ترجمة وتحرير: نون بوست

في نهاية الأسبوع الماضي، أثارت كارثة زلزال التسونامي الذي هز إندونيسيا أسئلة جديدة حول مدى استعداد النظام العالمي للتصدي للأحداث المستقبلية. منذ كارثة تسونامي التي ضربت المحيط الهندي سنة 2004 والتي عاثت فسادا في جميع أنحاء المنطقة، نشأ نظام عالمي من المراكز الإقليمية والوطنية للتفاعل مع الهزات الأولى على طول قاع المحيط. وتعتمد استجابة البلدان الفردية الآن إلى حد كبير على نظام مترابط، على نحو مكثف، يشمل مراكز كشف البيانات الزلزالية وعوامات المحيطات عالية التقنية.

توفر النظم الإقليمية لتحليل البيانات ونشرها، في المحيطين الهادئ والهندي في شمال شرق المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط ومنطقة البحر الكاريبي مثالاً قوياً على التعاون الدولي. وفي هذا الصدد، قالت كريستا فون هيليبراندت - أندرادي، مديرة الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في الولايات المتحدة وبرنامج التحذير من كارثة تسونامي في منطقة البحر الكاريبي في ماياغويز، بورتوريكو، إن "التنبؤ بحوادث التسونامي مثال ممتاز على كيفية تكافل العلم والدبلوماسية والعلاقات الدولية من أجل الخير العام وإنقاذ الناس".

لا تزال العديد من المجتمعات الساحلية في حاجة إلى المزيد من التدريب بشأن كيفية الاستجابة لمثل هذه الكوارث على المستوى الفردي

من جانب آخر، أورد أستاذ الهندسة في جامعة ولاية أوريغون، هاري يه، أنه "عندما تتشكل موجة كبيرة فهذه ليست مشكلة دولة واحدة". والجدير بالذكر أن الأنظمة الإقليمية الأربعة للتحذير من التسونامي والتخفيف من حدته تعمل تحت إشراف اللجنة الأوقيانوغرافية الحكومية الدولية التابعة لليونسكو.

في الحقيقة، عندما يكتشف زلزال ذو اهتزازات على مقياس كبير في المحيط، يتم نقل المعلومات الزلزالية إلى مراكز التحذير الإقليمية للتسونامي، بما في ذلك مركز التحذير من التسونامي في المحيط الهادي في هاواي. ومن هنا تنطلق المرحلة الأولية من التحذيرات بشأن وقوع التسونامي، أو التوقعات الأولية. ومع بداية التسونامي، يتم تفعيل أداة مراقبة المحيطات العميقة التي تشمل مسجل ضغط في قاع المحيط وعوامة سطحية، يتبادلان المعلومات في الوقت الحقيقي.

تكتشف هذه المجسات مستوى ارتفاع الأمواج وتتواصل عبر الأقمار الصناعية، مما يسمح للمراكز الإقليمية بتقدير وقت وصول التسونامي ومواصلة تحديث التحذيرات. والجدير بالذكر أن هذه العوامات تم تطويرها في الأصل من قبل الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في الولايات المتحدة التي تمتلك وتدير 39 مستشعر من مجموع المستشعرات حول العالم. وتم نشر أكثر من 30 مستشعر في منطقة المحيط الهادئ، وهي المنطقة الأكثر عرضة للخطر. لكن بمجرد إرسال تحذير من قرب وقوع التسونامي إلى مراكز الإنذار الإقليمية والوطنية للتسونامي، حينها تتوقف القدرة الوطنية على تخفيف الأضرار على مدى استعداد البلدان فيما يتعلق بتوجيه رسائل الطوارئ وأوامر الإجلاء، وتعبئة خدمات الطوارئ، وإغلاق بعض المناطق والبنى التحتية الخاصة بالنقل، والاستجابة للإصابات.

بعد أن أسفرت كارثة التسونامي الأخيرة عن موت أكثر من 1500 شخص، تبادرت إلى الأذهان أسئلة حول فشل نظام الهاتف المحمول ونظام الإنذار. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال العديد من المجتمعات الساحلية في حاجة إلى المزيد من التدريب بشأن كيفية الاستجابة لمثل هذه الكوارث على المستوى الفردي، وذلك وفق تصريحات فون هيليبراندت - أندرادي ودييغو أركاس، مدير مركز الإدارة الوطنية لدراسات المحيطات والغلاف الجوي في مختبر البيئة البحرية للمحيط الهادي، سياتل.

عمال يقومون بتفريغ نظام مراقبة المحيطات العميقة والإبلاغ عن التسونامي في جاكرتا في 10 حزيران/ يونيو 2008.

التحذير من التسونامي في المحيط الهندي ونظام الحد من الأثار

يشمل نظام المحيط الهندي 25 محطة رصد زلزالي و8 عوامات لمراقبة المحيطات العميقة تملكها وتشغلها أستراليا والهند وتايلاند. وتنقل هذه العوامات البيانات إلى 26 مركزًا وطنيًا للمعلومات (بداية من سنة 2015)، فضلا عن المركز الأمريكي للتحذير في هاواي ووكالة الأرصاد الجوية اليابانية. بعد ذلك، تستخدم الحكومات الوطنية خدمة الرسائل القصيرة ومكبرات الصوت في المساجد وصفارات الإنذار لتحذير المواطنين.

على الرغم من أن هاري يه أكد على أن الحزام المتاخم للدول المجاورة لمنطقة المحيط الهادي أكثر عرضة للخطر، إلا أنه حذر أيضا من موجات التسونامي التي قد تؤثر على "بعض المناطق الساخنة في المحيط الهندي والجزء الشرقي من إيران وباكستان". في الحقيقة، هناك أدلة تاريخية تشير إلى إمكانية حدوث التسونامي بداية من هذه المناطق، حيث توجد منطقة اندساس يمكن أن تولد زلزالًا كبيرًا.

وفقا لتقارير وكالة رويترز، أظهرت الاستجابة لزلزال 2012 الذي ضرب شمال إندونيسيا تحسنًا في هذا المجال في المنطقة. استخدمت سريلانكا زر "إجلاء التسونامي" القابع في غرفة التحكم في حالات الطوارئ في كولومبو لتنبيه 75 برج إنذار، مما أدى إلى إجلاء 3 ملايين شخص في غضون 20 دقيقة. في بانكوك، يمكن أن ينسق المركز الوطني لمواجهة الكوارث في تايلاند مع المقاطعات الساحلية، حيث تنبه صفارات الإنذار الناس إلى ضرورة إخلاء المنطقة من خلال الطرق المعمول بها.

تعد تشيلي المرجعية والمعيار الأمثل لكل الدول فيما يتعلق بالاستعداد لمواجهة التسونامي

خلال الأسبوع الماضي، أثار التسونامي في إندونيسيا موجة من الانتقادات للنظام الوطني هناك، حيث اعتمد على 22 عوامة استشعار غير وظيفية. وقد ضرب الزلزال على طول ساحل جزيرة سولاوسي الإندونيسية، بعيدًا جدًا عن مستشعرات المحيطات، وفشل نظام الإنذار في الوصول إلى معظم مرتادي الشواطئ في الوقت المناسب. وفي بلدة بالو، أصبح 70 ألف شخص على الأقل بلا مأوى. على مقربة من بالو، وفقاً لبيانات فون هيليبراندت-أندرادي، كانت بيانات محطات قياس مستوى سطح البحر متاحة للسلطات الإندونيسية ولكن ليس للمجتمع الدولي وللناس داخل البلد، مما أدى إلى خلق حالة خطيرة من انعدام الوعي الظرفي.

في أوائل أيلول / سبتمبر، نسقت اللجنة الأوقيانوغرافية الحكومية الدولية عملية إجلاء في إطار محاكاة لزلزالين قبالة سواحل إيران وشمال سومطرة. علاوة على ذلك، قامت العديد من الدول 24 النشطة في النظام، بما في ذلك الهند وإندونيسيا وإيران وباكستان، بعمليات الإخلاء، التي شملت 115000 شخص.

صور قوارب الصيد التي تعرضت لحادثة "جنوح" جراء تسونامي في ميناء كوكيمبو، شمال سانتياغو، تشيلي. في 17 من أيلول/سبتمبر 2015، تم إجلاء مليون شخص في تشيلي بعد الزلزال الذي ضرب الساحل في المحيط الهادي بقوة 8.3 درجة، مما أدى إلى موجات تسونامي على طول الساحل الشمالي.

التحذير من التسونامي في المحيط الهادي ونظام الحد من الأثار

تحتل الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي موقع الصدارة في المحيط الهادئ، بالإضافة إلى البحر الكاريبي إلى حد ما، وذلك  وفقًا لدييغو أركاس. يقوم مركز التحذير من موجات التسونامي في المحيط الهادئ في هونولولو، الذي أنشئ سنة 1949 بعد الزلزال والتسونامي الذين ضربا جزيرة ألوشيان سنة 1946، بتحليل البيانات وإرسال التحذيرات من التسونامي إلى المراكز والسلطات الوطنية، فضلاً عن المراكز الإقليمية، بما في ذلك المراكز في اليابان والصين ونيوزيلندا وأستراليا وتشيلي وبيرو، وكولومبيا. من هناك، تتدفق المعلومات إلى أنظمة إدارة الطوارئ على مستوى المجتمعات الساحلية.

وفقا لأركاس، تعد تشيلي المرجعية والمعيار الأمثل لكل الدول فيما يتعلق بالاستعداد لمواجهة التسونامي. وأكد أركاس أن "هذا هو السبب وراء وجود نماذجنا الأولية قبالة سواحلها". تمثل النماذج الأولية أنظمة العوامات الأحدث من نوعها، والمعروفة باسم "دارت فور جي". وتجدر الإشارة إلى أن تشيلي تستضيف  ثلاثة من العوامات الخمس دارت فور جي، التي تعمل على مستوى العالم.

يعقد العلماء والخبراء في المنطقة اجتماعات رفيعة المستوى للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن مصادر الزلازل التي ينبغي رصدها، مع تجنب البقع العمياء أو الإفراط في التركيز على خندق واحد

قبل إصدار الجيل الرابع، إذا تم نشر عوامات دارت على مقربة كبيرة من مصدر تسونامي، فإن الضوضاء السيزمية المرتفعة لن تسمح بوصول إشارات التسونامي الهيدروديناميكية. بالنسبة لعوامات الجيل الرابع، تقوم الخوارزمية بحجب الضجيج الزلزالي، مما يسمح بوضع العوامة على مسافة أقرب بنحو 80 بالمائة وتعطي ما يقرب عن 20 دقيقة أخرى للتحذير.

في تشيلي، يتم تنشيط أنظمة الإنذار المبكر بما في ذلك الإنذار والرسائل النصية التي تحمل عبارة "الإخلاء إلى منطقة آمنة" في حالات الزلازل التي تفوق 7 درجات من مقياس ريختر. في المقابل، يعتبر العديد من الخبراء أن اليابان هي الأكثر استعدادًا (وربما الأكثر تعرضًا للخطر)، حيث أنها مجهزة بجدران محاذية للبحر عالية ونظام إنذار مبكر من أمواج التسونامي الناتجة عن الزلازل المحلية بالإضافة إلى الكوارث الإقليمية.

 
رجل يحمل لافتة طريق تحيل إلى عملية الإجلاء من التسونامي بينما يمشي الناس نحو منطقة أمنية خلال تدريبات الطوارئ حول الزلزال والتسونامي، مدينة كاب هايتيان، هايتي، في 6 أيار/مايو 2016.

نظام الإنذار بالأخطار الساحلية والتسونامي في منطقة البحر الكاريبي والمناطق المجاورة

مع مشاركة 48 بلدا وإقليمًا، تكافح المنطقة لتلافي نقاط الضعف الناتجة عن النمو السكاني وانتعاش السياحة في المناطق الساحلية، وذلك وفقًا لليونسكو. في منطقة الكاريبي، كان التغيير في القدرة على الاستجابة منذ سنة 2004 صارخًا. وفي هذا الشأن، صرحت فون هيليبراندت-أندرادي، قائلة: "لقد وفرت كل شبكة سيزمية واحدة البيانات التي يحتاجها المركز للتوصل إلى تنبؤات وإصدار هذه التنبيهات الأولى".

في الواقع، تتم مشاركة جميع البيانات بشأن مستوى سطح البحر المجمعة من 80 محطة، مما يجعل متوسط انتظار وصول التحذيرات في منطقة البحر الكاريبي ينخفض من 15 دقيقة إلى أقل من خمسة دقائق، وفي كثير من الأحيان أقل من ثلاثة دقائق. بالإضافة إلى ذلك، يعقد العلماء والخبراء في المنطقة اجتماعات رفيعة المستوى للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن مصادر الزلازل التي ينبغي رصدها، مع تجنب البقع العمياء أو الإفراط في التركيز على خندق واحد، وذلك بالرجوع إلى فون هيليبراندت-أندرادي.

كتب كل من إيديه بيرنارد وفاسيلي تيتوف دراسة تحت عنوان تطور أنظمة وآليات الإنذار من التسونامي، ولتي نُشرت سنة 2015 في مجلة المعاملات الفلسفية، وهي مجلة علوم رياضية وفيزيائية وهندسية تابعة للجمعية الملكية في لندن

 

 

 

نظام الإنذار من التسونامي في شمال شرق المحيط الأطلسي وحوض البحر الأبيض المتوسط

أنشأ هذا المشروع، الذي أقرته اللجنة الأوقيانوغرافية الحكومية الدولية سنة 2005 بتنسيق من اللجنة واليونسكو. ويشمل نظام شمال شرق المحيط الأطلسي والبحر المتوسط 39 دولة. وكما هو الحال بالنسبة لأنظمة الإنذار الأخرى الخاصة بالتسونامي، تراقب عدة دول (فرنسا واليونان وإيطاليا والبرتغال وتركيا) البيانات مع التركيز على التأثيرات الإقليمية وإرسالها إلى الدول على طول سواحل البحر الأبيض المتوسط. في إيطاليا، يقوم النظام الوطني للتحذير من التسونامي بتحليل البيانات الزلزالية في الوقت الحقيقي من ثم يتم تقييم مخاطر حدوث تسونامي في البحر أو على طول الساحل بعد وقوع الزلزال. ويساهم هذا النظام في نشر رسائل تحذيرية، عقبها تصدر إدارة الحماية المدنية رسائل تنبيه تطال جميع السكان.

في البرتغال، حيث لا تزال الذاكرة التاريخية تسترجع جيدا زلزال لشبونة المدمر وأمواج التسونامي القوية سنة 1755، يستطيع المعهد البرتغالي للبحر والغلاف الجوي، الذي يستخدم المئات من أجهزة الاستشعار على طول الساحل البرتغالي، أن يكتشف الزلازل في المنطقة ويمرر البيانات بالترتيب لتنبيه الأشخاص المعرضين للخطر في غضون 8 دقائق. وتجدر الإشارة إلى أن النظام البرتغالي قادر على توجيه تحذيرات للعديد من الدول مثل موريتانيا والمغرب وأيرلندا والمملكة المتحدة وفرنسا.

المصدر: فورين بوليسي