بعد ظهر الأحد 9 من سبتمبر/ أيلول الحاليّ تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي في السودان خبرًا مفاجئًا عن تعديل حكومي وشيك يجريه الرئيس عمر البشير وتواترت الأنباء عن إعادة النائب الأول السابق علي عثمان طه ليقود الحكومة من موقعه الجديد رئيسًا للوزراء، ومع مضي الوقت وانتصاف ليلة الإثنين نقلت وسائل إعلام رسمية أن البشير عيّن مساعده عوض أحمد الجاز في منصب رئيس الوزراء.

إلا أن البيان الرسمي الصادر عن الرئاسة فجرًا بجانب التصريحات الذي أصدرها نائب رئيس الحزب الحاكم فيصل حسن فجرا المزيد من الدهشة بإعلان ترقية وزير الكهرباء معتز موسى إلى منصب رئيس الوزراء والإبقاء على الجنرال بكري حسن صالح نائبًا أول للرئيس بينما تم تعيين والي شمال دارفور السابق نائبًا آخر لعمر البشير.

المفاجآت لم تنته عند هذا الحد، ففي وقتٍ مبكر من ليلة الإثنين الساخنة، تم إعلان حل الحكومة التي تعرف بحكومة "الحوار الوطني" نسبة لتشكيلها العام الماضي بعد جلسات حوار مع عدد من قوى المعارضة استمر قرابة 3 سنوات، كما أجاز المكتب القيادي للحزب الحاكم خلال اجتماعه المطول تعديلًا يقضي بخفض الوزارات الاتحادية من 31 إلى 21 وزارة وخفض مناصب وزراء الدولة بنسبة 50%، فضلاً عن تقليص الوزارات في الولايات من ثماني وزارات إلى خمس فقط، مع إلغاء مناصب المستشارين ومعتمدي الرئاسة في الولايات، إضافة إلى العمل على تخفيض عدد المحليات بعد أن كانت 189 محلية.

من رئيس الوزراء السوداني الجديد؟ 

معتز موسى عبد الله سالم، تجمعه صلة قرابة مع الرئيس البشير، تخرّج في كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بجامعة الخرطوم عام 1989، أي مع استيلاء عمر البشير على السلطة، وحصل على الماجستير في الدراسات الإستراتيجية، ثم نال درجة الماجستير في العلوم السياسية بوقتٍ لاحق.

بدأ موسى حياته العملية في أروقة الحزب بعد تخرجه مباشرة، لكنه شقّ الطريق إلى وزارة الخارجية بعد سنواتٍ قليلة حيث عمل دبلوماسيًا برئاسة الوزارة من العام 1992 وحتى 1994، ليترقى بعد ذلك إلى منصب القنصل في سفارة السودان بجمهورية ألمانيا وهو المنصب الذي استمر فيه حتى 1998. 

فور انتهاء خدمته الدبلوماسية في ألمانيا رجع معتز موسى إلى السودان ليفارق الخارجية ويعود إلى المناصب القريبة من مؤسسات الحزب الحاكم، فقد أسس المركز القومي للإنتاج الإعلامي، وهو مركز معروف بأنه أحد واجهات المؤتمر الوطني القوية إذ كان يصدر الأفلام الوثائقية عن حرب الجنوب وصدرت عن المركز آنذاك العديد من الصحف الناطق باسم الحزب والحركة الإسلامية منها صحيفة "المسيرة" التي رأست تحريرها سفيرة السودان الحاليّة بتايلاند سناء حمد، كما عمل معتز موسى بوحدة تنفيذ السدود التي أنشأها الحزب الحاكم لتشرف على ملف السدود والخزانات القديمة والجديدة على حدٍ سواء، عمل بها مديرًا لإدارة المشروعات بترشيح من وزير السدود والكهرباء السابق أسامة عبد الله الذي كان يتمتع بنفوذ قوي داخل الحزب الحاكم. 

لم يمكث معتز في إدارة المشروعات سوى فترة قصيرة، فقد ترقى فورًا إلى منصب الوزير مباشرة منذ العام 2013 وهو المنصب الذي ظل عليه حتى فجر الإثنين ليصبح رئيسًا للوزراء بموجب القرار الجمهوري.

لماذا حكومة جديدة بعد عام واحد من التشكيل الوزاري السابق؟

لم يمضِ سوى عام وأربعة أشهر من تشكيل حكومة رئيس الوزراء السابق بكري حسن صالح التي أعلنت بعد اتفاق مع بعض الأحزاب المعارضة، ولكن حكومة الحوار الوطني تسببت في خيبة أمل كبيرة للسودانيين الذين كانوا يتوقعون أن تؤدي إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي.

فقد جاءت التشكيلة السابقة "مترهلة" على غير المتوقع فضمّت نحو 77 وزيرًا على مستوى المركز إلى جانب عدد من مساعدي ومستشاري الرئيس هذا بخلاف حكومات الولايات التي تضم مئات الوزراء والمحافظين وغيرهم، كان هدف الحزب الحاكم من تلك التشكيلة الغريبة إرضاء الأحزاب المتحالفة معه ومنح منسوبيها أكبر حصة ممكنة من الوظائف الدستورية!

كذلك لا ننسى أن البشير أجرى تعديلًا وزاريًا قبل فترة 4 أشهر فقط أسند بموجبه حقيبة الخارجية للدرديري محمد أحمد وأعاد إبراهيم محمود حامد إلى الداخلية، بينما ذهبت وزارة النفط إلى أزهري عبد الله، وجاءت تعديلات مايو/أيار الماضي في أعقاب إقالة البشير لوزير الخارجية السابق إبراهيم غندور إثر تصريحات لافتة للأخير اشتكى فيها من أن الدبلوماسيين لم يتقاضوا رواتبهم لأشهر.

يعد البشير إلى التسويق لنفسه كمصلح وقائد للتغيير وتخفيض حجم الدستوريين الذين كانت أعدادهم الهائلة تثير سخطًا متعاظمًا لدى السودانيين؛ مما قد يساهم في تحسين صورته الذهنية عند الشعب

ويمكننا أن نحصر أبرز الأسباب التي أدت إلى إقالة الحكومة السودانية وتشكيل حكومة جديدة ثالث مرة في أقل من عامين فيما يلي:

1- الضائقة الاقتصادية ومحاولة امتصاص غضب المواطنين: اعترف البشير في خطاب متلفز بعد ظهر الإثنين 10 من سبتمبر/أيلول ـ لأول مرة ـ بأنه لا داعٍ لحكومة مترهلة، مضيفًا إنه يعكف حاليًّا على وضع وتنفيذ برنامج إسعافي عاجل لرفع مستوى الاقتصادي الكلي وتحسين معاش المواطنين.

2- تتداول مجالس المدينة بأن البشير خشي من بعض الوجوه الموجودة داخل الحكومة السابقة وأنه لم يكن مرتاحًا لبقاء بعض الوزراء الذين يراهم عائقًا أمام إكمال مطلوبات ترشحه لانتخابات عام 2020، وقد بدأ هذا المشوار في فترات ماضية بإزاحة نائبه الأول السابق علي عثمان طه ونائب رئيس الحزب نافع علي نافع عام 2013، ثم استكمل المشروع بإبعاد وزير الخارجية السابق إبراهيم غندور مطلع العام الحاليّ.

3- مكافأة الذين دعموا ويدعمون فكرة ترشحه للانتخابات القادمة مثل والي شمال دارفور السابق عثمان يوسف كبر مهما كان رأي الناس فيهم، فالأخير ظهرت في عهده بشمال دارفور مشكلة "سوق المواسير" المشهورة، وتفشّت المضاربات والمعاملات الربوية، ما أدى إلى تضرر آلاف المواطنين وتعطل حركة البيع في بعض الأسواق.

4- يعد البشير إلى التسويق لنفسه كمصلح وقائد للتغيير وتخفيض حجم الدستوريين الذين كانت أعدادهم الهائلة تثير سخطًا متعاظمًا لدى السودانيين؛ مما قد يساهم في تحسين صورته الذهنية عند الشعب.

5- عدد من الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي فسروا خطوة حل الحكومة وتقليصها بأنها جاءت تجاوبًا مع هجوم الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي علي الحاج الذي تكرر كثيرًا ووصل مرحلة هدد فيها الحزب الحاكم بقرب السقوط إذا لم يتجاوب مع مطالب الإصلاح ومحاربة الفساد.

فرص نجاح الحكومة الجديدة 

حتى الآن لم يتم تشكيل الحكومة الجديدة التي كُلف بترشحيها رئيس الوزراء معتز موسى بعد التشاور مع أحزاب الحوار الوطني ورئيس الجمهورية، ولكن تم استثناء 3 وزراء بالبقاء في مناصبهم وهم وزير الخارجية الدرديري محمد أحمد ووزير الدفاع عوض أبنعوف ووزير رئاسة الجمهورية فضل عبد الله.

ولمعرفة التأثير المتوقع من تقليص الوزارات ودمجها، استطلع "نون بوست" رأي الخبير الاقتصادي أحمد سالم، الذي رهن "استفادة الدولة والمواطنين من هذه الإجراءات بتطبيق سياسات اقتصادية قوية تؤدي إلى إصلاح في الجهاز المصرفي وأوليات الصرف وتجويد الأداء الحكومي التنفيذي وضبط العمليات الإيرادية وتطوير أجهزتها ثم توجيه ذلك المال الذي تم توفيره من خفض الجهاز الحكومي إلى الإنتاج ومشروعات التنمية".

واعتبر سالم أنه "لن يكون لهذا التخفيض آثار اقتصادية إذا لم يتم محاربة الفساد والتضييق على الفاسدين واسترجاع الأموال المنهوبة"، مشيرًا في مقابلته مع "نون بوست" إلى أهمية اختيار شخصيات لها قدرات وخبرات عملية طويلة وممتازة وهنا لا تنفع المجاملة ولا الجهوية والمحسوبية".

ومن متابعتنا لتفاعلات نشطاء التواصل الاجتماعي في السودان مع الحدث اتضح لنا أن الغالبية العظمى لم تهتم كثيرًا لحل الحكومة ولا لإعلان تقليص ودمج الوزارات مما يعني وجود إحباط عام من كثرة الوعود الحكومية واتجاه الأوضاع إلى الأسوأ في كل مرة يعد فيها الرئيس البشير ووزراؤه المواطنين بالرخاء وتحسن الأوضاع الاقتصادية.

وبموازاة ذلك أبدى عدد من المراقبين تفاؤلًا حذرًا بإسناد رئاسة الحكومة إلى معتز موسى الذي يصفه زملاؤه بالنزاهة وعدم التورط في شبهات فساد مثل العديد من المسؤولين الحكوميين في السودان، ويقولون إنه "رجل قليل الكلام كثير الإنجاز".

بشكلٍ عام يعد قرار حل الحكومة المترهلة والوعد بتقليصها أمرًا إيجابيًا رغم أن عدد الـ21 وزيرًا لا يزال كبيرًا بالمقارنة مع الاحتياج الفعلي لأعداد الوزراء إلى جانب العشرات من وزراء الدولة

ونرى أن مهمة معتز لن تكون سهلة إلا إذا مُنح صلاحيات كافية، فالدستور الحاليّ لم يعط رئيس الوزراء سلطة حقيقية من السلطات التي تتركز في يد رئيس الجمهورية وأبسطها تعيين وإعفاء الوزراء والهيئات الحكومية الكبرى، إلى جانب صلاحيات أخرى شبه مطلقة في أيدي ولاة الولايات ومعتمدي المحليات حيث تكون سلطة رئيس الوزراء عليهم إشرافية غالبًا.

كما تعتمد مهمة موسى بقدرٍ كبيرٍ على الطاقم الذي يختاره بالتشاور مع الرئيس وقادة الأحزاب المشاركة في عملية الحوار مع ملاحظة أن العمر الافتراضي للحكومة الجديدة لن يكون أكثر من عام ونصف كحدٍ أقصى. 

وبشكلٍ عام يعد قرار حل الحكومة المترهلة والوعد بتقليصها أمرًا إيجابيًا رغم أن عدد الـ21 وزيرًا لا يزال كبيرًا بالمقارنة مع الاحتياج الفعلي لأعداد الوزراء إلى جانب العشرات من وزراء الدولة، ووظيفة وزير الدولة في الأساس بدعة من بدع حكومة الإنقاذ جاءت بها في التسعينيات لترضية كوادرها و"المؤلفة قلوبهم" من الشركاء.

رسائل للخارج من تكليف معتز موسى برئاسة الحكومة

عند تحليل خطاب الرئيس عمر البشير الذي ألقاه في أغسطس/آب الماضي وفاجأ فيه الكل بقوله: "نحن حركة إسلامية كاملة الدسم"، نرى أن البشير استعان فعلًا بأحد كوادر الحركة الإسلامية المخلصين ليكون رئيسًا للحكومة الجديدة، فموسى كما ذكرنا أعلاه تدرج في عدة مناصب تنظيمية بالحزب الحاكم وكان أحد المقاتلين الذين شاركوا في حرب جنوب السودان "تسعينيات القرن الماضي" قبل توقيع اتفاق السلام ومن ثم انفصال الجنوب في 2011.

بالطبع ستصل الرسالة بتعيين الرئيس السوداني كادر إسلامي من جيل الشباب إلى السعودية والإمارات اللتين تشنان حملة شعواء ضد كل من ينتسب أو يقرب الإخوان المسلمين مما قد يؤدي إلى توتر علاقات البشير مع الرياض وأبو ظبي

كما يعرف عن رئيس الحكومة الجديد بأنه صاحب مواقف قوية من قضية سد النهضة الإثيوبي، حيث ساهم في إقناع الرئيس بفوائد المشروع على السودان حتى دفع الأخير إلى اتخاذ قرار بالوقوف إلى جانب إثيوبيا في السد، وشكّل معتز موسى ثنائية قوية مع نظيره الإثيوبي سيلشي بيكيلي ووزير خارجية إثيوبيا ورقينيه قبيو؛ لذلك من المؤكد أن تعيينه في منصب رئيس الوزراء سيشكل قلقًا لدى الجارة مصر، خاصة أن الرجل سبق أن رد بصورة قوية في مقابلة تليفزيونية مع الإعلامية المقربة من نظام عبد الفتاح السيسي لميس الحديدي قبل عدة أعوام.

وبالطبع ستصل الرسالة بتعيين الرئيس السوداني كادر إسلامي من جيل الشباب إلى السعودية والإمارات اللتين تشنان حملة شعواء ضد كل من ينتسب أو يقرب الإخوان المسلمين مما قد يؤدي إلى توتر علاقات البشير مع الرياض وأبو ظبي، كما ستكون الرسالة مختلفة للمحور الآخر خصوصًا أن معتز موسى من الداعمين بشدة للتقارب مع قطر وتركيا، ونلفت هنا إلى أن الدوحة سارعت والتقطت رسالة البشير حيث كان رئيس الوزراء القطري الشيخ عبد الله بن ناصر آل ثاني أول المهنئين لرئيس الوزراء السوداني الجديد بمنصبه.