لا يوجد في العالم من هو أشد حزنًا الآن على إنهاء ملف الصراع بين إثيوبيا وإريتريا، أكثر من جيبوتي، الجارة التي يقوم اقتصادها على الخراب والصراع، وتوفير بيئة خصبة لكل طامع في منطقة القرن الإفريقي، وفتح أراضيها على مصراعيها للقواعد العسكرية الأجنبية، فوحدها جمعت الأضداد وأصحاب العقائد السياسية والعسكرية المتنافسة بل والمتناحرة، بداية من أمريكا والصين، انتهاءً بإثيوبيا وإريتريا.

بلاد توهب نفسها للأطماع العسكرية

في شرق القارة الإفريقية وعبر موقع إستراتيجي خطير، تشارك جيبوتي ثلاث دول حدودها البرية، إريتريا شمالاً وإثيوبيا من الشمال الغربي والغرب والجنوب الغربي، والصومال في الجنوب الشرقي، كانت الدولة الإفريقية ضمن المستعمرات الفرنسية وناضلت للحصول على استقلالها حتى نالته بالفعل عام 1977، وبجانب لغتها الأم "العفرية" تأتي العربية والفرنسية في مقدمة اللغات الرئيسية فيها.  

23 ألف كيلومتر مجمل مساحتها، ورغم عمقها الإستراتيجي والجغرافي المتميز على البحر الأحمر وخليج عدن، بجانب إدارتها لباب المندب مع اليمن (أخطر الممرات المائية في العالم)، فلم تعرف كيف تستفيد من عطايا الطبيعة إلا خلال الصراع، الجوهر الذي يحكم رؤيتها للعالم، فإدارة فوبيا العنف والعنف المضاد المسيطر على القوى العالمية، كان الحل الوحيد للدولة التي عاشت هي الأخرى توترات دائمة مع جارتيها إثيوبيا وإريتريا، ثم جففت منابع الأزمات معهما عبر فتح أراضيها لتصبح مصدر تهديد وتجييش كل منهما ضد الأخرى، وبشكل خاص إثيوبيا.

كانت الإمارات وجيبوتي قد انخرطتا في أزمة مكتومة انفجرت للعلن مطلع العام الحاليّ، بسبب إلغاء الأخيرة عقد امتياز مجموعة موانئ دبي العالمية المخول لها تشغيل محطة الحاويات في ميناء دورالي الجيبوتي مدة 50 عامًا

اقتصاد الصراع الذي اعتمدته جيبوتي حلاً سحريًا لأزماتها الاقتصادية، أفسده الصلح الذي تحقق أخيرًا بين إثيوبيا وإريتريا، وأصبح محل خوف كبير لدى جيبوتي التي عبرت عن ذلك في مذكرة مسربة على لسان وزير خارجيتها محمود علي يوسف، ونشرتها العديد من المواقع الموثقة، وفيها عبر عن قلق بلاده من التقارب السريع بين إرتريا وإثيوبيا.

في 6 صفحات، تحدث يوسف مع سفراء بلاده عن القضية بعنوان تطور العلاقات الإثيوبية الإريترية وأثرها على جيبوتي، وبسبب اللغة الخشنة غير المتعارف عليها في الأعراف الدبلوماسية، أثارت المذكرة استغراب العديد من دول العالم، والمثير أن وزير الخارجية الجيبوتي كال النقد للإمارات ـ وسيط الصلح بين إثيوبيا وإريتريا ـ واعتبر تدخلها في المنطقة يعيد تشكيل التحالفات في الإقليم على نحو مقلق، يضر بمصالح بلاده الإستراتيجية.

كانت الإمارات وجيبوتي قد انخرطتا في أزمة مكتومة انفجرت للعلن مطلع العام الحاليّ، بسبب إلغاء الأخيرة عقد امتياز مجموعة موانئ دبي العالمية المخول لها تشغيل محطة الحاويات في ميناء دورالي الجيبوتي مدة 50 عامًا، الأمر الذي اعتبرته الإمارات إجراءً تعسفيًا ونقضًا للاتفاقيات لجأت على إثره إلى محكمة لندن الدولية، وألمحت إلى دور قطري وراء الأزمة بسبب الصراع الدائر بين البلدين، فيما وصفت جيبوتي تصرفها تجاه إنهاء عقد الامتياز الإماراتي بالقرار العادل الذي يسعى لاستراد حقوق حصلت عليها الإمارات عن طريق التحايل ووفق إجراءات غير قانونية على حد وصفها.

الدفع أولاً وعسكر بجنودك كيفما تشاء.. هكذا تلجأ جيبوتي إلى فتح سواحلها وعمقها الإستراتيجي للقواعد العسكرية للقوى العالمية

بعد أسبوع فقط من الأزمة الإماراتية، ولكي تبعد جيبوتي قطر عن الصورة، وقعت عقدًا جديدًا على إنشاء منطقة تجارة حرة دولية مع الصين، لتكون الأكبر من نوعها في إفريقيا، وسربت جيبوتي تقارير مخابراتية إلى العديد من الدول الصديقة سواء من القوى العالمية أم حتى من الدول العربية التي تتحالف مع الإمارات ولكنها لا ترتاح للنشاط الإماراتي في بلدان الشرق الأوسط وإفريقيا، وأشارت فيها إلى تحركات مريبة من محمد بن زايد ـ محرك السياسة الخارجية الإماراتية ـ تهدف لعزل جيبوتي وإبقائها رهينة توزانات وصراعات المصالح الإماراتية وحدها، وهي مؤشرات لا تعد في نظرها إلا انتهاك صارخ لسيادة البلاد ومصالحها الوطنية.  

ادفع واحصل على قاعدة عسكرية بتسهيلات كبيرة

الدفع أولاً وعسكر بجنودك كيفما تشاء.. هكذا تلجأ جيبوتي إلى فتح سواحلها وعمقها الإستراتيجي للقواعد العسكرية للقوى العالمية، انطلقت الدولة الصغيرة مساحةً وتأثيرًا على جميع المستويات، تقوي علاقتها الدولية، وبدلاً من انتظار المساعدات بطريقة تهين الكرامة الوطنية للبلاد، تفاوضت على توفير تسهيلات لوجستية مقابل توفير حاجاتها الاقتصادية، وللعلاقة الطويلة بينها وبين فرنسا، كانت هي القوة العالمية الأولى والأكثر عددًا التي استثمرت في القواعد العسكرية، خصصت لها 5000 جندي فرنسي من مختلف الرتب العسكرية وعسكرت بهم على الأراضي الجيبوتية.

في المرتبة الثانية، جاءت الولايات المتحدة الأمريكية التي دشنت في أعقاب حرب الخليج، قاعدة أفريكوم وجعلت منها مقرًا للقيادة الإفريقية التابعة للقوات المسلحة الأمريكية، وهي القاعدة الأكبر لها بالقارة الإفريقية، خصوصًا أنها تتمركز في منطقة مطار جيبوتي الدولي، ويبلغ عدد قواتها هناك نحو 4 آلاف جندي، وتعمل حاليًّا على توسيع القاعدة لتصبح القوة الأولى في هذه المنطقة، وحتى يتيسر لها ذلك، تغازل جيبوتي بالمنافع الاقتصادية التي ستعود عليها، خاصة أن إيجار قاعدتها العسكرية بلغ 60 مليون دولار سنويًا في آخر إحصاء موثق عام 2014.

اليابان لم تصمت على ما يحدث في المنطقة، وبعد ثورات الربيع العربي، تواصلت مع الحكومة الجيبوتية عام 2011، لإنشاء قاعدة، ولا يفهم ما الذي تريده تحديدًا من المنطقة

تأتي إيطاليا التي لا تتوسع كثيرًا في الخارج بالمرتبة الثالثة، بعدما أنشأت قاعدة عسكرية عام 2009، وإن اختلفت الأسباب والدوافع كثيرًا عن فرنسا وأمريكا، فإيطاليا تهدف بشكل واضح إلى مكافحة القرصنة في خليج عدن، ولن يكون هناك موقع إستراتيجي أفضل من جيبوتي لتنفيذ أهدافها.

الصين هي الأخرى، لم تترك الأراضي ذات البُعد الجغرافي النادر، مطمعًا لأوروبا دون أن تضع فيها موطئ قدم، وبالفعل لجأت عام 2009 إلى الاتفاق على عقد قاعدة عسكرية، بدعوى مكافحة القرصنة في خليج عدن، ورغم اتخاذ العلاقة الصينية مع جيبوتي شكلاً اقتصاديًا، ونشاطها في افتتاح العديد من الروافد الاقتصادية للمساهمة في تنمية البلاد المضيفة، فإن نشرها قوات بحرية، كمقدمة لافتتاحها قاعدة بحرية أخرى تطل على باب المندب، أوحى برغبتها في تثبيث أقدامها بالمنطقة على جميع المستويات، ومقارعة أمريكا وأوروبا "القاعدة بالقاعدة".  

اليابان لم تصمت على ما يحدث في المنطقة، وبعد ثورات الربيع العربي، تواصلت مع الحكومة الجيبوتية عام 2011، لإنشاء قاعدة، ولا يفهم ما الذي تريده تحديدًا من المنطقة، وإن كانت تقتصر على الأهداف الاقتصادية أم تمتد لأهداف سياسية وعسكرية، خاصة أن القوات التي خصصتها للقاعدة العسكرية لا تزيد على 180 جنديًا فقط من الجيش الياباني، بما يجعل وجودها مجرد وضع قدم وإثبات حق لدولة كبرى في الغنيمة لا أكثر ولا أقل.

على المستوى العربي، ورغم توتر العلاقة بين جيبوتي والإمارات، فإن السعودية اتفقت مع الحكومة الجيبوتية على إنشاء قاعدة عسكرية لها بالمنطقة، خصوصًا أنها سارعت لاستثمار الأزمة الدائرة بين المملكة وإيران، وقطعت علاقتها مع الأخيرة عام 2016، وسحبت سفيرها من طهران تضامنًا مع السعودية، وحركتها نوازعها الاقتصادية القائمة على الصراع، لاستغلال حرب اليمن وقدمت مساعدات لوجستية كبيرة للتحالف لتسهيل مهمته في ضرب الحوثيين.

رغم الاستفادة الاقتصادية الكبيرة وإعادة رسم دور جيبوتي عالميًا من جديد باعتبارها رقمًا مهمًا في الساحة الدولية، فإن هذه القواعد العسكرية المفتوحة دون قيد أو شرط، ستشكل ضغوطًا هائلة على الدولة

وبجانب السعودية تسعى تركيا والهند وروسيا إلى التعاون مع جيبوتي، ربما الوقت يقف عقبة أمام إتمام التعاون معهم، لا سيما أنه لم تتشكل لديهم بعد الطريقة التي يمكن الاستفادة منها من هذه البلاد المفتوحة للجميع دون قيد أو شرط.  

هل تستفيد جيبوتي من عسكرة بلادها بالأجانب؟

رغم الاستفادة الاقتصادية الكبيرة وإعادة رسم دور جيبوتي عالميًا من جديد باعتبارها رقمًا مهمًا في الساحة الدولية، وإن كان بشكل مغاير لما هو متعارف عليه في توازنات القوى، فإن هذه القواعد العسكرية المفتوحة دون قيد أو شرط، ستشكل ضغوطًا هائلة على الدولة، بعدما أصبحت ساحة واسعة لجميع أجهزة المخابرات العالمية، وبات أمنها القومي مستباحًا من الجميع.

كما أشار الصراع مع الإمارات، وإدخال الأخيرة الصين في الأزمة، على نحو آخر من الصراعات الدولية التي قد تتفجر بين حين وآخر، وستدفع جيبوتي ثمنها دون نقاش بسبب تضارب المصالح وتعارض الأيدلوجيات السياسية والعسكرية، فضلاً عن أن وجود قوى دولية على أراضيها تحارب الإرهاب وتستهدفه في العديد من بلدان العالم، سيجعل جيبوتي نفسها في مرمى الإرهاب الذي قد يسعى لتخليص حساباته من أي مكان يفتح الباب لهذه الدول، فطباخ السم حتمًا سيتذوقه عاجلاً أم آجلاً!