ترجمة وتحرير: نون بوست

مع انهيار تنظيم الدولة، قد تظهر إحدى فروعه لتصبح أكثر فتكا ونشاطا، ليتجاوز نفوذها تأثير تنظيم الدولة نفسه خلال أوج قوته سنة 2015. ونظرا لوجود الكثير من المجموعات التابعة لتنظيم الدولة في جميع أنحاء العالم، تعتبر العديد من الأطراف المتنافسة على خلافة تنظيم الدولة كأخطر مجموعات إرهابية في العالم.

علاوة على ذلك، يمكن للعديد من العوامل أن تعجّل بظهور فرع جديد لتنظيم الدولة، بما في ذلك الضعف النسبي للأجهزة الأمنية في المنطقة التي ينشط فيها الإرهابيون. من هذا المنطلق، يصعب التعرف على الجهة الفرعية التي يمكن أن تشكل تهديدا رئيسيا. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب قياس الخطر فهماً جيداً لقدرات هذه الفروع، ومدى توفر الملاذات الآمنة، وسهولة إعادة تعبئة مواردها.

في الحقيقة، يُقدّم ظهور تنظيم القاعدة في جزيرة العرب مخططا لكيفية صعود تنظيم الدولة المقبل، المتمثل في الجماعة الجديدة التي ستهيمن على المنطقة. تجدر الإشارة إلى أن تنظيم الدولة ظهر في جزيرة العرب بعد عقد من بداية تعرض تنظيم القاعدة في أفغانستان، الذي كان يقوده أسامة بن لادن، لحملة عدوانية متواصلة لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

من بين أكثر من ستة فروع تابعة لتنظيم القاعدة، برز تنظيم القاعدة في جزيرة العرب كأكثر الجماعات تصميماً على استهداف الغرب

تشكّل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب بعد دمج شبكاته المتواجدة في كل من السعودية واليمن سنة 2009. وبعد عدة سنوات، تحصل زعيم التنظيم، ناصر عبد الكريم الوحيشي، على ترقية ليصبح قائده. وقد استخدم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب علاقته بأعضاء قيادية في تنظيم القاعدة في أفغانستان كأداة تم توظيفها لإقناع المتطرفين للانضمام إلى صفوفه.

من بين أكثر من ستة فروع تابعة لتنظيم القاعدة، برز تنظيم القاعدة في جزيرة العرب كأكثر الجماعات تصميماً على استهداف الغرب. وفي الوقت الذي ظل فيه تنظيم القاعدة في أفغانستان لسنوات دون أن يشن هجوما مهما ضد الغرب، تمكن فرع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب من شن العديد من الهجمات، التي لم تسبب خسائر، ضد شركات الطيران الأمريكية. وقد شملت هذه الهجمات المخطط التفجيري الشهير في سنة 2009 ومؤامرة أخرى سنة 2010 استهدفت طائرات شحن محملة بخراطيش حبر الطابعات تحتوي على متفجرات.

فضلا عن ذلك، تم اعتبار تنظيم القاعدة في جزيرة العرب بمثابة تهديد كبير. وقد أشار إليه مدير المخابرات الأمريكية السابق، ديفيد بتريوس، في إحدى المرات إلى أنه أهم الجهات المنفذة للهجمات الإرهابية، مؤكدا أن إبراهيم حسن عسيري هو "أخطر رجل في العالم". وبحسب ما أفادت به بعض المصادر، قُتل العسيري خلال غارة بطائرة دون طيار في اليمن في شهر آب/ أغسطس الماضي.

تتجلى الجوانب المهمة الأخرى لنجاح تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في التطور المستمر للدعاية الجهادية والتواصل الإعلامي، ويعود ذلك إلى ظهور رجل الدين الأمريكي المتطرف، أنور العولقي، الذي تمكن من حشد عدد هائل من المؤيدين المتطرفين في أنحاء العالم قبل موته سنة 2011. وقد تواصل أحد أتباع العولقي ويدعى، نضال حسن، وهو طبيب نفسي مجند في الجيش الأمريكي، مع هذا المتطرف عبر البريد الإلكتروني لمدة تزيد عن سنة قبل أن يشن هجوما مسلحا متسببا في مقتل 13 شخصا، في قاعدة فورت هود العسكرية الواقعة في ولاية تكساس سنة 2009.

يعد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب أبرع فرع في تحقيق التوازن الفعال بين الأهداف المحلية والعالمية

في الواقع، لا يزال تأثير العولقي حاضرا على شبكة الإنترنت، حيث يُلهم أجيالا جديدة من الإرهابيين لاستهداف الغرب. وقد استخدم العديد من أبرز مرتكبي الهجمات الإرهابية على الأراضي الأمريكية، على غرار تفجيريْ ماراثون بوسطن، ومهاجمو سان برناردينو، وأحمد رحماني الذي شن هجمات في كل من نيويورك ونيوجيرسي، دعاية جهادية استخدموا فيها العولقي كمرجع.

يعد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب أبرع فرع في تحقيق التوازن الفعال بين الأهداف المحلية والعالمية. وفي هذا الصدد، قال الباحث في الإرهاب،  دانيال بايمان، إن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب يُراعي القضايا التي تهم السكان المحليين، بما في ذلك التعقيدات القبلية في اليمن. ومن الواضح أن تنظيم القاعدة كان يظهر تعاطفا مع المظالم المحلية والهويات القبلية، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه "قد تعلم دروسا حول احترام القومية علّمها بدوره لفروعه". وفي اليمن، حافظ المتطرفون على علاقات جيدة مع القبائل المحلية وكانوا مرنين في فرض الشريعة، حيث تم التخلي عن القوانين الأكثر قسوة التي سبق وأن طبقها تنظيم الدولة.

لكن، حتى مع تركيزه على القضايا الأكثر أهمية بالنسبة لرجال القبائل اليمنيين، ظل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب قادرا على لعب دور في هجمات "شارلي إبدو" في باريس، التي جدت في مطلع سنة 2015. كما تحافظ هذه الجماعة على علاقة وثيقة مع حركة الشباب المجاهدين في الصومال. وقد عملت من قبل كوسيط بين الجماعات الأخرى، بما في ذلك حركة الشباب المجاهدين وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وجبهة النصرة.

يمكن أن تساعد العوامل المعروفة التي أدت إلى نجاح تنظيم القاعدة في جزيرة العرب إلى تحديد الظروف التي تسمح لجماعات تنظيم الدولة ببلوغ القدر ذاته من الخطورة. فعندما برزت القاعدة في جزيرة العرب، كان اليمن عبارة عن دولة منهارة، ويشهد حربا أهلية. لكن، وفر هذا البلد مساحات شاسعة من الأراضي، غير الخاضعة لأي سلطة حكومية، للإرهابيين للتدريب وتنظيم وتنفيذ هجمات متطورة ضد الغرب.

يتطلب منع ظهور فرعٍ نشطٍ تابع لتنظيم الدولة في ليبيا تكثيف جهود مراقبة التطورات على أرض الواقع والعمل مع الدول الأوروبية المشاركة التي قد تمتلك معلومات استخبارية مفصلة حول تطور هذه الجماعات

لقد سهّل الوضع السائد في ليبيا بروز تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في الفترة الممتدة بين سنة 2009 و2015. من ناحية أخرى، قد تمتلك ليبيا القدرة على أن تكون ملاذا أكثر خطورة، لهذه الجماعة في المستقبل القريب، نظرا لانتشار الأسلحة وغياب الرقابة، ناهيك عن غياب حكومة معترف بها تعطي أولوية لهذه المسألة. كما تغيب في هذا البلد سلطة ذات سيادة، فضلا عن أنه يعتبر بمثابة نقطة محورية ومفترق طرق للمتطرفين من جميع الأطياف يبعد 200 كيلومترا عن أوروبا.

يتطلب منع ظهور فرعٍ نشطٍ تابع لتنظيم الدولة في ليبيا تكثيف جهود مراقبة التطورات على أرض الواقع والعمل مع الدول الأوروبية المشاركة التي قد تمتلك معلومات استخبارية مفصلة حول تطور هذه الجماعات. ويعتبر الخطر المنبثق من ليبيا أكثر من مجرد تمركز جماعات تابعة لتنظيم الدولة هناك. في الحقيقة، يتعلق الأمر بمزيج من التهديدات المحتملة التي قد تجعل من ليبيا ملاذا آمنا، على غرار ما مثّله اليمن بالنسبة لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب خلال ذروة عملياته.

عموما، إذا كان على الولايات المتحدة حماية نفسها بشكل فعال من الهجمات في الوقت الذي تبادر فيه بشكل استباقي إلى القضاء على ما تبقى من جماعات تنظيم الدولة، فعليها أيضا أن تعمل بجد لمنع صعود فرع آخر تابع لهذه الجماعة يكون أكثر خطورة وقادر على ضرب الغرب.

المصدر: ناشيونال إنترست