تأسست مدينة البصرة سنة 14هجريًا على يد القائد عتبة بن غزوان بأمر من الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وكانت أولى المدن التي بناها المسلمون خارج الجزيرة العربية وأول الأمصار، وتعتبر موطن مدرسة النحو مع شقيقتها الكوفة حتى قيل قديمًا: "حيثما وجد اختلاف بين البصريين والكوفيين، مذهب البصريين أصح من جهة اللفظ ومذهب الكوفيين أصح من جهة المعنى"، وقد توالت التوسعات فيها وصولًا للعهد العباسي الذي حول المدينة لحاضرة كبيرة واستمرت كذلك حتى يومنا الحاليّ، فهي ثالث حواضر العراق بعد بغداد والموصل.

تحوز البصرة الأهمية التاريخية نتيجة وقوعها على رأس الخليج العربي وكونها الممر البحري الوحيد للعراق، إضافة لكونها ملتقى دجلة والفرات المكونين لشط العرب الخزان المائي التاريخي لمدينة البصرة وبساتين النخيل فيها.

مع ظهور الصراع العثماني الصفوي كانت البصرة إحدى المدن التي وقعت ضحية ذلك الصراع، حيث ظهر أول ترسيم حدود بين الدولتين في منتصف القرن الـ16 وورثت الدول الحديثة ذلك الصراع الحدودي والمائي لتصل لكارثة المياه الحاليّة نتيجة لقطع إيران مياه نهر الكارون عن شط العرب.


خريط توضح شط العرب

معاهدة أرضروم الثانية 1847 أول التنازلات (شرق شط العرب والملاحة فيه مقابل السليمانية)

على الرغم من أن أول معاهدة بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية بشأن ترسيم الحدود كانت معاهدة "قصر شيرين 1639" التي نصت على إبقاء بغداد والبصرة تحت الحكم العثماني، ورغم عدم ذكر شط العرب لكن مفهوم ضمنيًا التبعية البصرة، وبقي الوضع على ما هو عليه بحكم شط العرب كاملًا بملحقاته عن طريق والي البصرة التابع للدولة العثمانية، لكن الوضع تغير خلال معاهدة أرضروم الثانية 1847 عن طريق التنازل عن الأراضي شرق شط العرب وأحقية الملاحة للإيرانيين مقابل تنازل إيران عن مطالبتها بالسليمانية والأراضي التابعة لها.

دخلت إيران المتمثلة بالحكومة القاجارية سابقًا على خط التدخل بشط العرب وفقًا لمعاهد المياه الخاصة به الأراضي التابعة له والملاحة فيه

حيث نصت المادة 2 في المعاهدة "الحكومة العثمانية تعهدت رسميًا أن تتنازل عن مدينة وميناء المحمرة وجزيرة عبدان ومرفأ جزيرة عبدان، وكذلك الأراضي التي هي على يسار (شرق) ضفة شط العرب، التي تحت ملكية العشائر المعترف بأنهم تابعين أو خاضعين لإيران، السفن الإيرانية لها الحق في الملاحة في شط العرب من البحر ولغاية الحدود التي تلتقي معًا لكلا الطرفين، وفي المقابل فإن الحكومة الإيرانية تنازلت عن كل ادعاء أو مطالبة بإقليم ومدينة السليمانية".

وبذلك دخلت إيران المتمثلة بالحكومة القاجارية سابقًا على خط التدخل بشط العرب وفقًا لمعاهد المياه الخاصة به الأراضي التابعة له والملاحة فيه، ورغم أن اللجنة المنبثقة من المعاهدة لم تنجز عملها إلى سنة 1914، يمكن القول إن معاهدة أرضروم من أدخلت الإيرانيين في شط العرب أول مرة، وقضمت أراضي وحقوق للبصرة شرق شط العرب.

معاهدة 1937 قربانًا للنفط والمصالح البريطانية

بعد اكتشاف النفط تعاظمت الأهمية التاريخية لشط العرب والمناطق المحيطة به، لتحقيق الأهداف البريطانية تم الضغط على الحكومة العراقية التي كانت تحت الانتداب البريطاني للموافقة على منح نحو 7 كيلومترات من الأراضي شرق شط العرب وحقوق ملاحية، لتتمكن بريطانيا من تحقيق تدفق النفط من إيران والعراق بالانسيابية التي تحتاج.

 قدم صدام حسين الذي كان نائب لرئيس الجمهورية تنازلاً لم تكن تحلم به إيران بعد توقيع اتفاقية تقضي بمنح نصف شط العرب للجانب الإيراني مقابل وقف نظام الشاه دعمه لحركة أكراد العراق

هذه التضحية العراقية ورغم ما فيها من خسارة دون مقابل لم ترق للحكام في إيران، فتم الإعلان من طرف إيران سنة 1969 بالتخلي عن معاهدة 1937 ونقضها من طرف واحد، الأمر الذي استغل فيه الإيرانيون واقع الدولة العراقية الهشة وكثرة التقلبات الحاصلة في السلطة لفرض واقع جديد في شط العرب.


اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران عام 1975

معاهدة الجزائر 1975 نصف رئة البصرة ثمنًا لوقف دعم الأكراد

بعد سنوات من المناوشات العراقية الإيرانية وسنوات حوار، قدم صدام حسين الذي كان نائب لرئيس الجمهورية تنازلاً لم تكن تحلم به إيران بعد توقيع اتفاقية تقضي بمنح نصف شط العرب للجانب الإيراني مقابل وقف نظام الشاه دعمه لحركة أكراد العراق التي يقودها مصطفى البرزاني في الشمال العراقي.

وتم توقيع الاتفاقية في العاصمة الجزائرية بحضور الرئيس الجزائري هواري بومدين ونائب الرئيس العراقي صدام حسين والرئيس الإيراني محمد رضا بهلوي في 6 من مارس/آذار 1975.

وفق اتفاقية ترسيم الحدود قدم المالكي عام 2012 تنازلًا للكويت عن حق العراق في الممر المائي وأقر الاتفاقية البرلمان العراقي عام 2013

ورغم أن صدام حسين مزق وثيقة المعاهدة عام 1980 معلنًا عدم الاعتراف بها، لكنه عاد للاعتراف بها عام 1990 إبان غزو الكويت خوفًا من فتح إيران جبهة شرقية عليه بينما هو يقاتل بالجنوب، الأمر الذي أضاع نصف رئة البصرة.

اتفاقية خور عبد الله تنازل مقابل الفساد

يعتبر خور عبد الله ممرًا مائيًا يقع بين جزيرتي بوبيان ووربة الكويتيتان وشبه جزيرة الفاو العراقية، ويمتد خور عبد الله إلى داخل الأراضي العراقية مشكلًا خور الزبير الذي يقع به ميناء أم قصر العراقي، ووفق اتفاقية ترسيم الحدود قدم المالكي عام 2012 تنازلًا للكويت عن حق العراق في الممر المائي وأقر الاتفاقية البرلمان العراقي عام 2013.

احتجاجات عراقية ضد التنازل عن خور عبد الله

ثم تم تطبيق الاتفاقية في عهد حكومة العبادي التي أكملت المشوار في التنازل عن حق عراقي أصيل، فالعراق من قام بحفر وتحويل الخور لقناة ملاحية، حيث كانت جزيرة بوبيان عراقية قبل أن تتحول للكويت في تسعينيات القرن الماضي، للأسف ضعف حكام بغداد والمصالح الضيقة يعيدنا للمشهد المتكرر ذاته، لعل اتفاقية خور عبد الله وعدم إنجاز الجانب العراقي لميناء الفاو الكبير، الأمر الذي خنق شباب البصرة اقتصاديًا بعد أن كان الميناء يمكن أن يكون أحد الحلول المهمة في أزمة البطالة في البصرة التي يتظاهر شبابها اليوم طلبًا لحقوقهم ومنها حق العمل.

احتجاجات ثغر العراق الباسم خرجت بحق الماء الذي تم التفريط به بشكل انحداري منذ أكثر من قرن من الزمان

يقاتل العراقي منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة للحفاظ على أرضه ومكتسباته، وقدم التضحيات فيها وصلت لمليونية شهداء في ثمانينيات القرن الماضي، لكن في كل مرة يتكرر المشهد في ضياع الحقوق يكون من الداخل بدل الخارج، ويقدم الحكام التنازلات على حساب الشعب العراقي لأسباب متعددة لكن في مجملها هي الحفاظ على كراسي الحكم.

هذه المفاضلة التي يختار حكام العراق في عصور مختلفة فيها الكرسي على حقوق البلد والشعب جعلتنا اليوم نواجه احتجاجات ثغر العراق الباسم الذي خرج للمطالبة بحق الماء الذي تم التفريط به بشكل انحداري منذ أكثر من قرن من الزمان، فمتى نشهد حكومة عراقية تقبل أن تضحي بكراسي الحكم للحفاظ على أرض العراق ومكتسباته؟