قُتل الأنبا إبيفانيوس أسقف ورئيس دير أبو مقار في مصر، ودخل الحدث أسبوعه الثاني، وما زالت الملابسات غامضة بشدة رغم تعدد عشرات الروايات الإعلامية والكنيسة لاغتيال الأنبا في ديره الخاص، وعاد للصورة الصراع القديم الحديث، بين مدرسة الأب متى المسكين التي ينتمي إليها أبيفانيوس ومدرسة البابا شنودة الثالث، وهو صراع بدأ منذ نحو 50 عامًا وامتد بصورة كبيرة، لدرجة أنه بات خلافًا عقائديًا من الدرجة الأولى داخل الكنيسة.

"راح أبيفانيوس في ظروف غامضة"، هكذا وصفت الكنيسة الحادث الذي شغل الرأي العام في مصر وربما العالم أجمع على مدار الأيام الماضية، ورغم استمرار التحقيقات وعدم وصولها إلى نتائج واضحة وحاسمة حتى الآن، فإن كشف غموض الحادث دعا كل الأطراف المعنية لفتح ملف هذا الدير، وكشف ثنايا صراعه مع الكنيسة الأم وكواليس تمرده عليها بسبب الخلاف بينهما في الكثير من القضايا التي تمس صلب الديانة المسيحية.

بكاء البابا تواضروس الثاني في أثناء عظتة بجنازة الأنبا أبيفانوس رئيس دير أبو مقار

كيف بدأ الصراع بين شنودة ومتى المسكين؟

بدأ الصراع بين مدرسة متى وشنودة بشأن تأليه الإنسان والنقد الكتابي والتشكيك في صحة أجزاء من إنجيل مرقص، بجانب دور الأعمال الصالحة في نوال الخلاص، ونقد بعض العبارات الواردة في إنجيل متى، ومفهوم الوحدة مع الطوائف الأخرى، وكيفية ومنهج الوصول إلى هذه الوحدة، بما عمق من جوهر الخلاف بين المدرستين التي شكلت إحداها مقرًا لهذا الصراع وهو دير أبو مقار الذي قتل به أبيفانيوس.   

تتعلق مدرسة الأدب متى المسكين بالتراث القديم المترجم من الإنجليزية عن قصص وسير قديسي الكنيسة القدامى، ولم تلتزم بالنصوص الحرفية حسب الاتجاه السائد في المدرسة الأخرى التي تزعمها الأنبا شنودة الراحل وأنصاره ـ قبل أن يتولى كرسي البابوية ـ الذين تشبثوا بالطريقة التقليدية للكنيسة التي تربوا عليها، واعتبروا كل ما دونها خروج واضح على أفكارها.

يعود الصراع إلى موافقة خصم شنودة على تولي إدارة شؤون الكنيسة بعد الصدام الكبير الذي حدث بين الرئيس الراحل أنور السادات والبابا الراحل، إثر صراع امتد نحو 8 سنوات، بداية من الأحداث الطائفية عام 1972 انتهاءً برفض البابا اتفاقية كامب ديفيد

ظلت النار كامنة في الصدور، كل المواقف يؤجل حسمها، حتى تسلم البابا شنودة الكرسي، وفور تنصيبه شرع في تحريم تدريس جميع آراء وأفكار وكتابات متى المسكين، وأصبح الأخير محاصرًا بفتاوى التحريم هذه حتى وفاته عام 2006، إلا أن أنصاره من رهبان دير الأنبا مقار، لم يعلنوا الاستسلام بل تمسكوا بأفكار متى وكأنه لا يزال على قيد الحياة، وهي الظاهرة التي تحدث عنها البابا الراحل، وقال إنهم يدينون بالولاء للأب الراحل ولا يطيعون البابا والمجمع المقدس والأساقفة، وكشف عما هو أبعد من ذلك في جملته الشهيرة بالخطبة التي وجهها في هذا الصدد قائلاً: "إحنا سايبينهم على راحتهم، هنعمل إيه".

هجوم البابا شنودة على القمص متى المسكين 

يعرف القاصي والداني أن الصراع بين متى المسكين والبابا شنودة ومدرسته لم يكن بريئًا من الذلل، بل يعود إلى موافقة خصم شنودة على تولي إدارة شؤون الكنيسة بعد الصدام الكبير الذي حدث بين الرئيس الراحل أنور السادات والبابا الراحل، إثر صراع امتد نحو 8 سنوات، بداية من الأحداث الطائفية عام 1972 انتهاءً برفض البابا اتفاقية كامب ديفيد.

مع اعتقالات عام 1981 الشهيرة، لم ينس السادات شنودة، وأمر على الفور بتجريده ووضعه تحت الإقامة الجبرية، وظل البابا على هذا الوضع من عام 1981 وحتى 1985 إلى أن أعاده الرئيس الأسبق حسني مبارك، في محاولة واضحة هدفت كسب جماهيرية كبرى بين شعب الكنيسة الذي كانت يتضامن في أغلبه مع شنودة ضد السادات.

تبارى تلاميذ الأب متى المسكين في الدفاع عن شرف زعيمهم الكنسي، وردوا على المزايدات بمزايدات مضادة، واستهدفوا رأس الكنيسة نفسه البابا شنودة

عاد شنودة إلى مكانته الدينية، ولم ينس هذا الموقف الذي جرح الشعب القبطي وتسبب في قطيعة شاملة مع متى الذي تقوقع على ذاته هو الآخر حتى وفاته عام 2006، ورغم ذلك حرص شنودة دائمًا على مدح الأب المسكين واعتبره راهب أمين لكن لا يدرك خطورة التعبير اللاهوتي الخاطئ، إلا أن المعركة لم تنته على هذا النحو بين تلاميذ هذا وذاك، وخصوصًا أنصار شنودة الذين اتهموا متى المسكين بالهرطقة، وزاد الأمر باتهامه بتحريض السادات ضد البابا شنودة وضد الكنيسة نفسها.

الأنبا بيشوي يشرح تآمر متى المسكين مع السادات ضد البابا شنودة والكنيسة بالوثائق

مزايدات ومزايدات مضادة

على الجانب الآخر، تبارى تلاميذ الأب متى المسكين في الدفاع عن شرف زعيمهم الكنسي، وردوا على المزايدات بمزايدات مضادة، واستهدفوا رأس الكنيسة نفسه البابا شنودة، واتهموه باتباع سياسات إقصائية ضد كل من يخالفه الرأى، وجعلوا من الخلاف معركة عقائدية استخدموا فيها كل أسلحتهم الثقافية وبراعتهم في قراءة اللاهوت القبطي من لغاته الأصلية، بعكس شنودة وأنصاره الذين لا يجيدون إلا قراءته عبر لغات وسيطة.

منذ عام 1985، والأب متى يقود هو الآخر الصراع بذكاء شديد، فالرجل الذي عرف جيدًا أنه سيدخل حرب وجودية تستهدف تاريخه، لجأ للاعتكاف بدير الأنبا مقار، وعمل من وقتها على استقلاله بشكل تام عن الكنيسة الأم فكريًا وإداريًا، ونجح في ذلك ببراعة شديدة، ومن السنوات اللاحقة على هذا التاريخ، أصبحت الحرب ترتقي إلى درجة العقائدية، وبرزت عشرات الكتب من الطرفين على جميع المستويات اللاهوتية، بجانب الخطب المسجلة والمساجلات الإعلامية سواء داخل أم خارج مصر في القنوات المسيحية، وتحولت السجالات إلى اتهامات متبادلة بإفساد العقيدة.

ظل دير أبو مقار طوال حياة الأب متى عصيًا على الاستقطاب، وبعد وفاته اتخذت الكنيسة عدة ترتيبات ووضعت حدًا لتمرد الدير ورهبانه، وعملت بقوة على ضمه إلى الكنيسة الأم، لإنهاء هذا الوضع الشاذ من وجهة نظرها، ولجأت للقوة المفرطة والتهديد بتجريد من لا يمتثل للتعليمات الجديدة، وتم تخييرهم بين الطاعة الكلية للبابا شنودة أو الاعتزال.

 لم يكن تواضرس راضيًا عن أبيفانيوس يومًا ما

شهد عام 2009 تعليق أول صورة للبابا الراحل في كناس الدير، بعد أن كان الأب متى المسكين يمنع رفعها، وتعامل الرجل مع الأمر بذكاء شديد، فلم يضع  صورته بدلاً منها حتى تثبت عليه تهمة ضرب الكنيسة من الداخل طمعًا في كرسي الباباوية، ووضع بدلاً منها صورة المسيح باعتباره من وجهة نظر العقيدة المتاوية "الأسقف الكبير ورأس الكنيسة".

لم يعش شنودة كثيرًا بعد وفاة متى، ففي عام 2012 غادر الحياة، وجلس على كرسي الباباوية من خلفه تواضروس الثاني الذي لجأ إلى محاولات متعددة اعتمد فيها على حسه الاجتماعي وقبوله، لاسترضاء رهبان الدير أكثر من مرة، ورغم تحقيقه نجاحًا شكليًا وتعاطف الرهبان بالفعل معه، فإن الانقسامات التي استمرت طيلة كل هذه العقود، جعلت من أفكار "متى المسكين" عقيدة ودين جديد لا يمكن التفريط فيه، وهو ما جعل الدير عصيًا على محاولات استقطابه، وهناك لجأ تواضرس لعمل انتخابات ترشح لها ثلاثة، فاز منهم أبيفانيوس الذي قتل الأسبوع الماضي.  

بحسب التسريبات التي خرجت وقتها من الكنيسة الأم، لم يكن تواضرس راضيًا عن أبيفانيوس، ورغم التربيطات التي عقدت قبل الانتخابات لترسية الأمر على أحد المتفهمين لضرورة عودة الدير لأحضان الكنيسة الأم، فإن أنصار متى المسكين، تدخلوا بقوة وصوتوا لصالح أحد أهم مفكري تلك المدرسة وهو أبيفانيوس، ولم يجد تواضرس مفرًا من تهنتئه وطالبه بالعمل على الفور للم شمل الدير وإنهاء هذه الصراعات العنيفة التي استمرت نحو نصف قرن من الزمان.

وهي النصيحة التي لا يعلم أحد هل استجاب لها أبيفانيوس أم لا، إلا أن  ظهوره في الصورة والصراعات الدائرة حول رغبة الكنيسة في إعادة الدير لسلطتها مرة أخرى، حتى لو بقي التباين في الأفكار كما هو، إلا أن التعصب المتفشي في الدير بين الطرفين لا يراه غالبية من يتابعون الملف القبطي في مصر، بعيدًا عن مقتل أبيفانيوس، خصوصًا أن كل الشواهد وعملية القتل نفسها التي استهدفته هو بشخصه، وليس أحدًا غيره، تؤكد أن الصراعات أعمق مما يتخيلها أحد، فعندما تحدثني عن العقيدة، يعجز الكلام ويصبح كل شيء وكل لغة في إنهاء الخلاف، أمرًا مباحًا وله شرعيته.