قبل ثلاثة أيام، نعت موريتانيا شيخ علمائها وأبرزهم المرابط الحاج ولد فحفو الشنقيطي، الذي توفّي عن سنّ ناهزت 115 عاما. وبوفاته فقدت بلاد شنقيط عالم بلغ صيته أنحاء الأرض، واستقطبت محظرته التقليدية تلاميذ العلوم الإسلامية من مختلف دول العالم.

نشأة في بيت علم وثقافة

وُلد المرابط الحاج بن السالك بن فحفو المسومي الصنهاجي، في العقد الأول من القرن العشرين، في حدود عام 1913ميلادي، بمنطقة اتويمرات كلاله الوعرة بين أعالي الجبال على حدود ولايتي لعصابة وتكانت وسط موريتانيا.

نشأ ولد فحفو في بيت علم وثقافة وأدب، وترعرع في بيئة محظرية حيث كان سليل أسرة علمية ذات تاريخ عريق في طلب العلم وتعليمه، فدرس القرآن الكريم وأكمل تجويده بروايات عديدة على عدد من القراء من بينهم خاله محمد الأمين ولد بوب.

اختارت أمه لقب "الحاج" لتطلقه على ابنها سيدي محمد ولد السالك ولد فحفو منذ ولادته، تيامُنًا بأعز أركان الإسلام

باستثناء فترة يسيرة قضاها في مدينة كرو، أكبر وأهم مقاطعات ولاية لعصابة بوسط الشرق الموريتاني، ظل لمرابط الحاج ولد فحفو طيلة حياته الممتدة على نحو مئة وخمسة عشر سنة، يقيم في منطقة اتويمرات الجبلية الوعرة معتزلا العالم والأضواء التي تلاحقه من كل مكان، حتى وفاته يوم الثلاثاء.

لم يزر الحاج العاصمة نواكشوط سوى مرتين، وكلاهما كان في حالة إغماء مرضي وما أن يفيق حتى يأمر بنقله فورا إلى مسقط رأسه منطقة تويميرات حيث أفنى عمره بين المحراب وحلقة التدريس، فقد كان يرفض زيارة المدن، وذلك لما ينتشر فيها من مظاهر جديدة لا تتلاءم مع حياته ونقاء قلبه وتعلقه بنهج كبار الزهاد من الصحابة والتابعين.

لقب "الحاج"

تقول بعض المصادر إن أمه التي تدعى مريم بنت أوبّ اختارت لقب "الحاج" لتطلقه على ابنها سيدي محمد ولد السالك ولد فحفو منذ ولادته، تيامُنًا بأعز أركان الإسلام وأكثرها مشقة على سكان صحراء موريتانيا النائية، وهو الحجّ، فطغى هذا اللقب على الاسم الأصلي "سيدي محمد"، وارتبط بأحد أشهر العلماء الموريتانيّين في العصر الحديث الذين تجاوز تأثيرهم إلى مختلف قارات العالم.

في عام 1938 عزم الشيخ ولد فحفو على أداء فريضة الحج، فعقد النية واتجه صوب بيت الله الحرام سالكا طريق البرّ، فانطلق من كيفة وسط موريتانيا حيث توجه نحو خايْ ثم إلى أزواد وباماكو وفورلامي، وهي إنجمينا حاليا عاصمة تشاد.

يذكرُ في روايته عن رحلة حجه أن الفرنسيين أقاموا بفورلامي حاجزا أمنيا منيعا لا يتجاوزه إلا من استكمل التفتيش واستوفى وثائق السفر والعبور، ورغم عدم توفره على أي أوراق فقد تمكن من تجاوز الحاجز من دون صعوبة، لأنهم ظنوا أنه مرافق لأحد التجار، بعد واصل الطريق فوصل ولد فحفو السودان وعبر منه نحو البحر الأحمر الذي ركبه نحو جدة وبعدها مكة المكرمة.

تعليمه

أخذ المرابط الحاج ولد فحفو الشنقيطي العلم عن عدد من العلماء الذين عاصروه، ومنهم العلامة أحمد فال ولد آدو، وآب ولد أخطور المعروف بمحمد الأمين الشنقيطي، وأحمد محمود ولد عبد القادر، ومحمد الأمين ولد أحمد زيدان، وأواه ولد الطالب إبراهيم.

كما درس شيخ موريتانيا الأبرز، في محظرة أهل أبات (مدرسة لتعليم القرآن والعلوم الشرعية واللغوية)، فضلا عن محظرة آبائه باتويميرات كلاله، وكان منكبًّا على المطالعات شديد الحرص على ملازمة الكتب يقوده الشغف بالبحث في ما احتوت من علوم إلى الانقطاع عن ما حوله، وفقا لما قال تلاميذه عنه.

طوال سنوات حياته، اختار ولد فحفو الزهد والورع، فقد زهد ما عند الناس ونأى بنفسه عن السياسة

فضلا عن تبحره في مختلف علوم المحظرة الموريتانية التقليدية، وخصوصا الفقه والنحو والقراءات، كان المرابط الحاج بن السالك بن فحفو المسومي الصنهاجي محبًّا للغة والشعر والأدب، وقد برع فيهم أيضا إلى جانب العلوم الدينية.

يتشبث الحاج بمشهور مذهب الإمام مالك في الفروع، ويتبنى المذهب الأشعري في العقائد ويدافع عنه بحماس وقوة، ويرفض مسائل التصوف وطرقه كلها، وقد حذّر منه كثيرا، ويقول لمرابط عن نفسه: "جعلت بيني وبين كل ذلك القرآن العظيم والسنة المطهرة".

علمه

إلى حين وفاته، ظلت محظرته في منطقة تويميرات التي يناهز عمرها ثلاثة قرون محط قوافل الطلاب من مختلف أنحاء العالم. وعلى مدى عقود طويلة من التدريس تخرجت على يديه عدد كبير من العلماء الذين أتو من داخل وخارج موريتانيا للدراسة عنده وقد نهلوا من علمه الزاخر في شتى المعارف المحظرية.

وكان من بين تلاميذه المشهورين والمتأثرين بمنهجه العلمي والتربوي الشيخ الأميركي حمزة يوسف، الذي أقام معه سنين عدة، وهو مؤسس كلية الزيتونة التي لها فروع في ست مدن أمريكية، كما لمؤسسها صيت كبير كأحد أشهر دعاة الإسلام في الغرب.

من تلاميذه أيضا، الشيخ عبد الله بن بيّه، والشيخ محمد الحسن ولد الددو، والشيخ محمد يحيى بن الشيخ الحسين، وكان عالما فاضلا متقنا للأصول، والشيخ محمد الأمين بن عبد الرحمن، وهو عالم جليل رفيق دربه يعمل في محضرته ويخلفه في الصلاة، إلى جانب أحمد فال بن أحمدن، له محضرة خاصة به وهو من أفاضل العلماء وأكابر الصلحاء.

أصدر الحاج عددًا من المؤلفات في الفقه واللغة والحديث والسيرة وغيرها، ومن أشهر مؤلفاته، كتاب "لباب النقول في متشابه القرآن وأحاديث الرسول"، و"تنوير الحوالك على ألفية ابن مالك في مجلد واحد"، و"إفادة القارئ والسامع على الدرر اللوامع في مقرأ نافع"، وشرحه لألفية بن مالك، وشرحه للمقصور والمدود، وشرح قصيدة زروق في صفاته صلى الله عليه وسلم.

زهد الحياة

طوال سنوات حياته، اختار ولد فحفو الزهد والورع، فقد زهد ما عند الناس ونأى بنفسه عن السياسة والحكّام ووسائل الإعلام فكسب قلوب الجميع على ما فرّق بينهم من خلافات. كما نأى بنفسه عن الصراعات القبلية حتى لا يلتصق به درن الحياة وفساد أهلها.

حتى وهو في فراش الموت، يحذّر من مخالطة الناس، حتى إنه قال في وصيته "إياك ومخالطة أكثر أهل الزمان، فإن الغزالي في القرن الخامس قال: احذر متفقهة زمانك فإنما هم ذياب في ثياب، فالمتمعن على الانسان أن يصرف العمر في تعلم العلوم النافعة واجهاد النفس في العمل بما علم فأن الناس الان يزعمون أنهم علماء وليس الأمر كذلك.