الخميس الماضي طالت أزمة صحية رامون بليكوا سفير الاتحاد الأوروبي لدى بغداد، بعدما أصيب بتسمم جراء المياه الملوثة في مدينة البصرة (550 كيلومتر جنوبي العراق)، بحسب ما نشر في تغريدة عبر حسابه على تويتر.

كتب بليكوا في تغريدته: "شَخَّصَ طبيب اليونيسف الحالة أنها بسبب تلوث المياه، لم أكن أنوي الذهاب إلى هذا الحد بالتضامن مع أهل البصرة، ولكن الأكيد أنني أشارككم شعوركم الآن".

وقبل أسبوعين أعلن مهدي التميمي مدير مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في البصرة "ارتفاع حالات التسمم جراء تلوث مياه الشرب إلى 60 ألف حالة"، مطالبًا وزارة الصحة بكشف نتائج الفحوصات للإصابات جراء تلوث المياه واتخاذ الإجراءات الوقائية بأقصى سرعة ممكنة.

وهذه مؤشرات خطيرة على استمرار الأوضاع المزرية في مدينة البصرة رغم الوعود الحكومية واللجان الوزارية التي شكلها رئيس حكومة تصريف الأعمال حيدر العبادي.

وهنا - ومع استمرار الحالة المؤلمة في البصرة - نجد من يتساءل: هل انتهت مظاهرات البصرة؟

هذا السؤال البسيط والمعقد لا يمكن الجواب عنه بسهولة، وربما هنالك من يقول إنه - وسط هذه الأجواء البوليسية، ومع انتشار الميليشيات وبقاء القوة بيد أطراف خارجة عن القانون وانتشار المغريات -  فإن مظاهرات مدينة البصرة الجنوبية العراقية انتهت.

الدولة لم تقدم حتى اللحظة ما يؤكد جديتها في انتشال البصرة - ومجمل مدن الجنوب - من واقعها المزري

المواطن البصري لم يجن أي ثمرة للوعود الحكومية، وقبل أيام كشفت النائب ماجدة التميمي - وهي من أشجع النواب في الدورة البرلمانية الماضية والحاليّة -  بأنه "في زمن حكومة العبادي التي تدعي أنها جاءت للقضاء على الفساد، هنالك ستة آلاف مشروع وهمي صرف عليها 228 تريليون دينار عراقي" وهذا يعني أن الفساد هو الآكلة الحقيقية للدولة العراقية، فالدولة لم تقدم حتى اللحظة ما يؤكد جديتها في انتشال البصرة - ومجمل مدن الجنوب - من واقعها المزري، ولهذا تستمر مهزلة الوعود الحكومية بمشاريع جديدة لا تختلف عن سابقاتها إلا من حيث التوقيت!

وبالعودة إلى التساؤل الكبير: هل انتهت مظاهرات البصرة؟ الآن هنالك شبه هدنة "تكتيكية" بين المتظاهرين والحكومة المحلية وحكومة بغداد، لأن الظروف الميدانية تغيرت، وبالذات مع تأكيد محافظ البصرة في جلسة البرلمان الطارئة قبل شهر تقريبًا أن "الميليشيات هي التي أحرقت المقار التابعة للأحزاب والمليشيات"، وربما حتى القنصلية الإيرانية، وكل ذلك من أجل إجهاض المظاهرات، وخلط الأوراق في البصرة، وعليه فإن هذا العبث في المشهد الأمني، الذي يُراد منه توجيه أصابع الاتهام للمتظاهرين يُعد من أخطر مراحل الانعطاف في تاريخ المظاهرات العراقية بعد عام 2003 وحتى اليوم!

تحكم المليشيات في المشهد الأمني الجنوبي، واليوم انتقل هذا التغول المليشياوي من الملف الأمني إلى الملف السياسي

ويوم أمس الجمعة أكد النائب عن محافظة البصرة رامي السكيني في تصريح صحفي أن البصرة تعاني من نقص بالخدمات وانقطاع الكهرباء، على الرغم من اعتبارها من أهم المحافظات اقتصاديًا في العراق، وأبناؤها يعيشون تحت خط الفقر.

اليوم ما زال هنالك العديد من الروافد التي تمد مظاهرات البصرة بالدماء الجديدة والمشاعر الدافعة للمضي قدمًا في الاستمرار، ومنها:

- ضعف الدولة في تقديم الخدمات للمتظاهرين الذين خرجوا من أجل مطالب إنسانية واضحة متمثلة في توفير الماء الصالح للشرب والطاقة الكهربائية وتوفير فرص العمل للعاطلين من شباب البصرة وبقية مدن الجنوب.

- مظاهرات البصرة خرجت بفاتورة باهظة الثمن، من حيث عدد المغدورين من الشهداء والجرحى؛ وعليه - ونحن نعرف بأن المجتمع البصري هو مجتمع عشائري - لا يمكن إطفاء هذه الثارات العشائرية بخطاب أو وعود خدمية أو قضائية من هذا المسؤول في الدولة أو ذاك.

رغم "تخوّف" بعض نشطاء البصرة من عمليات الاعتقال والمطاردة، بتهمة الترويج للمظاهرات والعبث بأمن المدينة، فإنهم أكدوا تجدد التظاهرات بصورة أوسع بعد انتهاء المهلة التي منحوها للحكومة، التي من المقرر أن تنتهي في غضون الأسبوعين المقبلين

- تحكم المليشيات المشهد الأمني الجنوبي، واليوم انتقل هذا التغول المليشياوي من الملف الأمني إلى الملف السياسي، وهذه تُعد من أكبر عوامل تأجيج الشارع الجنوبي ضد حكومة بغداد التي لم تفلح في حصر السلاح بيد الدولة.

- تنامي التأثير الإيراني عبر النفوذ السياسي والجوار الجغرافي، وبالمقابل صار البصريون أنفسهم على قناعة تامة بأن إيران كانت سببًا في تشويه منابع وروافد شط العرب، وكذلك التسبب في تلويث المياه المليئة بالأمراض التي ربما كانت سببًا في انتشار السرطانات في البصرة وغيرها، فضلًا عن حقائق انتشار المخدرات وحبوب الهلوسة وغيرها من أنواع الحبوب الفاتكة بفكر وعقول شباب أهل الجنوب عمومًا، وجميعها مهربة من إيران!

ورغم كل الحقائق القائمة والمؤكدة للظلم في البصرة انطلقت قبل أسبوعين حملات انتقامية لتحجيم دور الناشطين المدنيين في المدينة، وقد نفذت عصابات إجرامية قبل عشرة أيام جريمة اغتيال الناشطة سعاد العالي وسط مدينة البصرة بعد خروجها من أحد المطاعم، في منطقة العباسية بالبصرة، حيث اقترب منها شخص، ثم أطلق الرصاص عليها بينما كانت تستقل سيارتها، حسبما أظهر مقطع مصور انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

وبعدها بأسبوع تقريبًا تم اغتيال أحد الناشطين المدنيين في مظاهرات البصرة، وهو معاون طبيب في مستشفى الصدر في البصرة وذلك بعد خروجه من الدوام الرسمي بواسطة سيارة مضللة ودون لوحات أرقام!

ورغم "تخوّف" بعض نشطاء البصرة من عمليات الاعتقال والمطاردة، بتهمة الترويج للمظاهرات والعبث بأمن المدينة، فإنهم أكدوا تجدد التظاهرات بصورة أوسع بعد انتهاء المهلة التي منحوها للحكومة، التي من المقرر أن تنتهي في غضون الأسبوعين المقبلين.

أتصور أن مظاهرات البصرة يمكن أن تنتهي حينما تتعامل الحكومة بالعدل في توزيع خيرات البلاد بين المواطنين، ويتم توزيع تلك الخيرات بالتساوي، عبر توفير الطاقة الكهربائية والمياه الصالحة للشرب والطرقات المعبدة والعناية بالجوانب الصحية والخدمية، حينها يمكن أن تكون هذه البوادر الحكومية مهدئات حقيقية وناجعة لطمأنة أهالي البصرة والجنوب - وربما جميع سكان المدن العراقية - أما بقاء الحال واستمرار الفوضى المالية والخراب المالي والإداري، ومع ذلك تحاول الحكومات فرض إرادتها بخطابات غير جدية وبقوة السلاح، فاعتقد أن العراقيين وصلوا إلى مرحلة لم تعد للمخاوف من السلاح الحكومي والبندقية غير الرسمية أيّ مكان في عقولهم وأفكارهم بدليل المظاهرات الأخيرة في البصرة التي خرجت رغم الأجواء البوليسية، ورغم التهديدات، وبالتالي أرى أن الكرة الآن بملعب حكومة بغداد "الجديدة" حيث يمكنها أن تُنهي الفوضى عبر حزمة إصلاحات حقيقية تقود إلى بتر الحالة المزرية في عموم البلاد!

لا أظن - بحسب اطلاعي وقراءتي للمشهد العراقي - أن حكومة بغداد "الجديدة" يمكنها أن تنجح في إنهاء هذه الملفات المعقدة ذلك لأن الخلل كبير في مجمل مفاصل الدولة العراقية، وانتشار المحسوبية والإسناد الحزبي للكثير من الفاسدين والمجرمين، وبهذا أتوقع أن المظاهرات ستبقى قائمة في العراق إلى حين وجود حكومة وطنية عملية شعارها العمل، ثم العمل، ثم العمل!