أحداث متشابكة ومعقدة، تلك التي يشهدها العراق على الصعيدين السياسي والأمني، فبعد نحو شهرين على بدء المظاهرات الشعبية المطالبة بتوفير فرص العمل والخدمات في محافظة البصرة أقصى جنوب العراق، تطورت مطالب المتظاهرين وشعاراتهم لتشمل التنديد بمختلف الأحزاب الحاكمة في البلاد وإحراق مقرات هذه الأحزاب، إضافة إلى تطور غاية في الأهمية يتمثل في اقتحام مقر القنصلية الإيرانية وإحراقها.

هذه الأحداث مجتمعة تطرح عدة تساؤلات عن مآلات هذه المظاهرات والسيناريوهات المحتملة التي قد تشهدها البلاد في ظل وضع سياسي معقد، تملك غالبية الأحزاب المشتركة في تأزيمه السلاح، الأسطر التالية تناقش السيناريوهات المحتملة للبصرة وأزمتها.

هل تتجه البصرة لمزيد من التصعيد؟

أثارت أحداث الأيام الثلاث الماضية في البصرة، تساؤلات عن عفوية المظاهرات وتوجهاتها، وما يثير الاستغراب في مظاهرات البصرة أنها وحتى كتابة هذه الكلمات، لم يستطع أحد التأشير إلى قادة المظاهرات أو محركيها، ما يجعل من الصعوبة بمكان إمكانية السيطرة عليها أو التفاوض مع المتظاهرين بشأن مطالبهم، الأمر الآخر الملفت في هذه المظاهرات أنها لم تخب أو تقل حدتها مع مرور الأيام، إذ إن كثيرًا من المراقبين أشاروا في بداية المظاهرات في يوليو/تموز الماضي إلى أن هذه المظاهرات كسابقاتها، لن تستمر سوى أسابيع قليلة، إلا أن الأيام كشفت أنها مختلفة تمامًا.

 الحيالي: "المقارنة بين وضع الموصل 2014 ووضع البصرة 2018 صحيح، على جميع المستويات إلا فيما يخص غياب داعش في مظاهرات الجنوب"

تعيد الأحداث التي تمر بها محافظة البصرة، وبدرجة أقل محافظات الوسط والجنوب، إلى الذاكرة ما شهده العراق عام 2014، عندما احتل تنظيم الدولة "داعش" مدن الموصل وصلاح الدين وغيرها على حين غفلة، ففي كلتا الحالتين كانت هناك مظاهرات مطالبة بتوفير الخدمات وفرص العمل، وكلتا الحالتين أتهمت بالبعثية والمؤامرة، والأهم من ذلك كله أن المظاهرات في الحالتين أعقبت انتخابات برلمانية مثيرة للجدل، وفي وقت تسعى كل الأطراف فيه إلى تشكيل الكتلة الأكبر والظفر بمنصب رئيس الوزراء.

يقول الصحفي رغيد الحيالي في حديثه لـ"نون بوست": "المقارنة بين وضع الموصل 2014 ووضع البصرة 2018 صحيح، على جميع المستويات إلا فيما يخص غياب داعش في مظاهرات الجنوب"، الحيالي أشار إلى أن هذه المظاهرات الشعبية التي لا يعرف أحد من يقودها، تأتي لتسليط مزيد من الضغوط على الكتل السياسية في خضم تشكيل الكتلة الأكبر المفضية إلى اختيار رئيس الوزراء.

وأوضح الحيالي أن البصرة ومع غياب تنظيمات تكفيرية كداعش وأخواتها، فإنها لن تشهد وضعًا شبيهًا مطابقًا للموصل، خاصة أن حدود الدول المجاورة للمدينة هادئة، إلا أنه وبحسب الحيالي فإن المدينة قد تخرج عن السيطرة لأيام أو أسابيع في حال إصرار القوات الأمنية على استخدام القوة، الأمر الذي قد يجر مزيدًا من العنف، خاصة إذا قررت العشائر الدخول على خط الأزمة، وهنا ستتعقد الأمور وقد تطلب الحكومة من البرلمان الجديد فرض حالة الطوارئ في البلاد، بحسبه.

هل تهدأ مظاهرات الجنوب بتشكيل الحكومة المقبلة؟

سيناريوهات عديدة تطرح على الساحة العراقية في محاولة لتفسير ما يحدث في البصرة، ومن بين تلك السيناريوهات، أن الولايات المتحدة تحاول من خلال هذه المظاهرات الضغط باتجاه تشكيل حكومة موالية لها وبعيدة عن التأثير الإيراني قد الإمكان.

يعد كثير من المراقبين حرق القنصلية الإيرانية في البصرة، رسالة تحذير أمريكية صريحة إلى إيران، عن وجود رفض شعبي عراقي كبير للنفوذ الإيراني

يرى المحلل السياسي وائل الركابي أن أحداث البصرة تقف وراءها شخصيات غربية وسفارات، الركابي أضاف أن تظاهرات البصرة ورغم أحقية أهلها بالتظاهر السلمي نتيجة تجاهل الحكومة تنفيذ وعودها لهم، إلا أن هذا لا يلغي تخطيط السفارات المعادية للعراق لا سيما السفارة الأمريكية باستغلال تلك المظاهرات في محاولة للتصعيد، بحسبه.

وأوضح الركابي أن تشكيل الحكومة عندما لا يكون متفقًا مع الرغبة الأمريكية، فإن الأمريكيين يحاولون خلق أزمة مفتعلة قد تتشابه مع سابقاتها أو تختلف، إلا أنها لا تخرج عن هدف واحد وهو توجيه الأحداث إلى تحقيق ما يرمون إليه، بحسبه.

ويعد كثير من المراقبين حرق القنصلية الإيرانية في البصرة، رسالة تحذير أمريكية صريحة إلى إيران، عن وجود رفض شعبي عراقي كبير للنفوذ الإيراني، وإمكانية دعم هذا التوجه الرافض لإيران بغية الوصول إلى نقطة الصدام المسلح مع الميليشيات العسكرية التي ترعاها وتمولها طهران.

تشكيل الحكومة وارتباطها بأزمة البصرة

ينتظر ساسة بغداد قرار المحكمة الاتحادية الذي سيبت في أحقية الكتلة السياسية التي ستشكل الكتلة البرلمانية الأكبر، إذ إن جميع المحاولات في تشكيل الكتلة الأكبر باءت بالفشل حتى اللحظة ما استدعى الطلب من المحكمة الاتحادية البت في القضية.

قرار المحكمة الاتحادية المنتظر قد يطول، وفقًا لمعيطات الساحة السياسية في البلاد وامتلاك جميع الأطراف وسائل ضغط كبيرة في سبيل استخراج قرار لصالحها، إضافة إلى سعي كل من الولايات المتحدة وإيران لكسب الجولة القادمة من معركة تشكيل الحكومة.

يترقب العراقيون مظاهرات البصرة وتشكيل الحكومة وارتباط الملفين ببعضهما، وكلهم أمل أن لا تنسحب الخلافات السياسية على الوضع الأمني للبلاد

وفي هذا الصدد، يقول أستاذ العلوم السياسية عادل صديق في حديثه لـ"نون بوست" إن الأسابيع القادمة في العراق ستكون حاسمة، فيما يخص استقرار الأوضاع أمنيًا أو انزلاق البلاد نحو مستنقع آخر.

صدّيق أشار إلى أن جميع الكتل السياسية المتنافسة تستغل أزمة البصرة، وظهر سياسيون يطالبون العبادي علنًا بالتنحي، هذا المطلب - وفقًا لصديق - في حال عدم تحققه واشتداد الأزمة السياسية في الخضراء، فإنه قد يجر جميع الأطرف إلى استخدام السلاح، وإن حصل ذلك، فإن الوضع سيخرج عن السيطرة في غالبية محافظات العراق وليس في البصرة فقط، بحسبه.

يترقب العراقيون مظاهرات البصرة وتشكيل الحكومة وارتباط الملفين ببعضهما، وكلهم أمل أن لا تنسحب الخلافات السياسية على الوضع الأمني للبلاد التي لم تتعاف بعد من تأثيرات السنوات الأربعة الماضية.