ترجمة وتحرير: نون بوست

زادت تركيا من حجم المساعدات العسكرية التي تقدمها لمقاتلي المعارضة السورية، لردع الهجوم الوشيك الذي يمكن أن تشنه قوات الأسد في محافظة إدلب، وهي خطوة من المتوقع أن تزيد من حدة التوتر بين أنقرة وموسكو. وقد نقلت وكالة "رويترز" للأنباء، وهي أول من نشر تقارير عن هذه المسألة، عن مسؤول عسكري رفيع المستوى من الجيش السوري الحر أن تركيا وعدتهم "بتقديم الدعم العسكري الكامل طيلة المعركة". وتتضمن الأسلحة التي تزود بها تركيا المعارضة السورية قاذفات صواريخ من نوع "غراد". ومن جهتهم، لم يدل المسؤولون الأتراك بأي تصريح حيال هذه المزاعم.  

بموجب الاتفاق الذي عقد مع الغرب، الذي يتابع الصراع السوري منذ سبع سنوات، فإن هدف أنقرة لا يتمثل في افتعال معركة جديدة في الصفوف الخلفية انطلاقا من حدودها حول المعقل الأخير للمعارضة السورية، وإنما بإيهام نظام الأسد بأنها جاهزة لفعل ذلك لثنيه عن شن هجوم على إدلب. وحسب مصدر لم يرد الكشف عن هويته، فإن "الأتراك يريدون إحراج نظام الأسد".

حذر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، من حدوث حمام دم إذا تم تجاهل نداءاته بنيل المزيد من الوقت في المنطقة

في المقابل، يتعارض هذا التقرير مع تعليقات المبعوث الروسي الخاص ألكسندر لافرينتيف، الذي يشارك في محادثات جنيف مع المبعوث الأممي إلى سوريا ستافان دي ميستورا. وبعد الاجتماع، أخبر لافرينتيف مراسلنا أنه: "نحن نقول إن الوضعية في إدلب يجب أن تستقر ومن المستحسن أن يتم ذلك بطريقة سلمية، ومن الممكن أن نتفادى القوة العسكرية". ولكن هذه التصريحات تحيل إلى تخمينات تفيد بأن روسيا عقدت اتفاقا مع تركيا يسمح لأنقرة بالبقاء لمدة أطول في المنطقة لإقناع أكبر عدد ممكن من المقاتلين بالانشقاق عن هيئة تحرير الشام التابعة للقاعدة، وهي القوة المهيمنة في إدلب.

في سياق متصل، أشار لافرينتيف إلى أنه من وجهة نظر موسكو فإن الكرة الآن في ملعب تركيا، حيث قال إن "محافظة إدلب هي نوعا ما منطقة تخضع لمسؤولية تركيا، ومن مسؤولية تركيا أن تحاول فصل المقاتلين المعتدلين في المعارضة عن أولئك المتطرفين الذين ينشطون في جبهة النصرة والجماعات المتطرفة الأخرى".

في الوقت الحالي، تحاول تركيا إقناع أكبر عدد ممكن من المقاتلين وعائلاتهم بالانضمام الى صفوف الجماعات التابعة للمعارضة في عفرين ومنطقة درع الفرات، التي مازالت تحت سيطرة تركيا. وفي العديد من المناسبات، حذر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، من حدوث حمام دم إذا تم تجاهل نداءاته بنيل المزيد من الوقت في المنطقة. كما أوضح أردوغان أن تركيا، التي تستضيف حاليا أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون لاجئ سوري، ليس بإمكانها استقبال مئات الآلاف من السوريين الذين من المتوقع أن يتوجهوا إلى حدودها في أعقاب العدوان الذي سيُسلطه عليهم النظام السوري.

ترتبط الشكوك الكامنة لدى النظام السوري وطهران بحقيقة أن تركيا قد تكون بصدد لعب لعبة مزدوجة من أجل ربح الوقت في سبيل إقناع الولايات المتحدة باستئناف دعمها للمعارضة

في تغريدة له على تويتر، تعهد أردوغان قائلا "إذا التزم العالم الصمت بشأن عمليات القتل التي يرتكبها النظام السوري في حق عشرات الآلاف من الأبرياء لتحقيق مصالحه، فنحن لن نقف مكتوفي الأيدي ونكتفي بمشاهد ما يحدث من بعيد، ولن نشارك في هذه اللعبة".

لكن روسيا، التي تسيطر على المجال الجوي في المنطقة، بدأت تفقد صبرها في الوقت الذي فشلت فيه الجهود التركية في إقناع المعارضة بالاستسلام. في الأثناء، يبدو أن التوصل إلى اتفاق يُمكّن تركيا من الحصول على مهلة أمر بعيد المنال. من جانبه، صرح الأكاديمي المتخصص في الشؤون الروسية والأوراسوية في موسكو، كريم هاس، لموقع "المونيتور" أن "روسيا في عجلة من أمرها لتضع مسألة إدلب جانبا وتركز على الدفع بأوروبا للمشاركة في إعادة إعمار سوريا".

على صعيد آخر، ترتبط الشكوك الكامنة لدى النظام السوري وطهران بحقيقة أن تركيا قد تكون بصدد لعب لعبة مزدوجة من أجل ربح الوقت في سبيل إقناع الولايات المتحدة باستئناف دعمها للمعارضة. ويتمثل الهدف من وراء ذلك في ممارسة الضغط على الرئيس السوري بشار الأسد، لضمان انسحابه من المشهد السياسي.

كما هو الحال دائما، يبدو أن واشنطن ترسل إشارات متضاربة لأنقرة فيما يتعلق بسوريا. تجدر الإشارة إلى أن إدارة ترامب أعلنت سابقا عن رغبتها في الانسحاب من شمال شرق سوريا بحلول نهاية هذه السنة، لا سيما أنها في مراحلها الأخيرة من حملتها ضد تنظيم الدولة. أما في الوقت الراهن، فقد أوضحت الإدارة الأمريكية أنها ستظل في سوريا حتى قضائها وبشكل نهائي على تنظيم الدولة وتضمن مغادرة إيران للبلاد. وقد تم تأكيد هذا التحول في الموقف الأمريكي من قبل مبعوث الإدارة الأمريكية الجديد لسوريا، جيم جيفري، الذي صرح لصحيفة "واشنطن بوست"، قائلا: "نحن لسنا في عجلة من أمرنا للانسحاب. ونحن واثقون من أن الرئيس الأمريكي موافق على ذلك".

 تظل تهديدات واشنطن بالتدخل عسكريًا ضد النظام السوري إلى حد الآن مرتبطة حصريًا باستخدام الأسلحة الكيماوية في إدلب

في الحقيقة، قد يفسر ذلك سبب اعتقاد المسؤولين الأتراك بأن هناك فرصة لإقناع إدارة ترامب، إذ أنهم يجادلون، من بين أمور أخرى، أن تجديد الدعم للمعارضة سيسمح بوضع حد للميليشيات الموالية لإيران أيضا. وبالإمكان تصور أن بعض المسؤولين في الإدارة الأمريكية يشجعون مثل هذه الأفكار فقط من أجل دقّ إسفينٍ بين أنقرة وموسكو، بالطريقة ذاتها تقريبا التي سعت من خلالها موسكو إلى توتير العلاقات بين أنقرة وواشنطن عبر دعم التحركات التركية ضد الأكراد السوريين المدعومين من قبل الولايات المتحدة في عفرين.

مع ذلك، تظل تهديدات واشنطن بالتدخل عسكريا ضد النظام السوري إلى حد الآن مرتبطة حصريا باستخدام الأسلحة الكيماوية في إدلب. وفي 11 أيلول/ سبتمبر، جدّد وزير الدفاع الأمريكي، جيمس ماتيس، التحذيرات المتعلقة بشنّ غارة جوية، حيث صرّح للصحافيين في البنتاغون أنه "في إدلب، نحن نراقب عن كثب ما الذي بإمكان نظام الأسد، الذي يتلقى المساعدة والدعم من الإيرانيين والروسيين، القيام به".

كما أضاف ماتيس أنه "في المرة الأولى، خسر النظام 17 بالمائة من طائراته الجوية"، في إشارة إلى طائرات القوات الجوية السورية، الروسية الصنع، التي تم تدميرها في هجمة صاروخية أمريكية على قاعدة جوية سورية في نيسان/ أبريل سنة 2017. الجدير بالذكر أن هذا الهجوم تم تنفيذه ردا على الهجوم الكيماوي المزعوم الذي نفذته قوات النظام السوري في إدلب.

في الأثناء، يبدو أن تهديدات واشنطن لها علاقة بدرجة أقل بالمشاغل الإنسانية، وفقا لما أكده المحلل كريم هاس، بالنظر إلى ما أسماه "صمتها" إزاء محنة السوريين حتى الآن. خلافا لذلك، أوضح هاس أن "الإستراتيجية الأمريكية تتمثل في تعطيل الخطط الروسية في سوريا، وذلك من خلال الادعاء بأنها تقف إلى جانب تركيا في إدلب في سبيل نسف التقارب التركي الروسي".

المصدر: المونيتور