في 18 سبتمبر أصدر الرئيس اليمني من منفاه في الرياض قرارًا جمهوريًا رقم (119) للعام 2016م بموجبه أقال مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، وشكل أخرى جديدة، ونقله من العاصمة اليمنية صنعاء إلى عدن العاصمة المؤقتة للحكومة المعترف بها دوليًا.

حينها برر رئيس الحكومة في اليمن، أحمد عبيد بن دغر، الإجراءات التي اتخذتها السلطات السياسية، والمتعلقة بإعادة هيكلة البنك المركزي ونقل مقره من صنعاء إلى عدن، أنها جاءت لإنقاذ الاقتصاد اليمني من الانهيار، ونتيجة أن الحوثيين أوقفوا مرتبات الموظفين في المناطق المحررة، إلى جانب إيقافهم النفقات التشغيلية للمؤسسات الحكومية.

ورغم الاعتراضات حينها من قبل خبراء اقتصاديين نتيجة العواقب التي ستلي إجراءان نقل البنك المركزي وتغيير مجلس إدارته، إلا أن الحكومة تجاهلت تلك التحذيرات ومضت في تنفيذه دون أن تجري دراسة للحد من تلك العواقب، بل توغلت في غيها وذهبت إلى روسيا من أجل طبع عملة جديدة في اليمن دون غطاء نقدي وذهبي لإغراق السوق اليمني بالعملة المحلية.

ووصلت الدفعة الأولى ( 200 مليار ريال يمني) من المبلغ الذي قررت الحكومة اليمنية طبعه وقدره 400 مليار ريال يمني إلى البنك المركزي في يناير 2017، وأرسلت روسيا في نهاية مارس الماضي دفعة جديدة من الأموال اليمنية المطبوعة في روسيا الاتحادية، وقدرها 100 مليار ريال يمني.

سبب تدهور العملة اليمنية

إضافة إلى تلك الأسباب في إن ما سنذكره في السطور التالية،  يعد من أهم أسباب إنهيار العملة اليمنية وتدهور الاقتصاد اليمني.

على رغم تخفيض سعر العملة المحلية أمام الدولار، عجز المركزي اليمني عن السيطرة على أسواق الصرف، إذ اتسعت الفجوة أكثر بين السعرين في السوقين الرسمي والموازي.

عندما اقتحم الحوثيين العاصمة اليمنية صنعاء في الواحد والعشرين من شهر سبتمبر من العام 2014، اتجهت مليشياته إلى مقر البنك المركزي اليمني الذي كان يتواجد فيه نحو خمسة مليارات دولار كاحتياطي نقدي و 1.6 طن من الذهب، ونهبوه ونقلوا أجزاء منها إلى سلطنة عمان ومن ثم الضاحية الجنوبية في بيروت لشراء العقارات الفاخرة هناك، بدأت أسعار العملة الوطنية في التدهور تدريجيًا إلى أن أغرقت الحكومة اليمنية السوق المحلي بالعملة اليمنية الجديدة التي طبعتها في سوريا ومع انعدام الاحتياط النقدي للبنك المركزي اليمني الذي تم نقله إلى العاصمة المؤقتة عدن.

كان الريال استقر عند 215 مقابل الدولار مطلع عام 2012، وبدأ يتهاوى بعد اجتياح جماعة المتمردين الحوثيين العاصمة اليمنية وسيطرتهم على مؤسسات الدولة، ومع إعلان السعودية القيام بعملية عسكرية لدعم الحكومة الشرعية، فتراجع سعر الريال في السوق الموازي إلى 225 للدولار.

 وبحلول 2016، كان سعر الصرف ارتفع إلى 250 ريالاً، ما دفع البنك المركزي إلى خفض قيمة الريال رسمياً، ليقرر في 21 مارس 2016 تخفيض سعر العملة إلى 250 ريالاً للشراء و251 ريالاً للبيع.

وعلى رغم تخفيض سعر العملة المحلية أمام الدولار، عجز المركزي اليمني عن السيطرة على أسواق الصرف، إذ اتسعت الفجوة أكثر بين السعرين في السوقين الرسمي والموازي.

وتراجع سعر الريال أكثر، وبلغ 465 مطلع 2018، ثم 476 خلال فبراير من العام ذاته، واستقر عند 486 منذ مارس الماضي بعد إعلان السعودية تقديم وديعة نقدية إلى اليمن بقيمة ملياري دولار.

لكن فترة الاستقرار لم تدم طويلاً، إذ شهدت العملة اليمنية موجة جديدة من التراجع منذ منتصف يوليو الماضي إلى 495 ريالاً، وتراجعت أكثر إلى 520 ريالاً في 28 يوليو، ووصلت في سبتمبر إلى 800 ريال يمني مقابل الدولار الواحد.

يرتبط تهاوي العملة اليمنية بمناخ الحرب والاقتصاد الكلي، وبتداعيات الصراع وانعكاساته على القطاع المصرفي، إضافة إلى شح موارد النقد الأجنبي ونفاد الاحتياطيات الخارجية والإفراط في الإصدار النقدي ونشاط المضاربين في سوق الصرف، التي تعد من أبرز العوامل الاقتصادية التي تقود أزمة تدهور قيمة الريال اليمني.

تفاقمت معاناة العملة اليمنية مع انقسام المصرف المركزي والمؤسسات المالية بين عدن حيث مقر الحكومة الشرعية وصنعاء الخاضعة للحوثيين

وأدى استنزاف الحوثيين موارد البلاد وتسخيرها للمجهود الحربي، إلى تهاوي احتياطي النقد الأجنبي في البنك المركزي اليمني فرع صنعاء( الرئيسي قبل نقله إلى عدن) إلى 987 مليون دولار (شاملة ودائع البنوك) في سبتمبر مقابل 4.7 مليارات دولار في ديسمبر 2014.

وتفاقمت معاناة العملة اليمنية مع انقسام المصرف المركزي والمؤسسات المالية بين عدن حيث مقر الحكومة الشرعية وصنعاء الخاضعة للحوثيين، وأدى غياب سلطة نقدية موحدة وفعالة على الجهاز المصرفي في كافة مناطق البلاد ضمن عوامل أخرى إلى جعل أدوات السياسة النقدية خارج مسار السيطرة وأربك سياسة سعر صرف.

موقف الحكومة اليمنية

أعلن رئيس الوزراء اليمني أحمد عبيد بن دغر، أن بلاده تمر بأيام عصيبة انهار فيها سعر الريال اليمني ليصل إلى مستويات متدنية خطيرة، أصبحت فيها البلاد على حافة "الانهيار العام".

ودعا بن دغر في اجتماع مجلس الوزراء إلى عقد مؤتمر اقتصادي يمني خليجي على مستوى القمة ينظر في وضع البلاد.

وأشار إلى أن حكومته بذلت جهودا كبيرة عن طريق التعاون مع اللجان الاقتصادية، في ظل ظروف معقدة، وشحة شديدة في الموارد والقليل من الخيارات، ووضعوا ما هو متاح من حلول موضع التنفيذ.

ورأى بن دغر أن الأسباب التي أدت لانهيار العملة الوطنية، هي الحوثيون وأسباب سياسية مستجدة على المشهد اليمني، مؤكدا أن "موقف الحكومة من الدفاع عن مصالح الشعب العليا لن يتزحزح قيد أنملة، وستحافظ على يمن موحد، يمن اتحادي، يمن جديد".

وقال رئيس الحكومة اليمنية، إن حكومته نجحت في استعادة قيمة الريال الذي شهد انهياراً كبيراً خلال الأسابيع الماضية، وهو ما تسبب بحدوث مجاعة في بعض المناطق اليمنية.

وأوضح بن دغر في تصريح في سلسلة تغريدات على صفحته في تويتر، إن حكومته نجحت بالرغم من التهديد والوعيد في وقف انهيار الريال اليمني، وقاومنا سياسة الإقصاء وتمزيق وحدة اليمن"، مؤكداً أن حكومته تحارب للدفاع عن الوحدة اليمنية ضد من وصفهم بدعاة الانفصال.

أحمد عبيد بن دغر وظف انهيار العملة اليمنية لصالحه، وأشار في تغريداته أن الانفصاليين هم السبب في ذلك، لكنه لم يتحدث عن أن حكومته تعد متسببًا رئيسًا في تدهور العملة نتيجة لتلك المرتبات الضخمة التي تدفعها لوزرائها ولمحافظ البنك المركزي اليمني الذي يستلم وحدة مبلغ 34 ألف دولار ونائبه 25 ألفًا و500 دولار.

موقف الحوثيين

الحوثيين هم الأكثر استفادة من انهيار العملة اليمنية، فهم بدأوا بالعمل على توظيف ذلك لصالحهم، ويستفيدون من الأموال التي نهبوها بصرفها على مجهودهم الحربي  وإغراء المواطنين اليمنيين بالأموال من أجل الانضمام إلى صفوفهم مقابل منحهم ما يسد قوت يومهم.

ونتيجة انقطاع المرتبات للموظفين في اليمن منذ نهاية 2015 في عموم بلاد اليمن وزيادة تدهور الوضع الاقتصادي اليمني، واستيلاء الحوثيين على المساعدات الغذائية الدولية والمشتقات النفطية واستغلاليها وبعيها لليمنيين لاستغلال عائدات ذلك من الأموال لما يسمونه المجهود الحربي، فإن المواطن اليمني لم يجد المال لشراء تلك المساعدات مما يجعله يخضع لطلبات الحوثي والتي تقايض أبنائه للذهاب إلى الجبهات مقابل المساعدات أو المال وإن كان يسيرًا فإن رب الأسرة يبحث عن ما يسد قوته اليوم.

الانفصاليون يحاولون استغلال الإخفاق الحكومي سواء الأمني أو الاقتصادي في المناطق المحررة والتي تسيطر عليها الحكومة اليمنية وجماعات أخرى مدعومة إقليميًا وعربيًا ويدعون إلى تمكين أنفسهم لفصل الشمال عن الجنوب.

ويتضح من خلال ذلك عندما يمنع الحوثيين المشتقات النفطية من الدخول إلى المناطق التي يسيطرون عليها؛ إلا بحسب طلب المشرفين الحوثيين لسد حاجتهم في تشغيل المولدات الكهربائية في العاصمة اليمنية، وتزويد سياراتهم الفارهة بالوقود، وكلك ازدهار السوق السوداء بالنسبة للنفط والمواد الغذائية.

يعتقد الحوثيين إنهم بذلك الإجراء سيشكلون ضغط على المواطن اليمني من أجل الخروج للمظاهرات ومطالبة التحالف العربي بوقف الحرب أو الاتجاه إلى جبهات الحرب للقتال في صفوفهم ضد الحكومة الشرعية المعترف بها، لكن ذلك سينعكس عليهم، وهو ما يتضح من خلال المطالبات اليومية من قبل المواطنين للخروج ضد المليشيات الحوثية المدعومة من إيران والمطالبة بإنهء تواجدها في العاصمة اليمنية، لكن الحوثيين يواجهون ذلك بالقبضة الحديدية، وذلك لن يدوم طويلًا لأن الصراع سيتحول بين اليمنيين أنفسهم وبين من يحكمهم لأن القضية ستتحول إلى حياة أو موت.

استغلال الانفصاليين لهذا الوضع

الانفصاليون يحاولن استغلال الإخفاق الحكومي سواء الأمني أو الاقتصادي في المناطق المحررة والتي تسيطر عليها الحكومة اليمنية وجماعات أخرى مدعومة إقليميًا وعربيًا مثل محافظة عدن التي تقسم إلى كيانات مختلفة (انفصاليون ومجلس انتقالي وحزام أمني)، ويدعون إلى تمكين أنفسهم لفصل الشمال عن الجنوب.

وأصدر المجلس الانتقالي الجنوبي في غضون 24 ساعة بيانين متناقضين، الأول كان يدعو إلى مواصلة نضالهم وإعلان الانفصال طالما وأن الرئيس اليمني رفض الانصياع لمطالبهم وتغيير حكومة أحمد عبيد بن دغر.

وقال الانفصاليون في بيانهم الأول: نجد أنفسنا أمام مفترق طرق فإما أن نشق طريقنا نحو مستقبل حر ونعيش بكرامة على أرضنا أو نرتضي لشعبنا الرضوخ لمن لم يكونوا يوما أمناء وحافظين للأمانة وأذاقوه سقم العيش وويلات الفقر والجوع  والمرض منذ تحرير الجنوب وعاصمته عدن وهم يتباهون بتعذيبه وتجويعه وشن حرب الخدمات عليه في محاولة بائسة من اجل إنهاكه وإذلاله وتركيعه.

ودعا المجلس الانتقالي الانفصالي السلطات المحلية في محافظات الجنوب اليمني إلى تحديد موقف واضح من ما أسموها "انتفاضة الجنوب" والانتصار لحقوقه في العيش الكريم وإدارة شؤونه بعيداً عن مافيات الفساد على طريق انتزاع استقلاله وبناء دولته الفدرالية كاملة السيادة على كامل ترابه الوطني وفقاً لحدود 21 مايو 1990م.

وهذا بيان كان واضحًا من خلال مفرداته بأنه يدعو إلى الإجراء الفعلي لإعلان انفصال الجنوب اليمني عن الشمال، وهو ما لم يتم الاستجابة له من قبل أبناء المحافظات الجنوبية، عدى بضع عشرات التي خرجت بعضها بالقوة للمظاهرات رافعة الإعلام التشطيرية.

المجلس الانتقالي الجنوبي لن يتفصل ويبدو أن مشروع الانفصال غير موجود في أبجديات أبناء الجنوب عدى أولئك من لديهم ارتباطات بأجندة خارجية، وهذا ما كان واضحًا من خلال رفض أبناء اليمن في الجنوب الاستجابة لرغبات عيدروس الزبيدي.

أعلنت السعودية  بتقديم منحة للبنك المركزي اليمني بقيمة مئتي مليون دولار "دعما لمركزه المالي"، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء السعودية، بعد 6 أشهر من وديعة سعودية في البنك المركزي اليمني بقيمة 2 مليار دولار.

لكن المجلس الانتقالي سرعان ما تجاهل النشوة التي انتشاها في اليومين الماضيين، ليعود ويعلن أنه مع التحالف العربي ومع قرارات مجلس الأمن في محاربة الإرهاب ودحر الحوثيين، ويعلن في بيانه الثاني دعمه الكامل لحراس الجمهورية وألوية العمالقة والمقاومة التهامية التي تقاتل في الساحل الغربي لليمن ضد المليشيات الحوثية الموالية لإيران.

وأعلن في بيان الثاني المقتضب تسخير كل إمكانيته بما يضمن القضاء نهائياً على المشروع الإيراني في المنطقة، وبما يحمي خطوط الملاحة البحرية والمصالح الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو بيان يعبر عن الضغوط التي تلقاه من قيادة التحالف العربي ومن المجتمع الدولي الذي يرفض تجزئة اليمن.

موقف التحالف العربي

أعلنت السعودية  بتقديم منحة للبنك المركزي اليمني بقيمة مئتي مليون دولار "دعما لمركزه المالي"، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء السعودية، بعد 6 أشهر من وديعة سعودية في البنك المركزي اليمني بقيمة 2 مليار دولار.

ودعا المتحدث باسم التحالف العربي العقيد ركن تركي المالكي، المنظمات الدولية إلى تحويل المبالغ المالية عبر البنك المركزي اليمني لدعم اقتصاد البلاد، موضحًا أن الاقتصاد اليمني يعاني الكثير من الإشكاليات بسبب الأعمال الإرهابية للميليشيات الحوثية.

هي خطو تبدو أن التحالف يعمل على استقرار العملة الوطنية تخوفًا من ارتداد الموج ضده المتمثلة بخروج يمني عارم ضد الحرب في اليمن قد يستغلها الحوثيين لصالحهم، لكن لابد من آلية واضحة لحفظ الاقتصاد اليمني من خلال لجم المفسدين وتحويل المرتبات إلى العملة الوطنية بدلًا من الدولار.

ويمكن للتحالف العربي كونه من يقيد الحرب في اليمن وهو من يديرها ولديه القدرة على إدارة الجانب الاقتصادي، أن يشكل لجنة اقتصادية أو ما تسمى "لجنة إدارة اقتصاد الحرب"، تكون مهمتها الإشراف على البنك المركزي اليمني، وعلى توزيع المرتبات بعد أن يقدم منحة لا تقل عن 5 مليارات دولار إلى البنك المركزي اليمني لكي يعيد الاقتصاد اليمني عافيته، ومن ثم أيضَا تنال ثقة اليمنيين وتأمن من تقلبات الأحداث، وأيضًا قطع الطريق عن الحوثيين الذين يسعون لنشر المجاعة في الأوساط اليمنية لإثارة غضب المنظمات الدولية وتأليب العالم على التحالف العربي.