ماذا لو كانت المدرسة العربية ضد الثورة والتغيير؟ يبدو هذا السؤال مناقضًا لكل الأطروحات القائلة بالمثقف قائد الجماهير نحو التغيير، فالمواقف والولاءات التي تجلت للملاحظ منذ انطلاق الربيع العربي كشفت أن المثقفين في الأعم الأغلب منهم انحازوا إلى الأنظمة التي أسقطها الشارع وعملوا بجد على إعادة إنتاج الأوضاع السائدة بما دفع إلى طرح السؤال عن موقع المدرسة إزاء الثورة.

نحتاج هنا أن ندقق الفئات التي ننعتها بالمثقفين ونمط التغيير الذي تبنته لنصل إلى النهايات التي استقرت عندها مواقفهم بعد سبع سنوات من الحراك الجماهيري الذي لم ينقطع بحثًا عن الخروج من الأزمات.

المدرسة كانت المصعد الاجتماعي

رغم كل الهنات في النظام العربي ما قبل الربيع العربي فإن هذا النظام سمح للمدرسة بالاشتغال كمصعد اجتماعي وقد تمكنت فئات اجتماعية كثيرة مفقرة ومهمشة من الرقي الاجتماعي بواسطة التعليم وحازت مواقع فيما يمكن توصيفه بالطبقات الوسطى، بل لعل الطبقات الوسطى العربية في مجملها متكونة من كوادر الدولة والإدارة والمهن الحرة (محاماة وهندسة وطب) وقليل منها من أصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة.

نظريًا هذه الفئات معنية قبل غيرها بالتغيير والتطوير الاجتماعي وهي مؤهلة (نظريًا أيضًا) لقيادة هذا التغيير وبناء الديمقراطية السياسية، لكن هل عملت على ذلك فعلاً؟

نشأت المدرسة العربية الحديثة في وسط الصراع الفكري والسياسي بين الأصالة والمعاصرة، لا تختلف في هذا المدرسة التونسية تحت نظام بورقيبة المدني عن المدرسة المصرية العراقية أو السورية تحت نظام عسكري

عندما انطلقت الثورة العربية من تونس ثم مصر واليمن وليبيا كانت الجماهير المجهولة التكوين هي التي تتحرك بينما كانت فئات المثقفين (المتعلمين) تلاحق الشارع وبعضها يسخر منه ويهينه، فلما استقرت الشوارع نسبيًا تجلت وجوه المثقفين لطرح البدائل والتصدي للقيادة عبر المؤسسات القائمة أو التي يراد تأسيسها.

هنا لم نجد البدائل ووجدنا مواضيع النقاش الفكري والسياسي التي كانت هذه الفئات تطرحها قبل الثورة، فأعيد الشارع إلى الصمت وعاد النقاش إلى نقطة الصفر العقيمة التي لم ينتبه أصحابها بعد إلى أن مواضيعهم القديمة ليست من اهتمام الناس ولا من محفزاتهم، فبدأت الفجوة (القطيعة) تتسع بين من يصنف نفسه مثقفًا ومن يرى نفسه غير معني بنقاش المثقفين، من هنا جاء السؤال عن المدرسة ودورها في الثورة.

برنامج التحديث في مدرسة النظام العربي المنهار

يعود السؤال ماذا كانوا يعلموننا؟ نشأت المدرسة العربية الحديثة في وسط الصراع الفكري والسياسي بين الأصالة والمعاصرة أو بين المحافظة والتجديد وعمليًا بين اللائكية (الفرنسية) والإسلام، لا تختلف في هذا المدرسة التونسية تحت نظام بورقيبة المدني عن المدرسة المصرية العراقية أو السورية تحت نظام عسكري.

التحديث الغربي بصيغته الفرنسية خاصة، كان مغريًا خاصة لما يسمح به من أسباب القوة الاقتصادية، وذلك منذ عهد التنظيم التركي الذي بدأ العرب يقلدونه (أو يستقون منه) منذ القرن التاسع عشر، وعطله الاستعمار المباشر ثم عاد مع الدول المستقلة.

إلغاء السؤال المعرفي والفكري والسياسي عن سبل التوفيق بين التحديث والتأصيل (الذي طرح في القرن 19) لم يحل المشكلة وإنما غيّبها بقوة الدولة

استقر في أذهان قيادة مرحلة الاستقلال أن التخلف سببه داخلي أي التراث السياسي والفكري والروحي المهيمن، وكانت هناك حجج وأدلة قوية تسند هذا الطرح، في الجانب الآخر كانت المدنية الغربية صانعة القوة مغرية، فقد كان السؤال كيف نصير مثلهم هو المهيمن على المفكرين والساسة، هنا وضعت برامج المدرسة العربية للنصف الثاني من القرن العشرين، وهنا ولدت النخب الموجودة الآن التي تفرض نفسها على قضايا ما بعد الربيع العربي، هل كانت هناك إمكانات أخرى؟ هذا السؤال لم يطرح في المدرسة العربية.

المدرسة هربت إلى الأمام

إلغاء السؤال المعرفي والفكري والسياسي عن سبل التوفيق بين التحديث والتأصيل (الذي طرح في القرن 19) لم يحل المشكلة وإنما غيّبها بقوة الدولة، فقد كان من السهل لمن يملك السلطة وفي شكلها الغاشم أن يمنع طرح السؤال وأن يصم من يطرحه بأنه صنيعة الاستعمار، أمعنت المدرسة في الهروب إلى الأمام خاصة بعد أن صارت أجيال الاستقلال الأولى من المتعلمين هي التي تقود البرامج والإدارة، لكن السؤال لم يمت وظل يذكر بنفسه في نقطتين مهمتين ماذا نفعل باللغة العربية عامود التراث والدين الإسلامي وعاء الوعي والمشاعر؟

أجابت النخب الحاكمة في المشرق والمغرب بطرق غبية؛ ففي الشرق تمت عمليات تعريب المدرسة تعريبًا منكفئًا على نفسه لم يوطن المعرفة التقنية فصارت العربية عائقًا للتعليم، وفي المغرب العربي لم تفلح اللغة العربية في النجاة من الفرنسية المهيمنة حتى فقدت شعوب المنطقة لغتها، فهي الآن أقرب إلى لغة مالطة منها إلى الفرنسية أو إلى العربية.

في ربع قرن من حكم بن علي لتونس كانت المدرسة من التحضيري إلى الجامعة بين أيدي مثقفي التحديث

أما بخصوص الإسلام مشرقًا ومغربًا، فقد حصلت عملية دمج متعمد بين الإسلام والحركات الإسلامية وأدى الخلط إلى حرب على الإسلام ومن يزعم تمثيله، وجدت الحركات الإسلامية في ذلك سببًا للبقاء فقبلت الطرح القائل بأنها ممثل الإسلام، فهي الضحية المسكينة ووجدت الأنظمة سببًا لمحاربتها بعد وصمها بأنها ممثلة التخلف (الرجعية)، ووجدت المدرسة الحديثة سببًا للدفع في اتجاه أطروحة تحديث على قاعدة الفصل بين معتقدات الناس وطموحات المثقفين، وكانت الأنظمة العربية الحاكمة تدفع في اتجاه تعميق هذا الفصل ووضع أطرافه في حالة حرب، فقد كان ذلك مريحًا لها سياسيًا.

الثورة انطلقت من خارج هذا الصراع

لقد أصاب هذا النقاش الشارع العربي بالعقم وهرب الناس منه إلى همومهم اليومية، فلما تحرك قطاع واسع من شباب ولد وعاش خارج هذا الصراع فقد المثقفون سبب وجودهم، لقد طرحت محاور أخرى ومطالب أخرى منها خاصة الديمقراطية السياسية والاجتماعية التي كانت الأنظمة تؤجلها بتوسيع الصراع بين التحديث والتأصيل.

كان التحاق المثقفين بهذا الزخم الجديد يعني عملية تجديد فكري وإعادة تأسيس المدرسة بما يعني أن إصلاح التعليم كان أولوية قصوى تسبق حتى الإصلاح الاقتصادي، هنا أوقف المثقفون القطار برمته وأعادوه إلى محطتهم التي يعرفون، بما جعلهم يضعون المدرسة ضد الثورة.

يفترض أن تطرح الحالة المصرية سؤالاً في ذهن كل مثقف وضميره: ماذا يستفيد المواطن المصري المفقر من حكم العسكر الذي قتل الإسلاميين ثم عرج على الشعب المصري

كان هناك سؤال لم يطرحه مثقفو التحديث وهو لماذا لم تمت حركات الإسلام السياسي التي تعرضت لمذابح كثيرة وظلت حية وتتقدم الصفوف كلما فتحت لها فجوة ديمقراطية؟ وبقطع النظر عن استفادة هذه الحركات من وضع الضحية المستدر للشفقة بمعاناته ومسكنته فإن استجابة الناس لهم ونصرتهم كانت تعني أن لديهم سؤالاً جوهريًا يجب الإجابة عنه وهو سبل التحديث داخل التأصيل اللغوي والديني (التراث)، ولهذا السؤال وجه آخر لماذا لم تتحول أطروحة التحديث إلى أطروحة جماهيرية وظلت دومًا محتاجة إلى السلطة السياسية لتفرض نفسها على الناس الذين لا يستجيبون لها؟

مثقفون يرفضون التعلم

في ربع قرن من حكم بن علي لتونس كانت المدرسة من التحضيري إلى الجامعة بين أيدي مثقفي التحديث، فقد تكفل النظام بتطهير الساحة من الرجعية، فلم يوطنوا المعرفة ولم يبنوا الديمقراطية السياسية خارج المدرسة والأمر مطابق في سوريا ومصر والجزائر والمغرب (وضع القذافي ليبيا خارج التاريخ)، وكان يجب لهذا الفشل أن ينتج مراجعة جذرية للأفكار والأدوار لكن العكس هو الذي حصل بعد الثورة، للفشل عنوان ومثقفو التحديث ليس لهم خريطة طريق للمستقبل، فقد انتهى دورهم إلى منع الإسلاميين من الحياة دون أن يقدموا للناس سبلاً للحياة دون إسلاميين.

يفترض أن تطرح الحالة المصرية سؤالاً في ذهن كل مثقف وضميره، ماذا يستفيد المواطن المصري المفقر من حكم العسكر الذي قتل الإسلاميين ثم عرج على الشعب المصري؟ هل يقوم العسكر الآن بتحديث المجتمع المصري حتى يطمئن المثقف التحديثي إلى مسار بناء المجتمع الحديث بعيدًا عن الأطروحات الرجعية المسببة لتخلفه؟

هذه القناعات لا تتغير بقوة الدولة، فقد جربت فيهم وفشلت بل أنتجت ردود الفعل المعاكسة تمامًا للمطلوب وما داعش إلا ثمرة للتحديث القسري

كان هذا السؤال مثله لو طرح بصدق سيؤدي إلى إجابة وحيدة هي أن الأولوية لبناء الديمقراطية من جديد عبر المدرسة أي أن تتحول أطروحة التعايش بين سؤال التحديث ومن يحمله وسؤال التأصيل ومن يحمله إلى نقاش يومي يترجم في برامج دراسية وسياسية يعمل الجميع على إنجازها فيكون نصف القرن 21 هو مرحلة بناء التحديث الديمقراطي المتصالح مع تراثه، وهو الأمر الكفيل بإخراج العرب من التخلف إلى التحديث الحقيقي، ولم يكن أحد مؤهل نظريًا لطرح السؤال والإجابة عنه أكثر من مثقفي التحديث.

لن يتم التحديث الفعلي خارج هذا السؤال

لا تحديث خارج قناعات الناس التي يراد لها التحديث، وهذه القناعات لا تتغير بقوة الدولة، فقد جربت فيهم وفشلت بل أنتجت ردود الفعل المعاكسة تمامًا للمطلوب وما داعش إلا ثمرة للتحديث القسري، ليس الإسلاميون أو القوميون ممثلي هويات الشعوب وإن طاب لهم التسمي باسم تيار الهوية ولكن حديثهم في الدين والعروبة يلقى صدى لدى الناس فيقبل بينما يرفض حديث الانسلاخ عن هذه الهويات وينعت بالتغريب (اشتقاق من الغرب ومن الغربة).

سيكون من الخطأ والجهل الفظيع أن يسير الإسلاميون في طريق الدولة بقصد الاستيلاء وفرض الأفكار بنفس المنهج الذي اتبعه تيار التحديث، ولو فرضنا أن الطريق ممهد إلى السلطة وهو ليس كذلك، سيكون من الإجرام مواصلة تيار التحديث قطع الطريق على سؤال الهوية أي سؤال التأصيل داخل التحديث، فهذه المتاريس الفكرية في ظاهرها والسياسية في باطنها تجعل المدرسة العربية ضد الثورة أي خارج التاريخ.

إن الهروب من السؤال بما هو بوابة حوار عميق في البدائل والمستقبليات يلغي كل دور للمثقفين ويحولهم إلى مرتزقة عند الأنظمة الفاشلة وهو ما نراه الآن جليًا في مصر خاصة.

 ألقينا طويلاً على الاستعمار جريمة تأخير الإجابة وإعاقة التقدم ولكن ما زلنا نغفل دور الأنظمة التي بنت مدرسة مانعة للإجابة عن السؤال فخلقت مثقفين يمنعون المدرسة من أداء دورها

هناك مائدة حوار تنتظر المتحاورين، يخرج منها برنامج تعليمي جديد ينطلق من إسقاط التناقض القائم بين التحديث والتأصيل، ومن هناك تنطلق عملية تأسيس جديدة لطفل عربي يفكر بلغته الأم ولا يرى في تراثه جريمة تخلف ورجعية، وليس منغلقًا على نفسه كمن يملك حقيقة الوجود الكبرى ويكتفي بها، لا تتناقض في رأسه أطروحة الديمقراطية السياسية مع أطروحة التفكير في اختلافه، ليصل إلى السؤال البديل: كيف أكون قويًا ومختلفًا عن النموذج التحديثي الغربي الذي أراه أمامي ويغريني بالنسج عليه (الأخذ منه) لا الذوبان فيه؟ وهذا هو المسار الوحيد لتكون المدرسة العربية (التونسية) مقدمة ووسيلة للمستقبل.

سيقال لي إن هذا السؤال قديم، فأقول نعم إنه سؤال التأسيس في القرن التاسع عشر وإنه لمن البؤس أن نعود إليه بعد قرنين من الزمان كأن لم نتحرك من رقاد القرون، لكن لننظر من أعاق الإجابة عنه؟ لقد ألقينا طويلاً على الاستعمار جريمة تأخير الإجابة وإعاقة التقدم ولكن ما زلنا نغفل دور الأنظمة التي بنت مدرسة مانعة للإجابة عن السؤال؛ فخلقت مثقفين يمنعون المدرسة من أداء دورها، حتى يجلس فرقاء الأوطان حول تلك المائدة ستظل المدرسة ضد الثورة.