ماذا تفعل حكومة تونس بشعب تونس؟ وماذا تفعل نقابة تونس بعمال تونس؟ بل من يحكم تونس فعلاً هذه الأيام الخريفية المضطربة؟ لماذا جعلت النخبة السياسية المواطن يستيقظ صباحًا وهو لا يعرف وجهته ولا مصيره ويطرح مثل هذه الأسئلة مع قهوة الصباح إن وجد ثمنها؟

الصورة النظرية أن هذا بلد غني وله ثروات متنوعة وعدد سكانه تحت السيطرة وموقعه يؤهله للكثير من المكرمات التنموية، وعمليًا البلد يتجه إلى الإفلاس وعملته منهارة وأرقام البطالة فيه مفزعة، ولا أحد يقدم له حلولاً، بل الجميع بلا استثناء (يهبش) من لحمه الحي.

من أين نبدأ في تحميل المسؤوليات؟ بل ما الجدوى أن نحلل أو نتهم أو ننصح؟ لقد جعلت النخبة السياسية كل فعل بلا جدوى، ولكن بكثير من إيمان العجائز نقول لعل في ذلك خير.

اضطراب المنظومة القديمة فأل خير

رمم الرئيس الحاليّ منظومة حكم بن علي بشقيها التجمعي الانتهازي اللصوصي وبشقها اليساري الاستئصالي ووصل بها إلى سدة الرئاسة وكان ذلك محبطًا لكل من شارك في الثورة ودفع إلى التغيير، فقد كانت حركة التفافية بمثابة هجوم غادر أفقد الكثيرين أملهم، ولكن بعد أربع سنوات أثبت الرئيس وكل المنظومة أنهم غير قادرين على الحكم وطبعهم الفاسد غلب تطبعهم الديمقراطي، فانفرط جمعهم وعادوا يتحاربون على المغانم دون كبير يلزمهم بالحفاظ على الوسيلة (الحزب) من أجل الغاية (الوطن).

نعاين فشل المنظومة وعجزها عن تجديد نفسها تجديدًا كافيًا لإدارة البلد، لكننا نعاين أيضًا أن معارضي المنظومة ليسوا إلا نسخًا أخرى منها تعاني من نفس عوائقها ولا تقدم بديلاً حقيقيًا يغري بالاتباع

وحربهم الآن رغم ما تصيب به البلد من إحباط وما تخلقه من أزمات هي عملية فرز تاريخي تؤشر على انتهاء منظومة ومرحلة وأسلوب تفكير وعمل، لكن وجب الحذر هنا، فهذا التحليل يقترب من رغبة شامتة تتمنى أن تسقط المنظومة من تلقاء نفسها وتفسح الطريق لقوى وطنية حقيقية، هذه القوى لا وجود لها وإن زعمت وتكلمت.

نخبة في حالة سقوط حر

نعاين فشل المنظومة وعجزها عن تجديد نفسها تجديدًا كافيًا لإدارة البلد، لكننا نعاين أيضًا أن معارضي المنظومة ليسوا إلا نسخًا أخرى منها تعاني من نفس عوائقها ولا تقدم بديلاً حقيقيًا يغري بالاتباع، لذلك يبدو طبيعيًا أن يتعملق شخص مثل يوسف الشاهد جاء من فراغ الوقت ويطمع في الحكم ويوظف وسائل الحكم نفسها ليتخذها سلمًا لرقيه الشخصي، بل يتحول إلى منقذ من الفشل وهو أحد نتائجه.

هذا مصدر حقيقي للحيرة، يوجد نقد كثير لمنظومة الحكم القائمة بأحزابها وتوافقاتها ولكن كل النقد يقف عند إبراز المثالب، فعندما نقرأ لا نعرف كيف سيدير البقية الشأن الوطني لو كتب لهم إسقاط هذه المنظومة، وسنقدم أمثلة.

تتهم منظومة الحكم بأنها منظومة التفويت في المؤسسات العمومية فهي تنفذ أوامر مؤسسات الإقراض الدولية، لكن هذا الكلام المعارض يتعمد إغفال حالة المؤسسات العمومية المفلسة التي تقوم الحكومات بضخ مال عام فيها لكي تستمر في ضمان رواتب موظفيها، وأبرز مثال على ذلك شركة الطيران الوطنية التي صارت من أسوأ الشركات سمعة في العالم لجهة الخدمات والمواعيد، فمطارات العالم تغلق في وجه طائراتها لفرط اضطراب مواعيد الوصول (فضلاً على أن مطارات تونس صارت معروفة بسرقة حقائب المسافرين).

يتمحور نقد الفشل الحاكم في أنه ينفذ أجندة خارجية اقتصادية وسياسية، وهذا صحيح، لكن الخروج من حالة العجز أمام الإملاءات يمر حتمًا ببناء لحمة وطنية ضدها

هل تقدر المعارضات الحاليّة على معالجة مثل هذه الأمور؟ وما خططها فعلاً لذلك؟ لا نجد بل الجميع يكتفي بتوريط الحكومات في ذلك، لو عددت الأمثلة ما كفتني المساحة، لكن الجامع بين كل معارضة منظومة الحكم أنها تكتفي بذكر النواقص وتورط الحكومات المتتابعة، ولا يجد المتطلع إلى حلول بديلة ولو نظرية لما بعد إسقاط المنظومة الحاليّة.

وهو ما يدفع الكثيرين إلى الرضا بالمقسوم (الحكومات الحاليّة) باعتبارها الحد الأدنى الذي لا بديل له، ولدى كثيرين أن معارضة منظومة الحكم أسوأ منها وأجهل بحال البلد والإدارة، لأنها دأبت على المزايدة ولم تفلح في تجميع قوتها بل هي تعيش من رؤية عيوب الحكومات لا من إنضاج بدائل.

مسألة السيادة الوطنية غير مطروحة لدى الجميع

يتمحور نقد الفشل الحاكم في أنه ينفذ أجندة خارجية اقتصادية وسياسية، وهذا صحيح، لكن الخروج من حالة العجز أمام الإملاءات يمر حتمًا ببناء لحمة وطنية ضدها، لحمة تؤجل الصراعات الداخلية بخصوص مسائل ثانوية أو بالأحرى مسائل داخلية تتعلق بعلاقات التونسيين ببعضهم البعض، إلى حين إعادة التوازن السيادي في مواجهة الإملاء، لكن ماذا يجري في الداخل؟

يستطيب قسم كبير من النخبة السياسية رفض الدول الغربية (خاصة فرنسا) لوجود الإسلام السياسي في السلطة، ونقرأ تناغمًا في التحليل بين مراكز صنع القرار الغربي وقوى محلية لرفض الإسلاميين وطردهم من السلطة، وهذا الموقف تدخل سافر في توجيه العمل السياسي في الداخل الوطني إذ يسقط كل اعتبار لرأي الناخب التونسي الذي يمنح صوته للإسلاميين، فلا بأس عند رافضي الإملاءات الاقتصادية أن يتلقوا إملاءات سياسية.

خطاب مزايدة ليس أكثر ينكشف للناس فتسخر وتفقد الأمل في الصندوق

هنا تنكشف للمواطن نوايا وخطط تدفعه إلى اليأس من خطاب المزايدة بالسيادة إذ يجد أن مسألة السيادة مجزأة عند الكثيرين، فيطرح السؤال كيف ترفض خيارًا اقتصاديًا مملى وتسلم لخيار سياسي مملى عليك يحدد لك من يحكمك رغم نتيجة الصندوق، هنا يفقد الخطاب مصداقيته ويسقط السياسي الكاذب وترتفع مؤشرات اليأس عند المواطن الذي يصوت لحزب فيجد حزبًا آخر في السلطة.

والمثال الصارخ والمثير للشفقة على النخبة هو مثال حزب آفاق تونس الذي شارك في حكومات بخمس وزراء وليس لديه إلا أربع نواب في البرلمان في حين شارك حزب النهضة بوزيرين وله 70 نائبًا، لماذا حصل ذلك؟ لأن فرنسا بكل بساطة ووضوح وقح تملي على تونس من يحكمها.

أين مسألة السيادة الوطنية؟ خطاب مزايدة ليس أكثر ينكشف للناس فتسخر وتفقد الأمل في الصندوق، هل يمكن مواجهة التفويت الاقتصادي بالقبول والرضا بالتفويت السياسي لا أظن هذا إلا من قبيل النفاق الذي يطبع عمل النخبة التونسية.

فرنسا تقطع علينا العلف

دردشات كثيرة في السياسة مع نخب مختلفة المشارب تنتهي إلى خلاصة مثيرة للشفقة (لو كان يحكموا الخوانجية فرنسا تقطع علينا العلف) و(لا يهم تشبيه الشعب بالحيوان آكل العلف هنا)، إذًا ماذا نفعل بالإسلاميين (دعنا من السؤال لماذا ترفض فرنسا الإسلاميين).

هناك نوع من التسليم بأن ليس للإسلاميين الحق في الحكم بقطع النظر عن حجمهم أو أفكارهم أو قبول فئات واسعة من الناس بهم، فرأي فرنسا مقدم على رأي الشعب، علمًا أن هذا الخطاب (التسليم) يصدر عن كثيرين ممن ينتقدون حرية الحركة التي يتخذها السفير الفرنسي في تونس ويرون فيها مساسًا بالسيادة الوطنية.

حيرة الشعب في عمقها متأتية من مثل هذه التحليلات التي تنتج سياسات ترضية الخارج قبل الداخل

هذا الخطاب يشعر المواطن المهتم بأن فرنسا تمسك السماء أن تقع فوق رؤوس التونسيين، بل يقنعه أن فرنسا ستعاقبه بالتجويع إن صوت للإسلاميين، بل يذهب البعض إلى أن الإرهاب في تونس فعل فرنسي منظم، لكي يسقط حكم الإسلاميين ولكن عوض أن ينتج خطاب سيادة في وجهها ينحني ويسلم لها بحق اختيار من يحكم ولو باستعمال الإرهاب.

تتوالد من هذا أسئلة كثيرة عن حرية تغيير الأحلاف الاقتصادية في عالم متعدد الأقطاب وتطرح أسئلة عن السيادة على الثروات الوطنية لكن عوض بناء اتحاد وطني بشأن السيادة تسمع من يقول متعالمًا سيسقط يوسف الشاهد لأنه ذهب إلى الصين دون رضى فرنسا بل ضد مصالحها في تونس (هذه آخر الأمثلة التي تسود خطاب الشبكة الآن وهي أوسع من رفض الإسلاميين).

حيرة الشعب في عمقها متأتية من مثل هذه التحليلات التي تنتج سياسات ترضية الخارج قبل الداخل ولذلك توغل في خطاب السيادة الوطنية وتوغل بالتوازي في فعل التبعية كما لو أنها مكلفة بإخضاع البلد لا بإنقاذه، لا تخرج سياسات النقابة عن هذا السياق.

الجميع يراها تخرب الدولة باسم السيادة ويقول لمصلحة من يجري كل هذا؟ وسأتوقف عن آخر انجازاتها، لقد دفعت النقابة إلى إغلاق معمل بسكويت به أكثر من 450 عاملاً، وتبين بعد الغلق أن المستثمر هندي، الآن يمكن لشركات التوريد أن تملأ السوق بالبسكويت الفرنسي فلا منافس محلي له.

الشعب (الغبي) يضحك عندما يحدثه نقابي تونسي عن السيادة الوطنية وتلك الضحكة هي المؤشر الأجمل عن وعي ينضج بهدوء قد يكون نهاية لحيرة دامت طويلاً.