في تجاوز واضح للأزمة الخليجية وآثارها التي هزت البيت الخليجي ولا تزال، اجتمع رؤساء أركان جيوش الدول الخليجية، وبنصاب مكتمل، مع نظرائهم الأمريكي والمصري والأردني، بعد يومين فقط من اجتماع آخر هو الأول لرؤساء أركان جيوش دول الخليج الستة منذ اندلاع الأزمة الخليجية قبل أكثر من 15 شهرًا.

الاجتماع الذي أُقيم مثل سابقه في الكويت شهد دعوة أمريكية لدول الخليج، تناشدها فيها التعالي فوق الخلافات من أجل مواجهة تحديات تراها واشنطن أهم وأخطر شأنًا، مصدرها - بحسب النظرة الأمريكية - إيران والجماعات المتشددة؛ لتبقى تساؤلات بشأن جدوى مقاربة واشنطن القائمة على دعوة الحلفاء لتجاهل خلافاتهم بدل التوجه إلى حلها.     

إذا دعتك واشنطن فقد تحملك التلبية على ما تكره

كان هذا ربما لسان حال دول الحصار الأربعة، وهي تلتقي تحت سقف واحد مع من وصفته وما زالت بدعم الإرهاب، وللمرة الأولى تجتمع دول الخليج الستة على طاولة واحدة إلى جانب الأردن ومصر، وقد لبوا جميعًا دعوة أمريكية للقاء يهدف لمواجهة ما تسميه واشنطن "التهديدات الأمنية في المنطقة".

استجابت دول الحصار لدعوة أمريكية لمواجهة ما تسميه واشنطن "التهديدات الأمنية في المنطقة"

الراعي الرسمي الأمريكي وهو جوزيف فوتيل، قائد القيادة الأمريكية الوسطى، دعا نظراءه للعمل معه كحلفاء وثيقين من أجل استقرار المنطقة والترفع عن أي خلافات بينهما، ورص الصفوف في مواجهة التهديدات والمخاطر التي حصرها في جهة "إيران والمنظمات المتطرفة العنيفة"، لكن هل هي دعوة واقعية قد تجد طريقها للتحقق؟  

بحسب ما هو معلن، يبدو أن المخاطر المحيطة بالمنطقة التي تحدث عنها فوتيل كانت الدافع لعقد هذا الاجتماع، وهي مخاطر لا تخرج عن الصواريخ البالستية والطائرات دون طيار والحروب بالوكالة، فضلًا عن مناقشة وثيقة الأمن البحري، في إشارة إلى التهديدات والاحتكاكات التي تحدث في مياه الخليج ومضيقي هرمز وباب المندب.  

ويأتي اجتماع اللجنة العسكرية العليابحسب ما تداولته وسائل الإعلام المختلفة - استكمالاً لسلسلة اللقاءات الدورية السابقة لرؤساء الأركان التي تسعى إلى تحقيق مزيد من التنسيق العسكري بين القوات المسلحة بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث يسعى رؤساء الأركان خلال اجتماعهم إلى تعزيز أوجه التعاون العسكري والدفاع المشترك، للوصول إلى مفاهيم عمل موحدة بين القوات المسلحة بدول المجلس.

دول الحصار الأربعة وكلها حاضرة في اللقاء لا تختلف مع قطر على وجهات نظر، بل رامت من قبل اجتياحها عسكريًا وتغيير نظام حكمها

لكن بالنظر إلى مدى واقعية الدعوة الأمريكية، فإن دول الحصار الأربعة وكلها حاضرة في اللقاء لا تختلف مع قطر على وجهات نظر، بل رامت من قبل اجتياحها عسكريًا وتغيير نظام حكمها، وهو ما تكشف عقب اندلاع الأزمة الخليجية في يونيو/حزيران الماضي، وبدا جليًا في تصريحات أمير الكويت أمام الرئيس الأمريكي، التي كشفت أن "الرباعي" لم يكن يراهن فحسب على الحصار بل على السيناريو الأسوأ.

ولعل ما أُخفي وحُرص على أن يظل سريًا يتكشف شيئًا فشيئًا، فوفق ما نشره موقع "ذا إنترسبت" الأمريكي من تفاصيل جديدة عن "المخطط" السعودي - الإماراتي، فإن الخيار العسكري كان مطروحًا في الأزمة القطرية، لكن الجهود الأمريكية ومساعي وزير الخارجية ريكس تيلرسون آنذاك أسفرت عن منع الاجتياح، حسب الموقع الذي اعتبر أن هذا من أبرز أسباب إقالته من منصبه بعد استياء الإمارات والسعودية من سياسته تجاه الأزمة مع قطر.

بل إن هذه الدول لم تخف مرارًا رغبتها في إخراج الدوحة نهائيًا من مجلس التعاون الخليجي زهدًا في العمل معها تحت أي إطار، فقد كانت آخر صيحات الرباعي العربي المُحاصِر ما جاء على لسان وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة، الذي طالب بـ"تجميد" عضوية قطر في مجلس التعاون الخليجي "لحين تجاوبها" مع مطالب دول المقاطعة الأربعة.

هذا فضلاً عن تجريم التعاطف مع قطر وتحريم زيارتها، فكيف إذًا ستنخرط قوات تلك الدول مع نظيرتها القطرية في تدريبات عسكرية مستمرة كالتي أوصى بها فوتيل جلساءه في الكويت؟ وكيف لها أن تطمئن إلى مناقشة خطط بالغة السرية والحساسية مع من تصفه بالإرهاب وتخطط سرًا لاجتياحه والقضاء عليه؟

اجتماع التحالف ضد إيران

لا ينفصل الاجتماع عن طموحات بعض الدول المشاركة في المنطقة، حيث تأمل القيادات السياسية للدول المشاركة أن يعزز التعاون المشترك، وترجمته إلى واقع ملموس، وهو ما عبَّر عنه رئيس أركان الجيش الكويتي محمد خالد الخضر، في كلمته أمام نظرائه بقوله: "قياداتنا السياسية تأمل أن يساهم اجتماعنا هذا في تعزيز التعاون المشترك وتوثيق العلاقات القائمة على المنفعة المتبادلة".  

ويكمن التعاون المشترك والمنفعة المتبادلة في أن الدول الثمانية الحاضرة في الكويت مرتبطة باتفاقيات دفاعية مع الولايات المتحدة التي تشكو من اختلال الأمن بالممرات الإقليمية، وتحديدًا مضيقي هرمز وباب المندب، لكن لا يُعرف تحديدًا كيف يمكن لحلف كهذا أن يولد وسط الشروخ غير المسبوقة بين دول الخليج الواحد.

صحيح أن الأزمة الخليجية تجاوزت العام دون تصعيد أو حل، لكن صانعيها لا يتوقفون سياسيًا وإعلاميًا عن نفخ الروح فيها كل حين، وواشنطن تراقب هذا، وسبق لرئيسها أن أعلن قمة خليجية أمريكية تعالج الأزمة، لكن إعلانات التأجيل المتكررة طوحت بالفكرة إلى نهاية العام.

فبعد تحديد موعد في مايو الماضي لهذه القمة إلا أنها أجلت إلى سبتمبر، وبعدها تم تأجيلها مرة أخرى لوقت غير معلوم، فدول الحصار لم تقم بالمجهود الكافي لمحاولة حل الأزمة الخليجية، بحسب معهد "تشاسام هاوس"، فيما يبقى الجانب الأمريكي هو اللاعب الرئيسي الذي يمكن أن يفرِّق أو يجمع الأطراف معًا على طاولة التفاوض.

قد يأتي الاجتماع العسكري في الكويت كبديل للقمة الخليجية الأمريكية، وفي سياق التحضير لما عُرف قبل فترة بحلف عربي يشبه "الناتو"

وكبديل للقمة الخليجية الأمريكية قد يأتي الاجتماع العسكري في الكويت في سياق التحضير لما عُرف قبل فترة بحلف عربي يشبه "الناتو"، فقد أعربت واشنطن عن رغبتها في تدشينه لاحتواء ما تسميه "تمدد إيران في المنطقة"، فتحالفها السابق لحرب تنظيم الدولة "داعش" استنفد أغراضه أو كاد، وواشنطن كما يقول مراقبون "لا تقاتل إلا من خلال تحالف عسكري".

فهل سيتحقق لها ما ترجوه من التحالف المرتقب في مواجهة إيران وتفلح بشركائها الخليجيين في القفز على فجوات الخلاف العميقة بينهم؟ شكك المسؤولون الإيرانيون في هذا، ورأى كثير منهم خلال الأسابيع الأخيرة أن ما وُصف بفكرة "الناتو العربي" وُلدت ميتة دون رصيد من الواقع.

يقول المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي: "واضح جدًا عدم وجود توافق أو انسجام حقيقي أو إجماع حقيقي بين هذه الدول؛ لذلك فإن فكرة ناتو عربي مجرد شعار ليس إلا"، وهذا ما ترصده الدولة المستهدفة بالتحالف مستحضرة الفجوات العميقة بين الدول المعنية، فهل أعد الداعي وجُل المدعوين لتلك الفجوات جسورًا؟

هل تشهد الكويت إعلان "الناتو العربي"؟

كان هذا عنوان صحيفة "الرأي" الكويتية التي نقلت عن مصادر عسكرية بوزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" قولهم إن اجتماع الكويت قد يكون تمهيدًا لتشكيل ما يعرف بـ"الناتو العربي"، إذ يهدف إلى تكريس التعاون العسكري بين القيادات العسكرية في هذه الدول، وهو ما يشكل نواة قيادة عسكرية مشتركة يمكنها أن تتعامل مع أي تطورات عسكرية في المستقبل.  

وبحسب ما نقلت الصحيفة عن المصادر، فإنه تم تعيين ضباط ستكون مهمتهم متابعة هذه الخطط العسكرية المشتركة، ووصل التنسيق إلى مراحل متقدمة، وهو يقتصر على القيادات العسكرية، بغض النظر عن التباينات السياسية بين حكومات هذه الدول، وعن المسمى، قالت المصادر الأمريكية: "لا يهم إن أطلقنا عليه اسم "ناتو عربي" أو غير ذلك، فالتسميات مهمة السياسيين، أما العسكر، فمهمتهم الاستعداد لأي طارئ للدفاع عن أوطانهم".

ويعزز ذلك ما أكده نائب وزير الخارجية الكويتي خالد الجار الله، في نهاية يوليو/تموز الماضي، إن بلاده تدرس مقترحات أمريكية لإقامة تحالف إستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، بهدف التصدي للنفوذ الإيراني في المنطقة، وفي رأي البعض فإن ترامب يستبق نوفمبر المقبل حيث يفترض أن تبدأ الدفعة الثانية من العقوبات على إيران، وهي الأقسى على الإطلاق، وتمهيدًا لذلك قام جوزيف فوتيل بجولة في المنطقة الأسبوع الماضي، زار خلالها مدنًا خليجية، وكذلك عدن في اليمن، حيث تقود السعودية تحالفًا عسكريًا في مواجهة المتمردين المدعومين من إيران.

قد تتحول أفكار ترامب بإنشاء تحالف جديد إلى مصيدة تستنزف مزيدًا من مال المنطقة

لكن ما دوافع ترامب الحقيقية لإنشاء تحالف جديد في منطقة تعج بالتحالفات وبالانقسام والعداوات منذ فترة؟ بحسب البعض، فإن الفكرة متعذرة التنفيذ فهي أقرب إلى الشعار والظروف لا تسمح بها، وثمة مؤاخذات إيرانية على أبو ظبي تحديدًا، فهي تتحمل مسؤولية كبرى إزاء الكارثة الإنسانية في اليمن، وتتحدث بما يفوق حجمها وتهدد طهران للتغطية على جرائمها في اليمن.

وذلك في رأي البعض يطرح المعضلة الأخلاقية لأي تحالف قد ينشأ في المنطقة، فإذا كان الهدف إعادة الاستقرار، فكيف يستقيم ذلك وثمة حرب لا تنتهي في اليمن وضحايا بلا عدد يسقطون؟ وبحسب هؤلاء فإن الرياض وأبو ظبي ومن بعدهما المنامة أقرب إلى فكرة التحالف من مصر، وهي حليفة لهذه الدول لكنها لا تناصب طهران العداء، ما يعني أن ثمة أجندات متباينة، إن لم تكن متناقضة.

قبول قطر بالدخول في "الناتو العربي" بجانب السعودية والإمارات، قد يعني انتهاء الأزمة الخليجية ودخولها في خصومة مع إيران

وبالنسبة لقطر، فإن البعض يرى أن التحالف الجديد قد ينتج تقاربًا بين أطراف الأزمة الخليجية، لكن قبول قطر بالدخول في "الناتو العربي" بجانب السعودية والإمارات، قد يعني انتهاء الأزمة الخليجية، ودخولها في خصومة مع إيران التي سمحت لها باستخدام مجالها الجوي للتغلب على الحصار الخليجي لها.

وبحسب تقرير بعنوان "هل نتجه نحو ناتو عربي؟" لـ"مركز بيغن – السادات للدراسات الإستراتيجية"، وهو أهم مركز بحثي إسرائيلي، فإن الحلف الجديد يضع قطر، بحال قبولها به، في مأزق لأنها ستكون تحت نفوذ السعودية والإمارات في حروبهما بالمنطقة، وبحال اختلفت معهما مجددًا سيعودان إلى مقاطعتها، وعندها ستكون الأجواء مغلقة من الجهات كافة، ولن تتعاطف طهران معها بفتح أجوائها لها.

والأهم أن ما يعتبر ورطة في اليمن قد يجر الرياض وأبو ظبي إلى ما هو أسوأ من الحروب الفاشلة، فلا إستراتيجية للخروج الآمن من هناك، الأمر الذي يستنزف البلدين ويقعدها عن أداء دور حقيقي وفعال فيما هو أكبر، وهو ما قد يحول أفكار ترامب إلى مصيدة تستنزف مزيدًا من مال المنطقة فتفقدها أكثر ولا تحميها في أي حال.