولة تنتظر نهايتها، وقلنا أن هذا الخيار هو الخيار الصفر أو الخيار الأقل سوء للمرحلة لأن الحد الأدنى من الاستقرار القائم هو الضمانة الأخيرة المتبقية لإيصال البلد إلى موعد انتخابي قانوني في نهاية 2019 حينها يمكن تجديد البرلمان وتجديد الحكومة وطبعا تحت رئاسة شخص جديد في قرطاج.

بات واضحا أن الاستقرار المطلوب يفيد حزب النهضة المنظم والمستعد للاستحقاقات بماكينة انتخابية قوية وبحزب لا يتفكك رغم الصراعات الداخلية التي تشقه سرا وعلنا

لكن لا يبدو أن الاستقرار القائم مفيد لمن يريد إسقاط حكومة الشاهد وهم بالتحديد شق من حزب النداء يقوده ابن الرئيس وبإيعاز من الأب ويعاضده في الوجهة الاتحاد العام التونسي للشغل ولكن في الباطن يعاضده اليسار النقابي وبإيعاز من الجبهة الشعبية، ومن الواضح أن هذا الحلف يعمل على إيقاف المسار الديمقراطي بآلياته الحالية أي الانتخابات والتدرج السياسي القانوني ولو أفضى إلى حكومات بلا إبداع.

لقد بات واضحا أن الاستقرار المطلوب يفيد حزب النهضة المنظم والمستعد للاستحقاقات بماكينة انتخابية قوية وبحزب لا يتفكك رغم الصراعات الداخلية التي تشقه سرا وعلنا، وعلى ضوء هذا تحددت المواقف والتحركات. كل ما يُخسر النهضة مرحب به بقطع النظر عن النتيجة النهائية التي لا شك فيها. وهي أن انكسار المسار سيؤدي حتما إلى مرحلة مضطربة تفتح على مجهول لا يمكن التنبؤ بنهايته.

ترتفع الآن نغمة مستعادة أن حكومة الشاهد هي حكومة التفويت للبنوك الدولية ورهن البلد والعبث بالسيادة الوطنية وهذا كلام صحيح لكنه يراد به باطل، لأن حكومة (أي حكومة) ما بعد الشاهد لن تجد فكاكا من الوضع الذي تتحرك فيه حكومة الشاهد بجبهة داخلية متناحرة، لا أحد يتكلم عن جبهة داخلية متماسكة ضد هيمنة المقرضين الدوليين تعيد ترتيب وضع البلد الاقتصادي بالاعتماد على موارده الداخلية وعلى تنويع شركائه في الخارج. فهذه الفكرة تؤدي إلى تعاون حتمي مع حزب النهضة المنبوذ بما يزيد من تقوية وضعه ضمن أية شراكة سياسية. المشكل ليس في الحكومة إذن بل في الطبقة السياسية التي لم تخرج من الاستقطاب والإقصاء.

الرئيس يخسر أوراقه

منذ الإعلان عن وثيقة قرطاج الأولى والرئيس يحاول قيادة المشهد كزعيم ولكنه في كل مرة يخسر المزيد ونراه الآن ينتهي إلى موقع ضعيف قد لا يخرج منه بأية مكرمة سياسية عمل على استدراكها بعد أن أخرجته الثورة من النسيان.

خسر الرئيس أوراقا كثيرة منها أنه الآن متهم من قبل الكثيرين بأنه يستعيد حكم العائلة ويعمل جاهدا على إبقاء الحكم في سلالته بما ذكر الناس بحكم بن علي العائلي والجهوي

الوثيقة الأولى كانت سببا لإزاحة حكومة غير مبدعة (حكومة الصيد) وقيل أن حكومة الشاهد ستبدع وستخرج البلد من أزمته ولكن قبل أن تستقر وتعلن نتائج عملها، أخرج الرئيس وثيقة قرطاج الثانية ودعا الشركاء إلى طاولة تفاوض أسفرت عن هز حكومة الشاهد حتى الآن دون أن تفلح في تقديم بديلها العبقري بل وضعت البلد في أزمة حكم ومشروعية.

خسر الرئيس أوراقا كثيرة منها أنه الآن متهم من قبل الكثيرين بأنه يستعيد حكم العائلة ويعمل جاهدا على إبقاء الحكم في سلالته بما ذكر الناس بحكم بن علي العائلي والجهوي. صورة الرئيس المترفع انكسرت ولم تفلح الآلة الإعلامية التي تتحدث عن حكمة الشيخ الرئيس في ترميمها. وقد زاد الأمر سوءا أن ابن الرئيس عجز عن إدارة حزبه بكفاءة تؤهله للحكم وهي الخسارة الثانية للرئيس.

الانتخابات البلدية كشفت انهيار حزب النداء وأثبتت فشل ابن الرئيس المدير التنفيذي للنداء في بناء حزب كفء وقادر على المنافسة. وقد أصاب هذا الانهيار الرئيس في السويداء. وهو يعيش الآن بروح رجل مكشوف في العراء السياسي خاصة أمام صديقه اللدود زعيم حزب النهضة الذي سبب للرئيس خسارة ثالثة أو قاصمة الظهر.

فبعد أن أعلن حزب النهضة في أجواء التفاوض التمسك بحكومة الشاهد توقع الرئيس أن التمسك تفاوضي على تحسين موقع حزب النهضة في حكومة ما بعد الشاهد وأن توسيع مكانتها سيعيدها إلى الرشد لكن اللحظة التي خرج فيها راشد الغنوشي من آخر جلسة تفاوض حول وثيقة قرطاج الثانية وأعلن نهاية عصر تنازل النهضة فاجأت الرئيس وشعر بالخسران لم يعد شريكه مضمونا، وترجمة ذلك عدديا أن كتلة النهضة البرلمانية لن تصوت على إسقاط الحكومة. فإذا أضاف الرئيس إلى ذلك حجم الغاضبين على ابنه من كتلة النداء داخل البرلمان فان حساباته ترتبك ويقف حائرا أو خانعا لحكومة الشاهد التي تربح الأرض في سباق إسقاطها وتستبق مناورات ابن الرئيس والنقابة التي تسنده لأسباب لا علاقة لها بكفاءة الحكومة لكن مع التنبيه هنا أن حزب النهضة ليس بالقوة الكافية ليذهب مع حكومة الشاهد حتى النهاية وهذا موضوع ورقة أخرى .

الرئيس يقف اللحظة بلا سند حزبي وبلا سند غربي ولا شريك مضمون في الداخل

فإذا التفت إلى الخارج من فوق 93 سنة من عمره وغيابه شبه الدائم عن المشهد السياسي اليومي يجد أن الخارج الذي دعمه ذات يوم لم يعد يراه صالحا لقيادة ما بعد 2019 وتقول تسريبات كثيرة أن دول غربية كثيرة بما فيها فرنسا أرسلت إليه بطرقها ما يفيد بأنه لم يعد خيارا مريحا لها.

الرئيس يقف اللحظة بلا سند حزبي وبلا سند غربي ولا شريك مضمون في الداخل. لكن العمل لم يتوقف. لقد أجبر رئيس الهيئة الانتخابية على الاستقالة من منصبه(يوم 4 يوليو 2018) بعد أن حاصره أعضاء الهيئة وأقالوه من رئاستها، واستقالته تعني أن يعاد تشكيل الهيئة عبر البرلمان من جديد قبل 2019 وهو موعد قريب سيمر حتما بمناورات كثيرة منها مقايضة تعديل الهيئة بتعديل الحكومة. هذا تعطيل إضافي يفتح على تأجيل الانتخابات ولكن ماذا ينتظر من تأجيلها غير المزيد من تعفين الوضع القائم وتأخير الحلول المنتظرة التي كلما تأخرت ارتفع التذمر الشعبي.

فصل آخر من التذمر

تونس لا تستحق كل هذه المعاناة وإدارتها أيسر بكثير من كل هذا العناء الذي يسلط على الشرائح المفقرة. الطريق واضحة نحتاج إدارة متماسكة في الداخل يسندها تشكيل حزبي يركز على الخروج من الأزمة الاقتصادية قبل فتح معارك جانبية تتعلق بنمط المجتمع المستقبلي، نحتاج إلى إعادة تتريب الأولويات الوطنية بخصوص معارك الداخل الثقافي. إن صرف اهتمام الأفراد إلى التركيز على حرياتهم الفردية الجسدية قبل ضمان عيش كريم لهم يفسد النقاش.

لقد كتب الكثير عن اغتراب النخبة المثقفة عن اهتمامات الشارع وقد تأكد فعلا أن هذه النخبة صماء فعلا عن هذه الهموم. وهي بصدد الإضرار بالقضايا التي تطرحها للنقاش إذ تجعلها موضوعا أولا في الوقت الذي يعاني فيه الناس مشكلة مياه الشرب ومشكلة تسويق المنتج الزراعي وآلاف من المشاكل الأخرى الحيوية التي تضغط يوميا على الناس فتجعل التذمر لغة يومية ومزاجا سائدا.

صيف ساخن من السماء ومن الأرض وعامة تطحن وحكومة مرتبكة ورئيس مشغول باسمه وبأسرته وماجدة الرومي تستعد للمرة الألف لتغني لهم (قسما بسحر عيونك الخضر) ليظن التونسيون أن عيونهم خضراء وأنهم شعب متفوق فكل ذي عين خضراء سعيد وإن عاش  تحت رئاسة رجل يختصر المجد في لون عين ابنه السعيد