بيانٌ صحفيٌ أصدرته الأسبوع الماضي شركة حصاد إحدى الشركات المنضوية تحت لواء جهاز قطر للاستثمار جاء فيه أن الشركة تنوي زيادة استثماراتها في القطاع الزراعي والغذائي السوداني بقيمة إضافية قدرها ٥٠٠ مليون دولار.

وفصّل الرئيس التنفيذي لشركة حصاد محمد السادة بالقول إن الشركة ستقوم خلال الثلاث سنوات القادمة، باستثمار 500 مليون دولار في القطاع الغذائي بالسودان، وذلك من خلال الدخول في شراكات مع عدد من الشركات السودانية المحلية.

سنحاول في هذه المقالة التطرق إلى خلفيات قرار الشركة القطرية شبه الحكومية بزيادة استثماراتها في السودان، ودلالات هذا القرار في هذا التوقيت بعد مرور أكثر من عام على حصار قطر، وهل هناك توجه قطري للاستثمار بقوة في المنتجات الزراعية وصناعة الغذاء بعد أن قطعت شوطًا كبيرًا في تحقيق الاكتفاء الغذائي خلال عام الحصار؟ كما سنرصد أبرز المعوقات التي ستواجه الاستثمار القطري في السودان وكيفية التغلب عليها. ولكن قبل ذلك سنقدم لمحة عن الشركة القطرية واستثماراتها بالسودان.

ما هي شركة حصاد؟

تأسست شركة حصاد الغذائية التي تعمل في قطاعي الزراعة والثروة الحيوانية قبل 10 أعوام، أي في العام 2008م، كإحدى شركات جهاز قطر للاستثمار بهدف دعم الاقتصاد القطري من خلال إدارة نشاط تجاري ذي ربحية مستدامة يعمل على تأمين مصادر الغذاء، وقد اتخذت الشركة نموذجًا استثماريًا يعتمد بشكل أساسي على الاستثمار في الأسواق العالمية المتميزة بهدف توفير مصادر الغذاء لدولة قطر وذلك بتلبية المتطلبات المحلية.

تمتلك شركة حصاد الغذائية العديد من الاستثمارات في كل من قطر وأستراليا والسودان وباكستان وعُمان، بالإضافة إلى عدد من الاستثمارات المستقبلية المحتملة في آسيا وإفريقيا وأوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية

وتعمل شركة حصاد الغذائية وفق أحدث نماذج الاستثمارات العالمية، حيث تركز بشكل أساسي على الفرص الاستثمارية العالمية ذات الآفاق المجدية تجاريًا، بهدف دعم الاقتصاد القطري.

وتتبع الشركة في جميع مشاريعها منهج الاستثمارات طويلة المدى والتي تتراوح بين (50 و100 عام أو أكثر)، حيث تقوم الشركة بالتركيز في استثماراتها على القطاع التجاري الزراعي وإنتاج المواد الغذائية خاصة البروتينات الحيوانية والحبوب والأرز والسكر.

وتمتلك شركة حصاد الغذائية العديد من الاستثمارات في كل من قطر وأستراليا والسودان وباكستان وعُمان، بالإضافة إلى عدد من الاستثمارات المستقبلية المحتملة في آسيا وإفريقيا وأوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية، كما تقوم الشركة حالياً من خلال الشركات التابعة لها بإنتاج 250 ألف رأس من لحوم الأغنام و179 ألف طن من الحبوب، بالإضافة إلى 8 آلاف طن من الأعلاف الخضراء و3 ملايين زهرة بشكل سنوي.

أبرز استثماراتها في السودان

منذ العام 2011م، أقامت شركة حصاد مشروعًا زراعيًا ضخمًا في محلية أبو حمد التابعة لولاية نهر النيل "شمال السودان" وتقارب مساحته نحو (270) ألف فدان تتم فيه زراعة الحبوب المختلفة والعلف ويرادف ذلك تربية الثروة الحيوانية في المنطقة، بشراكة مع مجموعة (أرتيقا) السودانية علي أن تكون النسبة المخصصة لحكومة السودان حوالي 75% والباقي (25%) للحكومة القطرية.

وساهم مشروع حصاد الزراعي منذ أن بدأ انتاجه الفعلي قبل 6 سنوات في تحقيق نهضة واضحة بمحلية أبوحمد حيث تم زراعة جزء من المساحة الممنوحة للشركة كما تقوم المجموعة بتنفيذ مشروع كهرباء للمنطقة بتكلفة تقدر بأكثر من 200 مليون دولار وذلك لتقليل تكلفة الإنتاج وحل مشكلة الكهرباء التي تؤرق أهالي المنطقة.

كما منحت حكومة الولاية الشمالية ــ المجاورة لولاية نهر النيل ــ شركة حصاد نحو 20 ألف فدان للاستثمار في القطاع الزراعي، واعتبر مدثر عبدالغني وزير الاستثمار السوداني السابق أن مشروع حصاد بالولاية الشمالية سيشكل إضافة كبيرة للاستثمار الزراعي في البلاد.

وتساهم شركة حصاد في شركة ودام الغذائية التي تستثمر في السوق السودانية وتعمل في مجال توفير اللحوم الحمراء الحية والمذبوحة. وقد كشفت ودام الغذائية عن تغطيتها لنسبة 80 % من السوق المحلي بقطر من الماشية الحية السودانية

دلالات التوجه القطري نحو زيادة استثماراتها بالسودان

في أواخر مارس/ آذار الماضي، أعلنت الحكومة السودانية عن توقيع اتفاق مع دولة قطر لإعادة تأهيل وإدارة ميناء "سواكن". واعتبر مكاوي عوض وزير النقل السوداني، أن ميناء سواكن سيصبح توأمة لميناء حمد بقطر التي وصفها ب"الشقيقة"، مضيفًا أن الميناء سيعود بمنفعةٍ على البلدين من حيث الاتصالات والاقتصاد والاستثمار، وقال إن المشروع من المتوقع اكتماله في العام 2020 بتكلفة وتمويل قطري قدره 4 مليارات دولار.

رغم تذبذب مواقف الحكومة السودانية وسعيها لترضية طرفي الأزمة الخليجية (قطر وخصومها)، فإن حكومة البشير أظهرت ميلًا لمحور قطر وتركيا في الآونة الأخيرة

لم تمضِ أيام على توقيع الاتفاق حتى وصلت المعدات الأولية التي أرسلتها قطر ليبدأ العمل فورًا في تأهيل الميناء الحيوي بالتزامن مع شروع تركيا في ترميم وصيانة سواكن نفسها تنفيذًا لاتفاق آخر وقعه الرئيس السوداني عمر البشير مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان أواخر العام الماضي.

ورغم تذبذب مواقف الحكومة السودانية وسعيها لترضية طرفي الأزمة الخليجية (قطر وخصومها)، فإن حكومة البشير أظهرت ميلًا لمحور قطر وتركيا في الآونة الأخيرة مما أغضب محور أبوظبي الرياض ولكن السودان لم يأبه بذلك كثيرًا فقد ثبت على موقفه في اتفاق سواكن مع الرئيس أردوغان ووقع مع قطر اتفاقية أخرى لتأهيل ميناء عثمان دقنة "في سواكن". فيما لم يتم حسم صفقة تأهيل ميناء بورتسودان حتى الآن، والذي كانت شركة موانئ دبي تسعى للاستحواذ عليه بقوة، إلا أن الحكومة السودانية لم تمنحها الصفقة حتى الآن ربما للسمعة السيئة التي اكتسبتها الشركة الإماراتية في منطقة القرن الإفريقي.

وننظر إلى اتجاه قطر نحو زيادة استثماراتها بالسودان على أنه خيار استراتيجي للدوحة في ظل استمرار الأزمة الخليجية وعدم وجود بوادر لحلها. وفي ظل توجه قطري عام لتحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي من الغذاء بتشجيع المنتجات الوطنية والسعي لامتلاك مشاريع غائية خاصة حتى لو كانت خارج البلاد مما يعني إغلاق صفحة الاستيراد من دول الحصار نهائيًا حتى وإن حُلّت الأزمة الخليجية.

يعزز هذا الرأي أن شركة حصاد التي قررت زيادة استثماراتها في السودان كانت قد لعبت الدور الأكبر في كسر الحصار وتوفير المنتجات الغذائية لسكان قطر من دولٍ صديقة في ظرف ساعات معدودة من بدء الحصار الجائر في الخامس من يونيو/ حزيران 2017م.

وبالنسبة للسودان، فإن توجه قطر لزيادة استثماراتها الزراعية يُعد فرصة نادرة لحكومة الخرطوم التي يُحمِّلها المعارضون مسؤولية تدمير البنية التحتية للبلاد وعلى رأسها المشروعات الزراعية الكبرى مثل مشروع الجزيرة أكبر مشروع زراعي مروي في القارة الإفريقية. فالاستثمارات القطرية الجديدة والقديمة إذا وجدت الاهتمام اللازم والتسهيلات من الجهات الحكومية يمكن أن تؤسس لنهضة زراعية وصناعية كاملة في البلاد. كما يمكن أن تساهم في حل أزمة النقد الأجنبي التي يعاني منها السودان منذ انفصال الجنوب في العام 2011م.

التوجه القطري نحو الاستثمار في السودان يشكل فرصة عظيمة للحكومة السودانية إذا ما أحسنت استغلالها

معوقات تواجه الاستثمار القطري في السودان

إذا أردنا الدقة هي معوقات تواجه الاستثمار الأجنبي عمومًا في السودان وهي كثيرة ومتعددة من أهمها:

ــ تعدد القوانين وتضاربها بين الحكومة المركزية في الخرطوم وحكومات الولايات والأقاليم، بل إن المحليات تتدخل أحيانًا وتنفر المستثمرين لما لديها من سلطات غامضة منحها لها الدستور السوداني.

ــ رداءة البنية التحتية، يعاني السودان من قلة الطرق المسفلتة وعدم وجود خطوط سكك حديد لنقل المنتجات فللأسف يقوم سكان بعض المناطق في ولايات دارفور وكردفان "غرب وجنوب" بالتخلص من الفواكه في موسم الإنتاج لعدم وجود مواعين لنقلها أو تخزينها!. كما يقوم مزارعو ولاية القضارف "شرق" بتخزين الذرة بطرق بدائية لعدم كفاية صوامع الغلال التي أنشأتها الحكومة في وقت سابق.

ــ مشاكل الطاقة والتشغيل، قبل شهرين عانى السودانيون من انعدام الوقود مما يهدد الموسم الزراعي الحالي بالفشل. كما أن معظم المشروعات الزراعية لم يتم كهربتها حتى اليوم وتعمل بالجازولين أي بتكلفة مضاعفة. وقد حكى لنا أحد المستثمرين الخليجيين أنه دفع 5 مليون دولار من ماله الخاص لتوصيل الكهرباء إلى مشروعه الزراعي بغرب أمدرمان ومع ذلك لم تصل الكهرباء!

ــ تعدد الرسوم والجبايات.. تتفنن الحكومة السودانية في ابتداع أنواع متعددة من الرسوم والضرائب بأشكال مختلفة. وتنظر الجهات الحكومية إلى المستثمرين على أنهم بقرة حلوب (Cash Cow) فتفرض عليهم رسومًا حتى على تنقلهم بما يسمى "تأشيرة الخروج" وهذه بدعة ليست موجودة في دول العالم إلا في السودان.

ــ الأسوأ من ذلك كله انتشار الفساد وسط المسؤولين السودانيين وسعيهم للحصول على عمولات جراء منح تصاديق الاستثمار لرجال الأعمال الأجانب أو مشاركتهم في أعمالهم، وإلا يقوم بعضهم باستخدام النفوذ لتعطيل إجراءات الحصول على الرخصة أو تحريض الأهالي وأصحاب الحيازات على المستثمر.

السودان أو أرض النيلين، بلدٌ واعدٌ يضم 200 مليون فدان صالحة للزراعة ــ رغم فقدان الجنوب ــ وتجري فيه عشرات الروافد النهرية العذبة

هل ستنتهز الحكومة السودانية الفرصة وتقوم بمعالجة المعوقات؟

التوجه القطري نحو الاستثمار في السودان يشكل فرصة عظيمة للحكومة السودانية إذا ما أحسنت استغلالها كما ذكرنا سابقًا وقامت بتعديل القوانين المتضاربة لمنح المستثمرين التصديقات اللازمة لبدء أعمالهم من نافذة موحدة على غرار دول الجوار مثل إثيوبيا وأوغندا.

وللتغلب على رداءة البنية التحتية يمكن الدخول في شراكات مع ممولين وطنيين أو أجانب لإنشاء خطوط للسكة حديد وشبكات طرق حديثة لحل أزمة النقل. إلى جانب الضغط على وزارة الكهرباء لتوصيل خدماتها إلى المشروعات الزراعية لتقليل تكلفة الإنتاج ولزيادة الإنتاجية.

أما قضية الرسوم والإتاوات الضريبية وشبهات الفساد فتنتظر قرارات شجاعة من الحكومة بإلغائها جميعًا، ونقترح أيضًا أن تقوم وزارة الاستثمار التي يقف عليها الوزير مبارك الفاضل بإنشاء غرفة شكاوى خاصة بخطوط ساخنة على مدار 24 ساعة لتلقي البلاغات ورفعها إلى رئاسة الجمهورية ـ إن دعا الحال ـ وعدم التردد في محاسبة أي مسؤول ثبت تورطه في إعاقة الاستثمار الأجنبي وفرض رسوم غير قانونية مهما كان منصبه.

السودان أو أرض النيلين، بلدٌ واعدٌ يضم 200 مليون فدان صالحة للزراعة ــ رغم فقدان الجنوب ــ وتجري فيه عشرات الروافد النهرية العذبة، ويحتوي على 130 مليون رأس من الماشية قادر على تحقيق الاكتفاء الغذائي لقطر وللدول الصديقة جميعًا إذا أحسنت الحكومة السودانية التعامل مع المعوقات التي تواجه شركة حصاد القطرية وغيرها من الشركات التي تسعى للاستثمار في البلاد ليتحول السودان إلى مكانه الطبيعي دولةً منتجةً ومُصدِّرة للغذاء بدلًا من كونه بلدًا تتسابق الدول الصديقة والشقيقة إلى إرسال المعونات والمواد الغذائية لأهله كما حدث في شهر رمضان الماضي في فضيحة ومهزلة للحكومة الحاليّة.