"يسقط الاحتلال الإماراتي" جملةٌ أصبحت كلمة السر في الاحتجاجات الشعبية التي دخلت أسبوعها الثاني في المحافظات اليمنية جنوبي البلاد والواقعة تحت نفوذ الإمارات، بعد أن أصبحت حياتهم جحيمًا لا يطاق.

حيث تململ الشارع الجنوبي وبدأ ينتفض ضد جملة من القضايا والأزمات التي بات يرزح تحت وطأتها، حيث تستمر المظاهرات والاحتجاجات الشعبية في أكثر من محافظة جنوبية تنديدًا بانهيار الاقتصادي والأمني وغلاء أسعار السلع والمحروقات، مرددين هتافات ضد التحالف السعودي الإماراتي، وضد الشرعية أيضًا.

آلاف المتظاهرين خرجوا في حضرموت إلى الشوارع وأحرقوا الإطارات ودعوا إلى عيصان مدني، رافقه بوادر لفوضى أمنية أوقفت بشكل جزئي للحركة في المدينة، بعد أن أغلقت عديد المصارف والمتاجر أبوابها تحسبًا لاستفحال الوضع إلى فوضى شوارع.

مدينة عدن التي تحظى فيها الإمارات بنفوذ كبير بفضل وجود ذراعها الأمني وما يعرف بـ"قوات الحزام الأمني" شهدت منذ أشهر ملامح الاحتقان الشعبي ضد المشروع الذي تريد أبوظبي تكريسه في جنوب اليمن

عدن أيضًا كان لها نصيب من الاحتجاجات حيث قام العشرات من المحتجين بقطع بعض طرق المدينة، وإشعال النار في إطارات السيارات، ما تسبب بشل حركة المرور في طرق الحيوية للمدينة، كما أغلفت بعض المحال التجارية أبوابها.

حلفاء الإمارات يركبون الموجة

مدينة عدن التي تحظى فيها الإمارات بنفوذ كبير بفضل وجود ذراعها الأمني المتمثل في قوات الدعم والإسناد أو ما يعرف بـ"قوات الحزام الأمني" شهدت منذ أشهر ملامح الاحتقان الشعبي ضد المشروع الذي تريد أبوظبي تكريسه في جنوب اليمن، حيث تجرأ العدنيون على الجهر بمكنون أنفسهم رغم السطوة الأمنية لحلفاء الإمارات على المدينة، كما امتلأت جدان المدينة بعبارات رافضة للوجود الإماراتي.

في غمرة ما يجري يحاول ما يعرف بـ"المجلس الانتقالي الجنوبي" ذي التوجهات الشطرية المدعوم من أبوظبي ركوب موجة الاحتجاجات وحرف مسارها من باب التحريض على الشرعية التي يتهمها بالفشل في إدارة الدولة، حيث أعلن المجلس تأييده للاحتجاجات في عدن، على اعتبار أنها ردة فعل الشارع العدني ضد ما يراه "اخفاقًا للشرعية" في إدارة الملفات الداخلية ولاسيما الاقتصادية منها التي يقدمها "الانتقالي الجنوبي" مبتورة عن أصوات المحتجين المطالبة للإمارات بكف الأذى، علمًا أن الشرعية تعهدت بحل الاشكال، وبادرت إلى رفع رواتب الموظفين في القطاع المدني، بما فيهم المتقاعدين والمتعاقدين بنسبة 30‎%، إلا أن ذلك لم يضع حدًا لاستمرار الاحتجاجات.

المشهد نفسه تكرر في مدينة المكلا (إحدى مدن محافظة حضرموت شرقي اليمن)، حيث رفع متظاهرون غاضبون شعارات تطالب ما وصفوه بـ"الاحتلال الإماراتي" بالرحيل عن أرضهم

ورغم أن ما يروجه "الانتقالي" فيه حقيقة نسبية، فيما يتعلق بالاستياء الشعبي من أداء حكومة الشرعية، إلا أن ما يحاول إخفاءه أن هناك صيحات ثائرة لدى قطاع كبير من المحتجين في عدن ضد التنفذ الإماراتي في البلاد، وقد أظهرت بعض الصور والمقاطع منتصف الأسبوع الماضي متظاهرين يقومون بإنزال لوحة تتضمن صورًا لقادة الإمارات من إحدى المدارس في المنصورة بعدن، ويقومون بإحراقها وهم يهتفون ضد الإمارات.

المكلا تنادي برحيل الإمارات

المشهد نفسه تكرر في مدينة المكلا (إحدى مدن محافظة حضرموت شرقي اليمن)، حيث رفع متظاهرون غاضبون شعارات تطالب ما وصفوه بـ"الاحتلال الإماراتي" بالرحيل عن أرضهم، كما نشر ناشطون على الإنترنت مقاطع فيديو وصورًا لمحتجين يمزقون صورًا كبيرة لقادة الإمارات، وأخرى لمتظاهرين يدوسون على العلم الإماراتي تعبيرًا عن رفضهم للوجود الإماراتي، وهو ما أثار غيظ الإمارات التي لم تتأخر في الرد وتخوين المحتجين الرافضين لوجودها، ووصف ذلك بـ"السلوك المخزي"، واتهام حزب التجمع اليمني للإصلاح (ذي التوجهات الإسلامية) بالوقوف وراء ما يحدث.

حيث علق وزير الدولة الإماراتي أنور قرقاش في تدوينة على حسابه بموقع "تويتر" قائلًا: إن "السلوك المخزي تجاه رموز الإمارات والتحالف، في حضرموت وبعض مناطق الجنوب التي يوجهها (الإصلاح)، لن تثنينا عن تأدية المهمة، قناعتنا أنها أقلية حزبية لا تريد لليمن الخير، والتحالف في سعيه لتثبيت الاستقرار لن تهزه هذه التصرفات"، حد قوله.


محتجون يمزقون صورًا لقادة الإمارات في المكلا

هذه التصريحات الانفعالية للمسؤولين الإماراتيين، يرى مراقبون أنها تأتي لذر الرماد في العيون عن حقيقة ما يجري، وتصوير ما يموج به الشارع الجنوبي على أنه مجرد تحريض حزبي يتبناه فصيل سياسي تراه الإمارات خصمًا لدوداً، وليس سخطًا شعبيًا يعبر عن إرادة جمعية تطالب بالعيش الكريم، بعد أن أصبحت لقمة العيش لملايين اليمنيين عزيزة المنال، في ظل انهيار قيمة العملة المحلية أمام الدولار أكثر من ضعفين وما نجم عن ذلك من ضائقة معيشية مهلكة جعلت ملايين اليمنيين يعشون على وجبة واحدة كل يومين بحسب تقرير للأمم المتحدة.

وتعد هذه الموجه من الغضب الشعبي تجاه سياسة التحالف العربي والإمارات على وجه الخصوص امتدادًا لتراكمات سابقة من التجاوزات الإماراتية في اليمن، فخلال الفترة الماضية شهدت مدينتي سيئون والمكلا التابعتين لمحافظة حضرموت احتجاجات نددت بما يتعرض له المعتقلون من أبناء المحافظة من انتهاكات في سجون تشرف عليها الإمارات، والمطالبة بإطلاق سراحهم، وهو ما لم يتم حتى الآن.


متظاهر يدوس العلم الإماراتي تعبيرًا عن رفضه لوجودها بحضرموت

ما دور أبوظبي في تعقيد الوضع؟

الإمارات التي تسيطر على المحافظات المحررة في جنوب البلاد، ما تزال تعرقل علمية تصدير النفط وتفرض حظرًا على الموانئ اليمنية التي باتت جميعها تقريبًا تحت سيطرتها ما خلا ميناء الحديدة الذي يزال تحت سيطرة الحوثيين، الأمر الذي تسبب في استمرار تهاوي الريال اليمني، إلى أدنى مستوى في تاريخه، بسبب توقف صادرات النفط التي كانت تدر ما نسبته 75% على الخزينة الوطنية من العملة الصعبة.

يظهر هنا بوضوح أن الإمارات العربية المتحدة تتعمد خلق هذا الواقع في اليمن، وإيصال الوضع إلى ما هو عليه اليوم، فإمكانية تصدير النفط أصبحت متاحة منذ عامين تقريبًا، فعلى سبيل المثال لا الحصر هناك محافظة حضرموت كبرى المحافظات اليمنية شرقي البلاد، لم يدخلها الحوثيون مطلقًا منذ انقلابهم على السلطة في 21 سبتمبر\أيلول 2014، وتنتج حوالي 50% من إجمالي ما تنتجه اليمن من النفط، وهي واقعة حاليًا ضمن النفوذ الإماراتي.

بعد 3 سنوات من الحرب تبين لليمنيين عكس ما تأملوه من التحالف العربي، بسبب انحراف مساره عن أهدافه المعلنة بداية انطلاق عملياته العسكرية في اليمن

خيبة أمل من انحراف مسار التحالف

بعد 3 سنوات من الحرب تبين لليمنيين عكس ما تأملوه من التحالف العربي، بعد انحراف مساره عن أهدافه المعلنة بداية انطلاق عملياته العسكرية في اليمن في مارس\أذار 2015، حيث أصبحت المحافظات الموسومة بـ"المحررة" - باستثناء محافظة مأرب - لا تختلف عن تلك التي ما تزال تحت سيطرة الحوثيين، من نواحٍ كثيرة، فالخدمات الأساسية كالكهرباء مثلًا ما تزال متعثرة ومسلسل التصفيات والاغتيالات زادت وتيرته بشكل ملحوظ خصوصًا في محافظة عدن التي أصبحت في ظل تنفذ حلفاء الإمارات أقل سكينة من العاصمة صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون.

فالإمارات التي فرضت نفسها بالقوة وصارت المتحكم الأمني بزمام الأمور في معظم المحافظات الجنوبية، معززة نفوذها بآلاف المجندين اليمنيين في شكل وحدات عسكرية تم انشاءها وتدريبها لتكون قوة موازية للقوات الحكومية المنضوية تحت السلطة الشرعية، بهدف تنفيذ أجندتها في اليمن، أكثر ما يهمها الآن هو الاستحواذ على أكبر قدر من غنائم حربها في اليمن ضمن التحالف العربي على حساب مصالح اليمن ووحدته واقتصاده الهزيل، وهو ما لا يريده اليمنيون أن يستمر حتى النهاية.