لطاما راود حلم العودة اللاجئ الفلسطيني أحمد أبو عطايا (45 عامًا) لمدينته بئر السبع التي هجر منها أجداده عام 1948 وحرم من رؤيتها طيلة حياته، فقرر المشاركة في مسيرات العودة الكبرى الموازية لقطاع غزة شرقًا، ويفرض الاحتلال الاسرائيلي سيطرته عليها.

وبينما كان يجلس أبو عطايا في مخيمات العودة المنصوبة شرق القطاع في منطقة دوار ملكة تحديدًا رفقة عائلته أمام خط النار مستحضرين العادات والتقاليد التراثية التي كان يمارسها أجدادهم، تعرضوا لإطلاق وابل من الرصاص والقنابل المسيلة للدموع تجاههم من آليات جنود الاحتلال المتمركزة أمامهم دون أن يرتكبوا أي ذنب سوى الحلم بملامسة تراب  الوطن والعودة إليه، على إثر ذلك نُقلوا لمشافي القطاع وتعرضوا للاختناق بالغازات السامة بفعل القنابل.


لم يقابل أبو عطايا معادلة الموت التي تعرضت لها عائلته بالموت، فقلب الموازين وحصد حياة جديدة ومن خلالها حول الأداة التي كادت تقتل أهله إلى أداة أخرى فنية تذكرهم بالأمل وليس الجراح، في أسلوب أيقن أنه الأكثر سلمية، ومن هنا استلهم فكرته.


رغم بلوغ الأحداث ذروتها على الحدود، لا يتوانى أحمد عن الذهاب كل جمعة لتجميع ما تقذفه آليات الاحتلال الاسرائيلي المحاذية للقطاع من قنابل مسيلة للدموع وقنابل متفجرة ورصاص بعد أن تفجر أجساد الفلسطينيين، وتأهيلها لتصبح أشكالاً متنوعة حسب الموضع الذي يريد الأربعيني تسليط الضوء عليه.

يقول الفنان أبو عطايا متحدثًا لنون بوست واصفًا عمله: "التعامل مع قنابل الغاز والقتل ليس بسيطًا، لكن هدفي (أوضّح للعالم أن غزة مدنية السلام) ما دفعني لذلك"

 بين جدران بيته المتواضع وسط قطاع غزة بأدواته البسيطة التي تتكون من الخيوط وقَطّاعات الحديد والصمغ "اللاصق" والمقص، يحول آلات قتل العدوان ويفرغها من آثار السموم والغاز وينزغ الغطاء عنها، ثم يغمرها في الماء لساعات طويلة، ويتركها بالشمس ليوم واحد، بعدها يعيد جمعها مرة أخرى ويتفنن باختيار أشكال مناسبة تعبر عن القضية الفلسطينيّة وتوحي بالحياة، مثل حوض أزهار وسبح وعكاكيز الجرحى ومفتاح العودة وخريطة فلسطين والحصار.

يقول الفنان أبو عطايا متحدثًا لنون بوست واصفًا عمله: "التعامل مع قنابل الغاز والقتل ليس بسيطًا، لكن هدفي (أوضّح للعالم أن غزة مدنية السلام) ما دفعني لذك، فنحن لسنا إرهابيين كما يروج الاحتلال الإسرائيلي للعالم، بل هم من يعتدون على مسيرة سلمية هدفها فقط المطالبة بحق العودة".

مخاطر كبيرة تلحق به إثر عمله، فحسب ما ذكر أنّ في بعض المرات في أثناء تفكيكه نوع من القنابل لم تكن قد انفجرت بعد، مما عرضه لإصابة  بقدمه اليسرى ويديه، فتم نقله للمشفى.


رغم أنّ الأطباء المتابعين لحالة أحمد الصحية حذروه من الرجوع للتعامل مرة أخرى مع القنابل، لكن إصراره على تحدى احتلاله منعه من التوقف عن عمله الفني، ليكون شاهدًا على جرائم العدو الإسرائيلي.

جهد شاق يبذله طيلة ساعات عمله الذي يستغرق قرابة اليومين وأكثر لإنجاز الشكل الفني المراد، وأحيانًا يساعده أبناءه في ذلك، فهو بالعادة يصحبهم معه لتجميع القنابل بعد أن تصيب أجساد الفلسطينيين ثم تتركها.

وعن أهم التحديات التي تقف أمام عمله يضيف أبو عطايا لنون بوست أن قلة الإمكانات وضعف الوضع المعيشي والاقتصادي يؤثران عليه بشكل كبير، فهو يحتاج أحيانًا لشراء بعض القطع والأدوات التي تساعده لإتمام عمله بشكل أكثر إتقانًا، لكن ليس لديه المقدرة على شرائها، فيلجأ لاستخدام أدوات بديلة أقل تكلفة ومهارة بنفس الوقت.

اللجنة القانونية لمسيرات العودة، أصدرت بيانًا مؤخرًا، كشفت فيه أن الاحتلال الصهيوني يتعمد استهداف وقتل المشاركين في المسيرة سلميًا

بدأت أحداث مسيرة العودة الكبرى في قطاع غزة يوم 30 من مارس الماضي وما زالت مستمرة، تأكيدًا على التمسك بحق العودة المُقدس للأراضي الفلسطينية التي دمرها الاحتلال الصهيوني وهجر أهلها، وتشمل الفعاليات التي امتدّت على طول الشريط المُحاذي للسياج الأمني شرق قطاع غزة، إقامة خيام العودة الرمزية والاعتصام فيها وتنفيذ العديد من الأنشطة الفنية والثقافية والاجتماعية وغيرها.

اللجنة القانونية لمسيرات العودة، أصدرت بيانًا مؤخرًا، كشفت فيه أن الاحتلال الصهيوني يتعمد استهداف وقتل المشاركين في المسيرة سلميًا، كما يستخدم أسلحة محظورة دوليًّا ما يرقى ليُعتبر جرائم حرب وفق القانون الدولي، مُعلنةً تشكيلها ائتلافًا قانونيًا دوليًا من أجل مساءلة الكيان وفضح إجرامه.

وأشارت اللجنة في بيانها إلى أنها تعمل على جمع الأدلة بشأن استخدام الاحتلال للعنف ضد الفلسطينيين الذين لا يمتلكون أي سلاح في مواجهته، لتقدميها لمحكمة الجنايات الدولة وتقديمه للمساءلة.


وعن أهم الأشكال الفنية التي يشعر أبو عطايا بالفخر لإنجازها أشار إلى  أنّه شكل عكازًا من بقايا المتفجرات التي بترت قدم ابن شقيقه نتيجة إصابته برصاص متفجر بشكل مباشر من جنود الاحتلال الإسرائيلي المتمركزين خلف التلال على الحدود، فأخذه ليتكئ عليه.

حسب الإحصائية الصادرة عن وزارة الصحة في قطاع غزة على لسان الناطق باسمها الدكتور أشرف القدرة بلغ إجمالي الشهداء منذ بداية مسيرات العودة 135 شهيدًا وعدد المصابين وصل إلى 15501 بجراح مختلفة واختناق بالغاز منهم 7270 تم علاجهم ميدانيًا في النقاط الطبية بجانب المخيمات على طول الحدود الشرقية من الشمال حتى الجنوب، و8221 تم علاجهم في المستشفيات داخل القطاع.

أحمد أبو عطايا منذ صغره ترعرع على هوايته بجمع كل ما هو صغير من أعواد خشب وأحجار وقطع فنية صغيرة، وتحويلها لأشكال أخرى كان يتخيلها 

يطمح أحمد اللاجئ بغزة إلى إنشاء معرض فني يضم جميع الأشكال الفنية الذي صنعها، إضافة إلى أنه يفكر في تطوير قدراته وجلب العديد من الأفكار لصنع أشكال فنية أخرى تعبر عن القضية الفلسطينيّة وصمود أهالي قطاع غزة الذي يعاني ويلات الحصار والحروب المتكررة.


كذلك إيصال رسالة سلام للعالم لدحض الدعاية الاسرائيلية التي تشيع بأنها تقتل الفلسطينيين على الحدود للدفاع عن نفسها وحماية أراضيها التي هي بالأصل ملك للفلسطينيين.

الجدير ذكره أن أحمد أبو عطايا منذ صغره ترعرع على هوايته بجمع كل ما هو صغير من أعواد خشب وأحجار وقطع فنية صغيرة، وتحويلها لأشكال أخرى كان يتخيلها، وكانت أسرته تشجعه على ذلك وتحفزه كلما كوّن قطعة جديدة تجذب أنظارهم.