خلال الأيام القليلة الماضية، اندلعت احتجاجات شعبية عارمة في العديد من المدن جنوب العراق، وكان منطلقها الرئيسي مدينة البصرة الغنية بالنفط، وسرعان ما تجاوزت حدود المدينة الضيقة لتدخل فضاء أوسع شمل مدن النجف وكربلاء وذي قار وميسان والمثنى وحتى بغداد، وكان المسبب الرئيسي لها إخفاق الحكومة العراقية في تلبية احتياجاتهم الخدمية، وتحديدًا في مجال الماء والكهرباء والصحة والتعليم.

لتتحول في مراحل لاحقة إلى صدامات عنيفة بينهم وبين الأجهزة الأمنية، أسفرت عن سقوط العديد من الشهداء والجرحى، وعلى إثر ذلك وُضعت قوات الأمن العراقية في حالة تأهب قصوى، فقد تعرضت مكاتب الحكومة المحلية، فضلًا عن مكاتب حزب الدعوة وتيار الحكمة وحزب الفضيلة، إلى جانب مكاتب تابعة لمليشيات مسلحة مدعومة من إيران للهجوم، واُقتحم مطار النجف الدولي، مما اضطر العديد من شركات الطيران إلى تعليق عملياتها مؤقتًا.

ومن المهم القول هنا إن مدينة البصرة تحظى بخصوصية كبيرة، كونها المركز الرئيس للطاقة في العراق، إلى جانب كونها المدينة العراقية الوحيدة المطلة على الخليج العربي ومضيق هرمز، والتهديد الذي يتعرض له إنتاج البصرة من النفط له آثار أوسع نطاقًا، خصوصًا في ظل التهديدات المتبادلة بين الجانبين الإيراني والأمريكي بشأن مضيق هرمز، فبحسب تقرير جديد صادر عن وكالة الطاقة الدولية فإن الطاقة الاحتياطية للنفط يجري استغلالها، ومع زيادة دول أوبك لإنتاج النفط ردًا على انخفاض الإمدادات من فنزويلا، وتحسبًا لتراجع صادراتها من إيران، فإن الطاقة الاحتياطية ما زالت ضعيفة.

رغم أن الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها مدينة البصرة وغيرها، أثبتت مدى عفويتها، فبالمقابل أشارت الكثير من التقارير الأمريكية إلى أنه، كما لو أن الاحتجاجات في الجنوب كانت مدفوعة من قوى خارجية، مستندين في ذلك، إلى النفوذ الكبير الذي يتمتع به الحشد الشعبي في الجنوب

لا ينبغي أن يكون هذا مفاجئًا، مع زيادة الإنتاج، لا بد أن تنخفض الطاقة الاحتياطية، ولكن مع قدرة منتجي النفط على زيادة انخفاض العرض، يمكن أن تصبح الأسعار متقلبة، خاصة إذا لم تعد الإمدادات قادرة على تلبية الطلب، وبما أنه من غير المتوقع أن ينخفض ​​الطلب العالمي في أي وقت قريب، فإن النقص غير المتوقع في الإمدادات خلال فترة من الطاقة الاحتياطية المنخفضة بشكل غير عادي، قد يكون له تأثير كبير، إذا تم جلب جزء كبير من إنتاج النفط في البصرة دون اتصال - وهو ما لم يحدث حتى الآن - فإنه يمكن أن يؤدي إلى تفاقم مشكلة انخفاض طاقة النفط الاحتياطية.

فرغم أن الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها مدينة البصرة وغيرها، أثبتت مدى عفويتها، فبالمقابل أشارت الكثير من التقارير الأمريكية إلى أنه، كما لو أن الاحتجاجات في الجنوب كانت مدفوعة من قوى خارجية، مستندين في ذلك، إلى النفوذ الكبير الذي يتمتع به الحشد الشعبي في الجنوب، وهي بصورة أخرى تقصد بأن إيران لديها صلات بالاحتجاجات، إلا أنه بعد الهجمات التي تعرضت لها مكاتب منظمة بدر والعصائب وحزب الله من المتظاهرين في هذه المدن، أسقطت هذه الفرضية، من أجل التنفيس عن الواقع الداخلي الإيراني المتأزم.

يتمثل التحدي في نقص العرض على النفط، في أنها غالبًا ما تكون غير متوقعة الحدوث

وكمحاولة لتصدير الأزمة لدول الخليج العربي، وتحديدًا الكويت والسعودية، وكوسيلة لتهديد إمدادات النفط العالمية في وقت أقل من القدرة العادية، كما هو الحال مع فرض العقوبات الأمريكية، وهذا بالتأكيد سيكون لعبة خطيرة لإيران، فإغلاق المصدر الرئيسي للعائدات العراقية، يمكن أن يؤدي إلى عدم الاستقرار، كما يمكن أن يلعب دورًا كبيرًا في إحياء العسكرة السنية من جديد، والاستفادة منها، في وقت تواجه فيه إيران نفسها تحديات كبيرة في الداخل، لكن قد ترغب إيران في إثبات أنها تملك القدرة على إلحاق الألم بالاقتصاد العالمي.

أزمة نقل الطاقة المتوقعة

يتمثل التحدي في نقص العرض على النفط، في أنها غالبًا ما تكون غير متوقعة الحدوث، ويمكن أن تأتي من أحداث لا تعد ولا تحصى، فعلى سبيل المثال، تم إغلاق الإنتاج في منشأة الرمال النفطية في سينزكريدي بكندا التي تنتج 360 ألف برميل باليوم في يونيو هذا العام، بعد أن تسبب محول ثلاثي في ​​انقطاع التيار الكهربائي، ومن المتوقع أن تبقى خارج الخدمة حتى نهاية شهر سبتمبر، وقد حدثت انقطاعات أخرى قصيرة الأجل في النرويج وليبيا ونيجيريا، ويمكن أن يعطل موسم الأعاصير الإنتاج النفطي في المرافق الأمريكية أيضًا.

ومما يدعو إلى القلق أكثر أن انقطاع الإمدادات النفطية قد يستمر، لأن الطلب العالمي من المتوقع أن يستمر بالارتفاع أيضًا، حيث تتوقع وكالة الطاقة الدولية زيادة الطلب بمقدار 1.3 مليون برميل في اليوم في النصف الثاني من هذا العام، وبنسبة 1.2 مليون إلى 1.6 مليون برميل في اليوم، وبالوقت نفسه، من المتوقع أن تزيد خطوط الأنابيب الجديدة في الولايات المتحدة الأمريكية من طاقة النقل بأكثر من مليوني برميل في اليوم، مما يجعل من السهل جلب النفط إلى السوق العالمية، وعلى المدى الطويل، يبدو أن زيادة المعروض من المنتجين الصخريين الأمريكيين كافية لتعويض الخسائر المتوقعة من إيران وفنزويلا.

لأن إيران وفنزويلا تمتلكان ما يقرب من 1.5 مليون إلى مليوني برميل في اليوم من إمدادات النفط غير المتصلة، فإن القدرة الاحتياطية العالمية يجب أن تغطي هذا النقص حتى يتم تشغيل البنية الأساسية للنقل في الولايات المتحدة عام 2019

على المدى القصير، يكون من الصعب التنبؤ بمستويات الإنتاج، ومع ذلك، فإن مجموعة البنية التحتية للنقل المتوترة في الولايات المتحدة الأمريكية، وتقليل الإنتاج في إيران وفنزويلا، قد يؤدي إلى بقاء الأسعار مرتفعة خلال عام 2019، حتى ظهور خطوط أنابيب جديدة في الولايات المتحدة.

ونظريًا، لأن إيران وفنزويلا تمتلكان ما يقرب من 1.5 مليون إلى  مليوني برميل في اليوم من إمدادات النفط غير المتصلة، فإن القدرة الاحتياطية العالمية يجب أن تغطي هذا النقص حتى يتم تشغيل البنية الأساسية للنقل في الولايات المتحدة عام 2019، ومع ذلك، فإن أي نقص محتمل ناتج عن ذلك، يشير بأن الاحتجاجات الشعبية في البصرة سيكون لها تأثير كبير، إذا ما أخذت بالتصاعد المستمر.

التحديات الجيوسياسية

حتى مجرد إمكانية زيادة الطاقة الفائضة لها عواقب سياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي، للتأثيرات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ردًا على تهديد الولايات المتحدة بوقف صادرات النفط الإيرانية العالمية عبر مضيق هرمز، إذ هددت إيران بإغلاق مضيق هرمز أمام جميع عمليات نقل النفط، يتم التحكم في جزء من المضيق من سلطنة عمان، وتسيير دوريات من الأسطول الأمريكي الخامس، لكن إيران يمكن أن تمنع المرور، على سبيل المثال من خلال زرع الألغام، أو توجيه أسراب من القوارب الصعيرة، أو حتى عن طريق استخدام الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع الصاروخي الساحلي.

وهذه ليست المرة الأولى التي تهدد فيها إيران بإغلاق المضيق، مع أنها لم تفعل ذلك حتى الآن، ولكن بالنظر إلى أن ما يقرب من 20 مليون برميل في اليوم من إجمالي 100 مليون برميل يوميًا منتجة عالميًا تمر عبر مضيق هرمز، فإن إيران يمكن أن تسبب خللًا كبيرًا في الإمدادات العالمية إذا نجحت بتهديدها.

سيكون الكونغرس الأمريكي الجديد حذرًا بشكل استثنائي من أي عمل يخاطر بحدوث زيادة جذرية في أسعار النفط

وقد يكون هذا جزءًا من إستراتيجية طهران للتراجع عن العقوبات الأمريكية، فإذا تم إغلاق المضيق، فإنه سيسبب ارتفاعًا كبيرًا في أسعار النفط الذي سيكون له تأثير خطير على الاقتصاد الأمريكي، ومع اقتراب موعد الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي في نوفمبر القادم، على السياسة الأمريكية حيال إيران أن تكون أكثر حزمًا، فحتى العقوبات نفسها من المحتمل أن تسبب بعض الزيادة في الأسعار العالمية.

وبالتالي، سيكون الكونغرس الأمريكي الجديد حذرًا بشكل استثنائي من أي عمل يخاطر بحدوث زيادة جذرية في أسعار النفط، ومن المحتمل أن يكون الاقتصاد قضية رئيسة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، خاصة بالنظر إلى النزاع التجاري الحاليّ بين الصين والولايات المتحدة، وبالتالي فإن القدرة الاحتياطية الأقل تعطي طهران مزيدًا من النفوذ، حيث تنسحب الولايات المتحدة من الصفقة النووية، بينما تنظر الأطراف الأخرى إلى تحركاتهم القادمة.