لقد بدأت إثارة زيارة أردوغان الحاليّة إلى ألمانيا منذ أن وجهت ألمانيا الدعوة إلى أردوغان قبل فوزه بانتخابات 24 من يونيو/حزيران وقبل أن يصبح الرئيس الأول لتركيا وفق النظام الرئاسي الجديد، فقد أثارت هذه الدعوة غضب بعض أحزاب المعارضة التركية مثل الحزب الجيد وحزب الشعب الجمهوري حيث أبديا استياءهما من الدعوة قبل ظهور نتائج الانتخابات، فالدعوة أعطت انطباعًا بأن التقديرات الألمانية ترى أن أردوغان سيفوز بمنصب الرئاسة.

ومن المعلوم أن خلفية العلاقة خلال السنوات الأخيرة سادها بعض التوترات، فمنذ عام 2016 تصاعدت التوترات بين تركيا وأكثر من دولة أوروبية منها ألمانيا، فقد منع وزراء أتراك من إلقاء كلمات في تجمعات للجاليات التركية في ألمانيا والنمسا وانتقد الألمان وضع حقوق الإنسان في تركيا، فيما اعتبرت تركيا ذلك موقفًا سياسيًا، خاصة مع فتح ألمانيا المجال لأحزاب مثل حزب العمال الكردستاني للتظاهرات والفعاليات في ألمانيا كما حدثت بعض التطورات السلبية عام 2017 متعلقة بتحذيرات السفر وبإجراءات في المطارات وبعض الإجراءات السلبية في المجال الاقتصادي.

ومن بين هذه الإجراءات التي ذكرناها في مقال سابق في نون بوست بعنوان "ماذا تعني دعوة ميركل لأردوغان بزيارة ألمانيا بعد الانتخابات؟" أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أعلنت في سبتمبر 2017 أنها تريد الدخول في نقاش لوقف مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، مؤكدة أنها لا تؤمن بإمكانية حصول هذا الانضمام، مضيفة "أنا لا أرى أن الانضمام قادم، ولم أومن يومًا بأنه يمكن أن يحدث والمسألة تكمن في معرفة من "سيغلق الباب" أولاً، تركيا أم الاتحاد الأوروبي"، كما كان هناك تهديد ألماني بطلب قطع مساعدات الاتحاد الأوروبي عن تركيا.

نجم عن التقاء المصالح بين تركيا وألمانيا تصريحات إيجابية من كلا الطرفين عبر فيهما كل طرف أن أمنه واستقراره من استقرار الآخر

ولكن بعد انتهاء الانتخابات الألمانية خفت حدة التوترات اللفظية وحصلت شركات ألمانية على مناقصة بقيمة مليار دولار في مجال طاقة الرياح بتركيا، كما أن فوز الرئيس أردوغان وتثبيت قوته بعد الانتخابات في تركيا كان يعني أن استمرار ودوام المصالح الألمانية في تركيا مرتبط بتحسين العلاقات الألمانية مع الحكومة الرئاسية في تركيا برئاسة رجب طيب أردوغان سواء كانت المصالح أمنية أم اقتصادية أم غيرها.

وبطبيعة الحال كان هناك تطورات دولية وإقليمية أثبتت حاجة الدولتين للعمل معًا سواء في السياسات التي تمارسها الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب أم التطورات المتعلقة بالساحة السورية، وقد رأينا كيف دعمت ألمانيا وفرنسا الموقف التركي لمنع عملية هجوم النظام السوري على إدلب، حيث كان سيكون له انعكاس مباشر على هذه الدول وخاصة ألمانيا في حال بدأت موجة لجوء جديدة.

وقد نجم عن التقاء المصالح بين تركيا وألمانيا تصريحات إيجابية من كلا الطرفين عبر فيهما كل طرف أن أمنه واستقراره من استقرار الآخر، ومن أبرز هذه التصريحات تصريح وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق أن مرحلة التوترات في العلاقات الألمانية التركية أصبحت طي التاريخ والجهود في المرحلة المقبلة ستركز على تطوير العلاقات الثنائية في العديد من المجالات. 

وكذلك تصريحات زير الخارجية الألماني هايكو ماس بخصوص الدور التركي في منع كارثة إنسانية في إدلب حيث قال: "تركيا لعبت دورًا إيجابيًا في منطقة إدلب السورية، رأينا أيضًا أن تركيا لعبت دورًا إيجابيًا للغاية في المناقشات بخصوص سوريا وإدلب واستطاعت في النهاية أن تتفق مع روسيا على منطقة منزوعة السلاح وهي مسألة بالغة الأهمية".

على الصعيد الاقتصادي ترى تركيا أن تحسين علاقاتها مع ألمانيا سيكون له فوائد جيدة في هذا المجال ومن المعلوم أن تركيا مدينة بـ180 مليار دولار كديون خارجية، نحو 150 مليار منها على القطاع الخاص وقرابة 30 مليار هي ديون على القطاع العام، ومع تراجع الاستثمارات خاصة الأوروبية أصبح سداد الدين أكثر صعوبة خاصة مع تزايد نسبة التضخم وتذبذب السوق المالية التركية والخلاف مع الولايات المتحدة.

لا تخل العلاقات التركية الألمانية من ملفات توتر مثل ملف الصحفي المطلوب للقضاء التركي بتهمة إفشاء أسرار الدولة والموجود في ألمانيا

وإزاء هذا الوضع تحتاج تركيا وفقًا للخبراء الاقتصاديين إلى إعادة جدولة ديونها ومن أجل تحقيق ذلك تحتاج مناخًا سياسيًا وعلاقات أفضل مع دول الاتحاد الأوروبي، وتبدو ألمانيا أكثر الدول تفهمًا لضرورة تجنب تركيا لأزمة اقتصادية تكون لها تبعاتهاعلى أوروبا وتشكل زيارة أردوغان الحاليّة فرصة لتطبيع العلاقات أولاً ثم لزيادة التعاون والتنسيق الذي تتمنى تركيا أن يصل إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية.

ومع ذلك لا تخل العلاقات التركية الألمانية من ملفات توتر مثل ملف الصحفي المطلوب للقضاء التركي بتهمة إفشاء أسرار الدولة والموجود في ألمانيا، حيث طالب أردوغان ألمانيا خلال مؤتمره الصحفي مع ميركل بتسليمه، وقال: "الصحفي المطلوب من القضاء التركي جان دوندار أفشى أسرار الدولة، ويعد عميلًا ومدانًا بموجب أحكام القضاء التركي، من حق تركيا الطبيعي مطالبة ألمانيا بتسليم شخص محكوم بالسجن مثل جان دوندار، إن تسليم المجرمين له أهمية كبرى من أجل استقرار بلادنا وخاصة من الناحية الأمنية".

ولعل العقبة الأصعب أمام تحسين العلاقات التركية الألمانية هي وجود معارضة داخلية في ألمانيا لتحسين العلاقة مع تركيا مع تصاعد اليمين المتشدد هناك.