بعد النجاح الكبير الذي حققته حركة مقاطعة "إسرائيل" على مستوى العالم، في عزل دولة الاحتلال وإصابة اقتصادها محليًا ودوليًا في مقتل، بدأت "إسرائيل" في البحث عن طرق التفافيه تسابق بها الزمن لكبح جماح الـ"BDS"، ومعالجة تأثيرها القوي الذي هز صورتها وكشف قُبحها أمام العالم. 

"إسرائيل" اتخذت خطوات صارمة في التعامل مع أعضاء الـ"BDS"، شملت الطرد والملاحقة القانونية وإنهاء عقود شركاتهم ومؤسساتهم، وحتى السعي لحصارهم ماليًا واجتماعيًا، إلا أن النتائج كانت دائمًا تصب في صالح أسهم حملات المقاطعة، من تعاطف ومساندة ودعم من دول العالم، فيما جنت ولا تزال تجني "إسرائيل" الخسائر والفضائح والغضب الدولي تجاهها. 

دولة الاحتلال وقفت عاجزة عن التصدي لهذا المشروع الذي فضح صورتها الخبيثة وكبد اقتصادها خسائر تقدر بمئات ملايين الدولارات، فلجأت إلى خلق ذراع سرية لمحاربة حملات المقاطعة "BDS"، للتخلص منها بطرق غير مشروعة وخارجة عن القانون، وهو"كيلاع شلومو". 

بموجب قرار اتخذته الحكومة الإسرائيلية، العام الماضي، تم رصد ميزانية بمبلغ 128 مليون شيكل من خزينتها لهذا المشروع

"مقلاع سليمان" أو ما تعرف عند الوسط العبري باسم "كيلاع شلومو"، أصبحت الذراع التي يراهن عليها الإسرائيليون، وقدمت لها ملايين الدولارات من تل أبيب وواشنطن، حتى تنجح في تحقيق أهدافها بمواجهة حملات المقاطعة والتصدي لها بكل قوة، وإعادة تلميع وجه "إسرائيل" القبيح. 

ذراع "إسرائيل" السري 

تم كشف النقاب عن قيام الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ مشروع "مقلاع سليمان"، ليشكل الذراع المدنية لوزارة الشؤون الإستراتيجية التي يتولاها وزير الأمن الداخلي غلعاد إردان، ويهدف لتنفيذ ما يصفه العاملون فيه بـ"أنشطة وعي الجماهير"، وهي أنشطة ضد حركة مقاطعة "إسرائيل" وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها (BDS) وأنشطة مناهضة لسياسة "إسرائيل" ضد الفلسطينيين.  

وبموجب قرار اتخذته الحكومة الإسرائيلية، العام الماضي، تم رصد ميزانية بمبلغ 128 مليون شيكل من خزينتها لهذا المشروع، وتقرر جمع مبلغ مشابه من متبرعين، ليشاركوا في مواجهة ما تصفه "إسرائيل" بحملة ضد نزع الشرعية عنها في العالم، والحلبة المركزية التي تجري فيها هذه الحملة هي حلبة الإنترنت، حيث يفترض بالمشاركين في الحملة إنتاج خطاب "من خارج الحكومة" وإنشاء بنية تحتية لمواجهة منتقدي "إسرائيل". 

وكشفت مجلة "العين السابعة" العبرية، أن صندوقين أمريكيين قدما تبرعات لهذا المشروع، وهذان الصندوقان يمولان عادة منظمات إسرائيلية يمينية متطرفة، واتضح من تقرير قدمه هذا المشروع أنه حصل العام الماضي، على ثلاثة ملايين شيكل من الصندوقين الأمريكيين اللذين يتبرعان عادة لمنظمات اليمين والمستوطنين. 

في حين أفادت مجلة "Forward" اليهودية بأن مندوبي وزارة الشؤون الإستراتيجية توجهوا إلى يهود في الولايات المتحدة، واقترحوا عليهم تنفيذ مهمات وحملة دعائية للتأثير بتمويل "مقلاع سليمان"، وأن أربع منظمات يهودية مركزية على الأقل تحفظت على هذه الاقتراحات ورفضت أخذ أموال من هذا النوع. 

وقالت "العين السابعة" إنه يرجح أن التغطية الإعلامية النقدية لـ"مقلاع سليمان" والتحفظ منه، أدت إلى تغيير اسم المشروع من "مقلاع سليمان" إلى اسم لا يحمل شحنة سلبية وهو "كونتسيرت".  وتعد "الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل" المعروفة اختصارًا بـ"BDS"، الحراك الأوسع انتشارًا على نطاق العالم فيما يتعلق بالدعوة للمقاطعة وسحب الاستثمارات من "إسرائيل" وفرض عقوبات عليها، حتى تنصاع للقانون الدولي والمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان التي تضمن للفلسطينيين حقهم في تقرير مصيرهم وتسمح بعودة اللاجئين، حسب ما جاء في نص إعلان الحركة التي تم تأسيسها عام 2005. 

ألحقت حركة المقاطعة الدولية بالاحتلال الإسرائيلي خسائر اقتصادية فادحة، عقب فسخ عقود بقيمة 23 مليار دولار، وتراجع قيمة صادراته إلى نحو 2.9 مليار دولار، في ظل توقع خسارة ما بين 28 و56 مليار دولار بالناتج القومي الإسرائيلي، حسب ناشطين في حركة (BDS). 

يقول رئيس حملة التضامن مع فلسطين كامل الحواش:  "هناك تحديات تواجه حملة (BDS) أولها أن الاحتلال خصص وزارة ووزيرًا ومبالغ كبيرة لمناهضة هذه الحملة، والضغط على أمريكا وبعض الحكومات الأوروبية لتجريم هذه الحملة من الناحية القانونية"

أحرزت الحملة تقدمًا في الولايات المتحدة وبريطانيا والغرب عمومًا، وتنشط بشكل قوي في الجامعات الأمريكية والبريطانية، حيث يعتقد نحو ثلث الأمريكيين أن المقاطعة أداة شرعية لممارسة الضغط على "إسرائيل".

تأثير قوي وعزل لـ"إسرائيل" 

في هذا السياق، يقول رئيس حملة التضامن مع فلسطين كامل الحواش: "هناك تحديات تواجه حملة (BDS) أولها أن الاحتلال خصص وزارة ووزيرًا ومبالغ كبيرة لمناهضة هذه الحملة، والضغط على أمريكا وبعض الحكومات الأوروبية لتجريم هذه الحملة من الناحية القانونية"، لافتًا إلى أن هناك 20 ولاية أمريكية سنت قوانين تجرم التعامل مع حملة المقاطعة. 

وأوضح حواش أنه "من ناحية أخرى الاحتلال يحاول تعريف أن من يتعامل مع هذه الحملة يعادي السامية"، منبهًا إلى أن من يفهم من الأوربيين واقع الشعب الفلسطيني وما حصل لهم يصر أكثر على تفعيل حملة المقاطعة لأنها حملة سلمية أخلاقية للضغط على الاحتلال، ولكن الأهم من التأثير المادي، وفق الحواش، هو تأثير حملة المقاطعة على سمعة الاحتلال دوليًا وفضح انتهاكاته والضغط على الشركات التي تتعامل معه وإحراجها. 

بدوره اعتبر المختص في الشأن الإسرائيلي علاء الريماوي، أن حملات المقاطعة تشكل حالة عزل للاحتلال الإسرائيلي، والتأثير عليه بالعالم شعبيًا وأنها نجحت في خلق رأي عام ضاغط ضد الاحتلال على مستوى المؤسسات الثقافية والأكاديمية والصناعية وعزل الاحتلال. 

وقال الريماوي إن "الاحتلال كان مستاءً من نجاح بعض المقاطعات خاصة في الجانب الثقافي في أمريكا والنقابي في أوروبا، ما أثر بشكل عام على شرعية الاستيطان بالضفة بعد أن أوقفت العديد من الشركات استثماراتها فيها". 

إلا أنه ذكر أن حدوث تطبيع عربي مع الاحتلال، يعني حدوث خسارة على حساب أي حملات للمقاطعة، إذ تتذرع بعض الدول الإفريقية بعدم مقاطعتها للاحتلال نظرًا لوجود أنظمة عربية رسمية تسوق لهذه الحالة. 

كشفت دراسة إسرائيلية، الإنجازات التي حققتها حركة "BDS" منذ انطلاقها قبل 13 عامًا، وخلصت إلى أن الحركة أغضبت "إسرائيل" وعقّدت مكانتها وخاصة في الولايات المتحدة

ومن الواضح أن الاحتلال لا يستطيع الصمت أمام حالة نجاح حملة (BDS)، وفق الريماوي، لذا يطلب من أمريكا التضييق على القائمين على الحملة، وكذلك من أوروبا، وهو يأتي في سياق أن ارتفاع حالة مواجهة الاحتلال على الساحة الدولية ستكون حالة متدحرجة. 

بدوره، يقول الكاتب والمحلل السياسي سامر أبو العنين، إن "حملة (BDS) من أنجح وسائل مقاومة الاحتلال، لأنها تعتمد على مخاطبة ضمير الرأي العام الذي لا يحتاج إلى قرار سياسي بل لسلوك فردي تحدده جرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، فيقرر الفرد عدم التعاون مع الاحتلال".

ويضيف أبو العنين أن "نجاح الحملة ملحوظ ويؤلم الاحتلال من الناحية المالية، وكذلك الأخلاقية بعد أن فضحت جرائمه"، منوهًا إلى أن الصعوبات التي تواجه الحملة هي الافتراءات والاتهامات الموجهة إليها. 

ومع ذلك فشل الاحتلال، كما يعتقد أبو العنين، في مواجهة حملات المقاطعة رغم كل ما يقوم به من حملات مضادة في إقناع بعض الشركات للتحايل على الرأي العام وإيهامهم أن منتجاته ليس منتجات مستوطنات، وعلى الصعيد الدبلوماسي لم يستطع إقناع المسؤولين الأوروبيين بتقويض نشاط حملات المقاطعة.  بيد أنه أشار إلى وجود تفاعل كبير من الرأي العام الأوروبي مع مقاطعة الاحتلال والمشاركة في فعاليات حملات المقاطعة، ما يعني أن الحملة حققت نجاحات كبيرة. 

دراسة تكشف المستور 

وفي 12 من سبتمبر الماضي، كشفت دراسة إسرائيلية، الإنجازات التي حققتها حركة "BDS"، منذ انطلاقها قبل 13 عامًا، وخلصت إلى أن الحركة أغضبت "إسرائيل" وعقّدت مكانتها وخاصة في الولايات المتحدة، وأحرجت بعض الدول العربية في توجهها نحو التطبيع، والسلطة الفلسطينية بملف التعاون الأمني. 

وأشارت الدراسة التي أعدها الباحث نتان ترول، ونشر استنتاجاتها موقع "محادثة يومية" اليساري، إلى أن حركة المقاطعة "أسهمت في تغيير بيئة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي"، إلى جانب أنها قلصت قدرة "إسرائيل" على الاستفادة من التحولات الإقليمية، وعقّدت مكانتها الدولية، وأضرت بعلاقتها مع يهود العالم وتحديدًا الولايات المتحدة. 

خلصت الدراسة إلى أن أحد أهم الإنجازات التي حققتها حركة المقاطعة  أنها وجهت ضربة قوية لفكرة حل الدولتين

ورأت الدراسة أن أهم الإنجازات التي حققتها الحركة، تتمثل في "إحداث تحول على صعيد الجدل العالمي بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي"، موضحة أن وجود الحركة يمثل أهم عائق أمام توجه بعض الدول العربية، لإلغاء مقاطعتها لـ"إسرائيل"، ورفع القيود على التطبيع معها، ناهيك عن أنها أحرجت السلطة الفلسطينية، بسبب إصرارها على التعاون الأمني والاقتصادي مع "إسرائيل". 

ولفتت الدراسة إلى أن "إسرائيل" غاضبة بسبب جهود الحركة الهادفة إلى شيطنتها لا سيما أمام الأوساط الليبرالية في العالم، معتبرة أن أنشطة الحركة مثلت "صفعة قوية" لقوى اليسار الإسرائيلي، على اعتبار أنها تركز بشكل خاص على مظاهر الفصل العنصري التي تمارسها "إسرائيل" ضد الفلسطينيين ويتجاهلها هذا اليسار. 

وخلصت الدراسة إلى أن أحد أهم الإنجازات التي حققتها حركة المقاطعة أنها وجهت ضربة قوية لفكرة حل الدولتين التي يتشبث بها الكثير من الأطراف، من خلال محاججتها بأن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، لن يكون كافيًا، إذا لم يتم منح اللاجئين الفلسطينيين حقوقهم، وتحقيق المساواة بين اليهود والفلسطينيين داخل "إسرائيل".