الحرب مكلفة، مُنهكة، لا يتحملها أحد، ولا يخرج من هذا الإطار أي طرف، سواء كانت أقوى دولة في العالم أم رمز الأصولية التاريخي منذ تسعينيات القرن الماضي "حركة طالبان" التي وصلت إلى السلطة في أفغانستان، قبل أن يتم إقصاؤها عنوة من القطب الأوحد للعالم حاليًّا، بما أشعل حربًا بين الطرفين ومع طول أمدها، أصبح كل منهما يسعى لاسترضاء الآخر، رغم استمرار الاشتباكات الدائرة بينهما.

من آخر الأحداث.. ما الذي يجري في الكواليس؟

استيقظ العالم قبل أسابيع على أنباء مفاوضات مكثفة بين طالبان وأمريكا، كان الحديث عنها موكولاً إلى أكبر قائد عسكري في أفغانستان الجنرال جون نيكولسون، بما أعطى انطباعًا للغالبية التي تابعت تلك الأنباء أن النزعة المادية لترامب وميوله التي تعتمد على خطط إرباك الخصوم والتهديد بالقوة العسكرية الجبارة لبلاده، إذا ما لم تستجب أي من الأطراف المناوئة لسياسته، لم تعد تعرف طريقًا إلى مسلحي طالبان الذين لا تفرق معهم هذه التهديدات.

ما يؤكد جدية أمريكا في المفاوضات مع طالبان لجوئها إلى قطر التي تمتلك خبرة كبيرة في التعامل مع الحركة الأصولية التي كانت ممرًا آمنا من قبل لإدارة مفاوضات معها منذ عقود مضت

"العقيدة" بكل مستوياتها سواء الأيدلوجية أم الدينية، تجعل من أبنائها وحوشًا كاسرة في وجه استكبار أي عدو محتمل، وهو الأمر الذي يبدو أن ترامب تفهمه جيدًا من دروس صراعه مع كيم كوريا أو دولة البغدادي، وأخيرًا طالبان التي تختلف عن داعش في العقيدة والفكر والسلوك، بما جعل الولايات المتحدة تحاول تقليل الفجوة واحتواء الحركة التي تتصارع عليها إيران وروسيا العدو التاريخي لها، وإنهاء الحرب المستمرة منذ 17 عامًا في أفغانستان.

ما يؤكد جدية أمريكا في المفاوضات مع طالبان لجوئها إلى قطر التي تمتلك خبرة كبيرة في التعامل في الحركة الأصولية، التي كانت ممرًا آمنًا من قبل لإدارة مفاوضات معها منذ عقود مضت، بسبب النجاحات القديمة، لجأت الحركة الجهادية الأشهر منذ التسعينيات، لفتح مكتب سياسي في الدوحة، مهمته بإقامة جسور من الحوار مع العالم الغربي، وخصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية.

وهي البطاقة الذي فشل التحالف العربي في استخدامه ضد قطر لتأكيد علاقتها بالإرهاب، قبل أن تخرج الأخيرة وتكشف مفاجأة كبرى، عن إدارة المكتب السياسي الطالبني من بلادها بالتعاون بل وبتسهيل لوجستي كامل من أمريكا، لإيجاد صيغة للحوار بين الطرفين، وهو ما جعل إعلام بلدان الحلف المناهض للدوحة ينصرف تمامًا عن الحديث في هذه الجزئية، خلال حرب التشويه والتشويه المضاد التي تشن يوميًا من هذا ضد ذاك والعكس.

وتناور أمريكا طالبان لدفع الحركة للحوار غير المشروط مع الحكومة الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة، فيما تتمسك طالبان برفض الحوار مع سلطة ترى أفرادها عملاءً تآمروا عليها لإسقاطها خلال رحلة البحث عن أسامة بن لادن الذي رفضت طالبان تسليمه إلى الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، إثر تفجيرات 11 من سبتمبر الشهيرة، بما وضع الحركة على رأس "محور الشر" في عقيدة بوش وبلاده.

تحاول طالبان اللعب على نفس المائدة واستغلال الرغبة الأمريكية في الحوار

وأصبح الملا عمر الزعيم الطالباني وقتها ورجاله على رأس المطلوبين لأمريكا، بجانب الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين وأركان حكمه في العراق، ونظام الملالي بإيران، بما أسفر في النهاية عن إسقاط الملا وصدام، وأوقع المنطقة في بحار من الدماء والتطرف لم تنته عواقبهما حتى الآن.  

من جهتها، تحاول طالبان اللعب على نفس المائدة، واستغلال الرغبة الأمريكية في الحوار، وطالبت إدارة ترامب بالتدخل لإزالة القائمة السوداء لقياداتها لدى الأمم المتحدة، حتى يتمكنوا من السفر بأريحية، بعد سنوات طويلة من الاحتجاب بالكهوف والمنازل والأنفاق السرية خوفًا من الاستهداف العسكري والاغتيال، كخطوة أولى لتقديم بادرة خير، تمكنهما من دفع الجهود الدبلوماسية إلى الأمام، وإجراء محادثات لم يسبق لها مثيل بين طالبان وأمريكا.

لماذا تحاول أمريكا احتواء طالبان؟

مثل الولايات المتحدة لا تقدم على أي خطوة دون أن يكون خلفها عشرات الدلالات، عندما تدخل طرفًا في حوار مع حركة طالبان، بما قد يقوض مصداقية ترامب اليميني المتطرف الذي جاء لحكم أكبر دولة في العالم، بخريطة تضمن نسف الإسلام السياسي، سواء كان معتدلاً أم متطرفًا، وهو ما تكشف بالفعل خلال الأشهر الماضية، التي سربت فيها وسائل إعلام عالمية، تدرب مقاتلي طالبان في أكاديميات عسكرية متخصصة بإيران، بما يؤكد أن احتواء طالبان وتقديم الدعم لها، أحد أهم محاور خطة طهران لاستنزاف الجيش الأمريكي وتوسيع دوائر الاشتباك معه وإنهاكه في المنطقة، الأمر الذي يجعل التفكير في إثارة صراع مسلح مع دولة بحجم إيران عملية في منتهى المخاطرة والصعوبة.

تعلم أمريكا جيدًا أن الحرس الثوري الإيراني يفتح معسكراته لمقاتلي طالبان، وهو صاحب العقيدة الهجومية التي لا تنتظر رسائل الأعداء، وهو ما حدث بالفعل مع ملف الحوار مع  طالبان واستقطابه

كان خبراء وكتُاب أفغان وإيرانيين، أكدوا التقارير الواردة من أمريكا، بفتح قنوات اتصال إيرانية مع طالبان، بدأت مع تنصيب أختر محمد منصور زعيمًا للحركة، وهو أحد أهم قيادات طالبان عداءً للولايات المتحدة الأمريكية، وكان نائبًا للملا محمد عمر، الزعيم التاريخي للأصوليين الأفغان، الذي قتل قبل ثلاثة أعوام، ليتم اختيار منصور خلفًا له، ليتحمل نتيجة عدائه للولايات المتحدة، صاروخ موجه من طائرة دون طيار، استطاع إصابته وقتله في مقر إقامته بباكستان، بعد عام واحد من توليه قيادة طالبان.

وتعلم أمريكا جيدًا أن الحرس الثوري الإيراني يفتح معسكراته لمقاتلي طالبان، وهو صاحب العقيدة الهجومية التي لا تنتظر رسائل الأعداء، ثم ترد دفاعيًا بما يليق، بل يبادر بتوصيل الرسائل المباشرة التي تستبق الخطى، وهو ما حدث بالفعل مع ملف الحوار مع  طالبان واستقطابها، بما جعل الإدارة الأمريكية يتملكها الرعب من توحد إيران مع حركة بخبرة طالبان، بما يشكل ضغطًا كارثيًا على أي مائدة مفاوضات لاحقة بين واشنطن وطهران أو بين الأخيرة والدول الغربية، الأمر الذي يعود بالسلب على توجهات ترامب في المنطقة، وإطلاق يد "إسرائيل" وتمكينها من القدس بنهاية المطاف.

مكاسب طالبان من الحوار مع أمريكا

تعلم طالبان جيدًا ماذا يعني الحوار مع أمريكا في الوقت الحاليّ، فالحركة تعلمت مؤخرًا كيف تساوم المارد الأمريكي بالورقة الروسية، رغم العداء التاريخي بينهما، فطالبان كانت وراء انهيار الاتحاد السوفيتي، إلا أن عالم اليوم، لا ينظر كثيرًا للماضي عندما تدار المصالح وفق ورقة المساومات، وحرب الاستقطاب الدائرة التي ستعطي روسيا أرضًا جديدة في معركة الأحلاف الدائرة مع أمريكا، حال نجاحها في استقطاب طالبان إلى مربعها.

تتسلح الحركة بأوراقها في التفاوض، التي تتمثل ميدانيًا بسيطرتها على مساحة واسعة من الأراضي  الأفغانية، بجانب حضورها السياسي والديني في المجتمع الأفغاني

وتستغل روسيا جيدًا، العلاقة المأزومة التي تسبب فيها ترامب بتصرفاته الأنانية، وهو ما يشكل ضغطًا كبيرًا على حلف الناتو الذي قد يخرج نهائيًا من آسيا الوسطى، حال استمرار الخلافات بين أعضائه، في الوقت الذي تقوى فيه شوكة روسيا ونجاحها في توسيع دوائر تحالفاتها واستعادة أجزاء كبيرة من سيطرتها - النفسية على الأقل - على البلدان التي كانت تقع ضمن رقعتها السياسية والجغرافية بشكلها القديم.

وتتسلح الحركة بأوراقها في التفاوض التي تتمثل ميدانيًا بسيطرتها على مساحة واسعة من الأراضي الأفغانية، بجانب حضورها السياسي والديني في المجتمع الأفغاني الذي يميل للأصولية، وتحالفها الوثيق مع باكستان الذي لم يتأثر بتجميد واشنطن مساعدات بملايين الدولارات لإسلام آباد في يناير الماضي، فرغم نفي باكستان رسميًا دعم طالبان، فإن الكواليس حافلة بما هو غير ذلك.

الأمر الذي يجعل من إعادة الحوار مع طالبان أهمية قصوى لأمريكا، وللحركة نفسها التي لا تريد مزيدًا من الضغط على باكستان أقوى حليف إستراتيجي لها، وتتخوف في الوقت نفسه من التماهي مع ملاطفات روسيا السياسية والدبلوماسية لها؛ فمثل بوتين لا يمكن الوثوق به في ظل ثقافته السوفيتية التي حاربتها طالبان في الماضي.

كما لا يشفع للتحالف بينهما المصلحة السياسية البحتة لروسيا التي ترغب في محاربة تنظيم داعش وتقليل سيطرته على جمهوريات القوقاز الإسلامية التي تأثرت بغياب الأصولية الطالبانية التي تحمل الكثير من التعقل، إذا ما قورنت بتنظيم داعش الذي ينجح بشكل لا يمكن تصديقه في استقطاب المواطنين الروس من تلك المناطق، ونقلهم إلى شمال أفغانستان على طول الحدود مع طاجيكستان وأوزبكستان، الأمر الذي يجعل من التحالف مع أمريكا حال حدوثه، الأكثر أمانًا والأقل خطورة من تقلبات الدب الروسي وثقافته التوسعية.