في مناطق ممتدة على الجزء الأوسط من الصحراء الكبرى الإفريقية، سكنت قبلية التبو منذ آلاف السنين، قبلية اتخذت لنفسها لغة وثقافة خاصة تميزها عن غيرها من القبائل الإفريقية والعربية والأمازيغية المنتشرة في تلك المنطقة على الحدود بين الدول، في هذا التقرير سنتعرف معًا على هذه القبيلة وأهم خصائصها الثقافية.

اختلاف في الأصل

تعتبر قبائل التبو من أقدم الشعوب التي استوطنت منطقة الصحراء الكبرى الإفريقية، غير أن أصلهم لا يعرف على نحو دقيق، وتقول بعض كتب التاريخ إن أصول هذه القبائل تعود إلى رعاة الماشية قديمًا من الزنوج الإثيوبيين.

تحدث عنهم المؤرخ اليوناني هيرودوت الذي زار الساحل الشرقي لليبيا نحو العام 450 ق.م في كتابه "التاريخ"، ونسبهم إلى المجموعة الزنجية الإثيوبية أو الحبشية، ويشهد ملبسهم وتقاليدهم وطريقة عيشهم بهذه الأصول الزنجية الإفريقية، وإن كان تأثرهم بالرافد العربي المتاخم لهم من الشمال لا تُخطئه العين، وتُعبر عنه عمائمهم البيضاء وتعلقهم بالإبل والصحراء وحياتها.

يعود شيوع تسمية "التبو" إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية

من جهته، أشار المؤرخ والجغرافي اليعقوبي في كتابه "البلدان" إلى شعب التُبو باسم "لَمْطة" ووصفه بأنه أشبه شيء بالبربر، كما أشار إليه المؤرخ المقريزي باسم "برداوه" وعدَّه من شعوب البربر أيضًا، ويرى المُستكشِف الألماني قوستاڤ ناشتيقال أن التبو ليسوا من البربر، مفصِّلاً: "وإن لم يكن للتُبو أي صِلةً بالبربر، فإنهم مع ذلك لا يُشبهون الزنوج، بل يشكلون شعبًا وسيطًا بين السكان الأصليين لشمال إفريقيا وزنوج السودان".

التبو والقرعان وأسماء أخرى

تتعدد الروايات عن أصل اسم "التبو"، ويقول العالم النمساوي لِيو رَينيش إلى أن كلمة تُبو تحوير لكلمة "تِحنو"، وهي اسم كان يُطلقه المصريون القدماء على مجموعةٍ من القبائل استوطنت الأراضي الواقعة إلى الغرب من وادي النيل، فيما كانت تُعرف بالصحراء الليبية.

فيما يرى غيره أن هذه الكلمة كانُورية الأصل أي أنها تعود لشعب الكانوري، ومركبة من مقطعين: "تُو" وهو الاسم الذي يُشير به التُبو إلى جبال تبيستي، و"بُو" وهو صيغة الجمع، أي أنها تعني "الجَبَليُّون".

ويعود شيوع تسمية التبو إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية، يذكر أن هذه القبائل قاومت بشدة المستعمر الفرنسي الذي غزا المنطقة مطلع القرن العشرين، ورفضوا الانخراط في مخططاته التعميرية الرامية إلى تثبيت السكان في تجمعات قروية ثابتة، وآثروا على ذلك ترحالهم الدائم بحثًا عن الكلأ لقطعان ماشيتهم.

تسيطر التبو على معابر صحراوية عديدة

فضلاً عن اسم التبو، يطلق على هذه القبائل اسم "القرعان"، ووردت هذه التسمية في كتاب "وصف أفريقيا" للرحالة الأندلسي الحسن الوزان المشهور باسم ليون الإفريقي، حيث يقول في معرض حديثه عن الطرق الصحراوية للقوافل: "وأسوأ من هذا خط السفر المفتوح حديثًا بين فاس والقاهرة مرورًا بصحاري ليبيا، غير أن المسافرين يمرون في طريقهم هذه بالقرب من بحيرة عظيمة تعيش حولها شعوب ساوو وكُوران".

ويضيف في موضع آخر وهو يتحدث عن مملكة "نوبيا" في شمال السودان وجنوب مصر: "وملك النوبة في حرب دائمة، تارةً ضد القُرعان الذين هم من جنس البوهيميين الذين يعيشون عيشة ضنكًا في الصحراء ولا يفهم أحدٌ لغتهم...".

كما عُرف التُبو/القُرعان، عبر تاريخهم، بأسماء أخرى أشهرها اسم "بَرداوه" الذي ذكره المؤرخ المصري تقي الدين المقريزي، بينما يطلق قبائل الطوارق وسكان صحراء تينيري وما حولها، اسم "إيكَرادِن" على شعب التُبو/القرعان.

انتشارهم الجغرافي

تتألف مجموعة التبو من نحو 50 عشيرة بدوية ذات هوية زنجية عربية مختلطة، تسكن الصحراء الكبرى خاصة منطقة جبال تيبستي في شمال تشاد، ولهم امتدادات إلى الشمال بمنطقة فزان الليبية وجنوبًا إلى صحراء تينيري بالنيجر وصولاً إلى تخوم إفريقيا الوسطى، وشرقًا إلى السودان، بل إن تجمعات منهم ظلت تعيش في غرب مصر حتى عشرينيات القرن العشرين.

وبشكل عام يُمكن حصر مواطن التبو في مساحة تُقدر بمليون وربع مليون كيلومتر مربع توجد كلها في منطقة الصحراء الكبرى، مع الإشارة إلى أن كثافتهم في هذا الفضاء الفسيح ضعيفة جدًا، فالإحصاءات المتوفرة تُقدرهم بـ400 ألف نسمة.

"تدكا" و"دازاكا"

تتألف التبو من قبيلتين أساسيتين هما التدَّا والدازا، ولكل منهما لغة خاصة مع تجانس كبير بين اللغتين في مخارج الحروف والمعاني، وتتركز قبائل "التدَّا"، في شمال الصحراء الكبرى (الجنوب الليبي وجبال تيبستي وواحات شمال شرق النيجر وحوض أيِيِر)، فيما تتركز قبائل "الدازا" في جنوب الصحراء الكبرى على الحدود مع إفريقيا الوسطى (إينيدي وبُركو وبَطحة وكانُم ومانقا وأيِيِر).

وتتشابه اللهجتان أي "تداكا" نسبة إلى قبائل التدَّا و"دازاكا" نسبة إلى قبائل "الدازا" إلى حد كبير، وتشتركان في ميزات لسانية وصوتية كثيرة، كما يبدو فيهما التأثر بالروافد اللغوية والثقافية الزنجية والعربية والأمازيغية السائدة في المنطقة.

تمثل هذه المجموعة مثلاً واقعيًا للانصهار الإفريقي العربي ورمزًا للوحدة الدينية في منطقة جنوب الصحراء

رغم تماثل اللهجتين في القواعد النحوية والصرفية، فإن هناك تمايزًا ملحوظًا في المفردات والمسميات والنبرات، قد يكون ناتجًا عن تطور اللهجتين في بيئتين منفصلتين لبعض الوقت، ويؤكد باحثون في قبائل جنوب الصحراء أن هذا التقسيم اللغوي تقريبي فقط، فكثير من الدازا سكان بُركو وشمال كانوا في الأصل من التدَّا، كما أن الكثيرين من الدازا يجيدون التحدث بتدّاكا، والكثير من التودا يجيدون التحدث بالدازّاكا.

عادات وتقاليد متوارثة

رغم امتداد تاريخه إلى آلاف السنين، وانتشاره على مساحات جغرافية كبيرة في منطقة الصحراء الكبرى الإفريقية، فقد ظل مكون التبو مجهولاً نسبيًا للعديد من الشعوب، حتى للعرب، فهم لم يسجلوا عن أنفسهم ولا تاريخهم شيئًا يذكر، كما أنهم لم يخلفوا آثارًا واضحة المعالم يمكننا من خلالها الاستدلال عليهم.

وتتفق عديد من الدراسات التي تناولت المجموعة على أن تقاليد التبو تحكم مناحي الحياة كلها تقريبًا، وتبدو السمة البارزة للمنظومة القيمية والأخلاقية لمجموعات التبو، ولئن اختلفت قبائل التبو في النسب إلا أنهم اتفقوا على المسمى الجامع لهم، وهم مجتمع ريفي ولا يزال متمسكًا بعاداته وتقاليده ونظام حياته الخاص.

من العادات التي ما زالت متوارثة عند التبو أن السلام يكون على بُعد عشرة أمتار، فإذا التقى اثنان من المعارف على الطرق فيؤديان التحية على مسافة عشرة أمتار ثم يقتربان من بعض، ويسلمان بالأيدي دون تبادل القبل.

امتهن التبو تربية الإبل

من بين العادات التي ما زالت متوارثة إلى الآن أيضًا شعر "الهامي"، وهو فن تمارسه ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻟﻤﺪﺡ ﺍﻷﻗﺎﺭب ﻭﺍﻟﺘﻔﺎﺧﺮ ﺑﺎﻷﻧﺴﺎب ﻭﺍﻷﺻﻞ ﻭﺫﻛﺮ ﺑﻄﻮﻻﺗﻬﻢ ﻭذم ﺍﻟﺨﺼﻮم، ﻭﻳﻤﺎﺭﺱ ﻓﻲ مﺨﺘﻠﻒ ﺍﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺎﺕ ﻛﺄﻋﺮﺍس ﺍﻟﺰﻭﺍج ﺃﻭ ﺍﻟﺨﺘﺎن ﺃﻭ ﻏﻴﺮﻫﺎ، ﺣﻴﺚ تتراص ﻧﺴﺎﺀ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ "ﻫﺎﻣﻲ" ﻋﻠﻰ ﺷﻜﻞ ﺩﺍﺋﺮة، ﺗﺘﻮﻟى ﻓﻴﻪ ﺇﺣﺪﺍﻫﻦ ﺍﻟﻐﻨﺎﺀ ﻭﺍﺿﻌﺔ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻣﻮﺿﻊ مايسترو ﺍﻹﻳﻘﺎﻉ.

أما البقية يقمن ﺑﺎﻟﺘﺼﻔﻴﻖ ﻭﺗﺮﺩﻳﺪ ﻣﻘﺎﻃﻊ ﺍﻟﻐﻨﺎﺀ، ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺼﺎﺣﺒﻪ ﺗﺪﺭﻳﺠﻴًﺎ ﺧﺮﻭﺝ ﻟﺒﻌﺾ ﻋﻨﺎﺻﺮ اﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ ﻭﻓﻲ ﻓﺘﺮﺍﺕ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﺇﻟى ﺧﺎﺭﺝ ﺍﻟﺤﻠﻘﺔ ﻭﻳﻘﻤﻦ ﺑﺎﻟﻘﻔﺰ ﻭوﺍﻟﺪﻭﺭﺍﻥ ﺣﻮﻝ ﺃﻧﻔﺴﻬﻦ ﻣﻊ ﺇﺻﺪﺍﺭ ﺃﺻﻮﺍﺕ ﺭﻧﺎﻧﺔ ﺗﺸﺒﻪ ﺍﻟﺰﻏﺎﺭﻳﺪ، يصاحبها ﺳﺮﻋﺔ ﻓﻲ ﻭﺗﻴﺮﺓ ﺍﻟﺘﺼﻔﻴﻖ ﻭﺍﻟﻐﻨﺎﺀ ﺇﻟى ﺃﻥ ﺗﻌﺪﻥ ﻟﻣﻜﺎﻧﻬﻦ ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ﻓﻲ ﻧﺴﻖ ﺍﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ.

تُعرف قبائل التبو بالنشاط اللامتناهي وتحملهم للأعباء وخبرتهم في استخدام الأسلحة التقليدية والحديثة، ويمتازون بالترحال، كما اشتهروا بالمروءة والكرم والجود، ويمارس التبو الرعي والتنمية الحيوانية على نطاق واسع، ويُفسر ارتباطهم بقطعانهم المساحات الشاسعة التي يتحركون عليها بحثًا عن الكلأ والماء.

تمثل هذه المجموعة مثلاً واقعيًا للانصهار الإفريقي العربي ورمزًا للوحدة الدينية في منطقة جنوب الصحراء، فقد اعتنق جميعهم الإسلام منذ أمد بعيد وساهموا في انتشاره، ويُصنف جوار التبو (الزنوج) التبو عربًا وفي الآن نفسه يُصنفهم العرب زنوجًا.