رغم إطلاق رئيس الحكومة التونسية حرب على الفساد في شهر مايو/أيار 2017، فإن جميع الأرقام والمؤشرات الصادرة دوريًا عن جهات محلية ودولية تكشف تواصل "نخر" الفساد لمقومات ومقدرات الدولة التونسية، حتى بلغ 54% من الناتج المحلي الإجمالي وفق ما صرح به شوقي الطبيب رئيس هيئة مكافحة الفساد في تونس.

الطبيب لم يخف في حواره مع مجلة "جون أفريك" الفرنسية الثلاثاء 25 من سبتمبر/أيلول الحاليّ، تخوفه من استغلال لوبيات الفساد الناشطة في تونس ضعف الدولة وعدم الاستقرار السياسي للتقوي مجددًا، في وقت كان ينبغي عليهم العودة إلى الوراء. رئيس هيئة مكافحة الفساد التونسية أكد أن الديمقراطية الناشئة في تونس هشة جدًا، لأن الصلة بين الأموال القذرة والإدارة تتعمق، لذلك فإن مخاطر العودة إلى الوراء غير مستبعدة.

فساد في كل القطاعات

في تصريحات سابقة كشف الطبيب أن الفساد لا يزال مستشريًا على نطاق واسع في كل قطاعات الدولة، بما في ذلك الأمن والصفقات العمومية والصحة والجمارك. وتم إحداث الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في 24 من نوفمبر/تشرين الثاني 2011 خلفًا للجنة تقصي الحقائق عن الفساد والرشوة التي أُنشأت مباشرة بعد الثورة التونسية في 2011، ويرأسها المحامي شوقي طبيب منذ 2016، ومن المتوقع أن تعوض هذه الهيئة بـ"هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد"، وفق ما نص عليه الفصل الـ130 من الدستور التونسي، ولم يحدد الدستور موعد تركيز هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد.

يرى مراقبون أن الحرب التي أطلقها رئيس الحكومة على الفساد كانت انتقائية وانتقامية، حيث أفضت التحقيقات إلى الإفراج عن أغلب الموقوفين الذين أودعوا السجن بعد أسابيع من الإقامة الجبرية

وبلغ عدد الملفات التى تلقتها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد منذ إحداثها 12 ألف ملف، تم إحالة 96 منها إلى القضاء في 2016 و247 في 2017، في وقت ارتفع فيه عدد العاملين بالهيئة من 16 إلى 142 موظفًا من بينهم 40 محققًا، بميزانية إجمالية تبلغ 5.11 مليون دينار (1.57 مليون يورو).

ويشكك مراقبون في مجهود الهيئة في مكافحة الفساد، كما يتهمها آخرون بمحاباة بعض الفاسدين انطلاقًا من العلاقات الشخصية التي تجمع بعض العاملين فيها مع متورطين في ملفات فساد.

ويرى مراقبون أن الحرب التي أطلقها رئيس الحكومة على الفساد كانت انتقائية وانتقامية، حيث أفضت التحقيقات إلى الإفراج عن أغلب الموقوفين الذين أودعوا السجن بعد أسابيع من الإقامة الجبرية، على غرار رجلي الأعمال فتحي جنيح ونجيب إسماعيل.

تقرير منظمة الشفافية الدولية أظهر في شهر فبراير/شباط 2018 تحسنًا طفيفًا في مؤشر مكافحة الفساد في تونس، حيث حصلت تونس في تقييم 2017 على 42% مقابل 41% في تقييم 2016، محتلة بذلك المركز الـ76 على مستوى العالم.

رجال ظل يتحكمون في الدولة

منظمة "مجموعة الأزمات الدولية" ذكرت في تقرير لها عن تونس أن نحو 300 "رجل ظل" يتحكمون في أجهزة الدولة بتونس ويعرقلون الإصلاحات، وبعضهم يعطل تنفيذ مشاريع تنموية بالمناطق الداخلية ويحرك الاحتجاجات الاجتماعية فيها.

يعتبر ملف الثروات الطبيعة أحد أكثر الملفات غموضًا في تونس بعد الاستقلال وليس بعد ثورة 14 من يناير/كانون الثاني

وحذرت المنظمة في تقريرها الذي حمل عنوان "الانتقال المعطَل: فساد وجهوية في تونس" من أن مظاهر الإثراء من المناصب السياسية والإدارية والمحسوبية والسمسرة أصبحت تنخر الإدارة والطبقة السياسية العليا في تونس (الأحزاب، البرلمان..)، وأن عموم المواطنين أصبحوا يعتبرون أجهزة الدولة أجهزة "مافيوزية".

وقبل نحو شهر أقال رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، الجمعة 31 من أغسطس/آب المنقضي، وزير الطاقة والمناجم خالد قدور وكاتب الدولة للمناجم هاشم حميدي والمدير العام للمحروقات والرئيس المدير للشركة التونسية للأنشطة البترولية والمدير العام للشؤون القانونية بوزارة الطاقة، على خلفية قضية فساد في ملف الطاقة.

ويعود القرار إلى استغلال مستثمر أجنبي حقل نفط يبلغ مخزونه 8.1 ملايين برميل (نحو نصف مخزون تونس من المحروقات) دون رخصة قانونية منذ 2009، دون أن تتحرك الوزارة لوقف هذا الاستغلال.

ملف الثروات الطبيعة يعتبر أحد أكثر الملفات غموضًا في تونس بعد الاستقلال وليس بعد ثورة 14 من يناير/كانون الثاني، حيث رفضت الحكومات المتعاقبة فتح الملف وكشف الحقائق رغم مناداة ناشطين وأحزاب سياسية بذلك. كذلك لم تنجح تونس في القضاء على التهريب رغم إعلانها الحرب عليه، وتقول تقارير إعلامية إن هناك تقاطعًا في المصالح بين أطراف حزبية ومهربين يكبدون الدولة خسائر بمئات المليارات.

ووفق أرقام رسمية تبلغ نسبة الخسائر التي تتكبدها الدولة التونسية جراء تفشي مظاهر الفساد وغياب آليات الحوكمة المتعلقة بالصفقات والشراءات العمومية بألفي مليون دينار في السنة (نحو 720 مليون دولار).

إلى ذلك، تظهر أرقام المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية أن 77.6% من التونسيين يقتنون بضاعة من السوق الموازية، في وقت تشير فيه الأرقام إلى أن خسائر الدولة من التجارة الموازية والتهريب تتجاوز النصف مليار دولار.