ترجمة وتحرير: نون بوست

في السياق الطبيعي للأحداث، من غير المرجح أن تحظى قضية اختفاء صحفي سعودي باهتمام كبير من طرف الحكومة البريطانية. وعلى كل حال، تمتلك المملكة العربية السعودية سجلا حافلا يشمل التنظيم للعديد من عمليات الاختطاف في حق مواطنيها الذين ينتقدون حكومتها، فضلا عن إخفائهم قسريا، في الوقت الذي تتمتع فيه المملكة المتحدة بسجل مماثل في تجاهل هذه الممارسات السعودية.

يجب الاعتراف بأن قتل جمال خاشقجي وتقطيع جسده تعد جريمة مرعبة بالفعل، لكنها لا تختلف كثيرا عن مستوى الانحطاط الأخلاقي المنبثق عن الجرائم الفظيعة التي تقترفها قوات التحالف السعودي في اليمن. وتضمنت هذه الجرائم إلقاء القنابل لقتل الأطفال الأبرياء، فضلا عن تدمير المستشفيات والأسواق والمدارس. نتيجة لذلك، قتل الآلاف من الأبرياء على يد التحالف الذي تقوده السعودية، وذلك بمساعدة وتحريض بريطانيين.

سياسة غض الطرف

لا عجب أن المملكة المتحدة لعبت دورا هاما في توفير الحماية لولي العهد محمد بن سلمان حتى لا يتم  من إدانته دوليا، وهو ما يدعو للتساؤل حول السبب الذي يدفع البريطانيين لغض الطرف عن مقتل خاشقجي أيضا. ومن المؤكد أن الحكومة البريطانية تحبذ تجاهل ممارسات بن سلمان، لكن هناك عاملين رئيسيين يحولان دون قيامها بذلك.

يبدو أن تيريزا ماي لن تبدي أي استياء إزاء ما اقترفته الحكومة السعودية، حيث التزمت رئيسة الوزراء البريطانية الصمت تجاه قضية خاشقجي في حين كان تصدح منددة بالجريمة الشنيعة في حق سكريبال

في المقام الأول، بدت الظروف المحيطة بوفاة خاشقجي مشابهة بشكل كبير لمحاولة قتل ضابط المخابرات العسكرية الروسي السابق، سيرغي سكريبال وابنته يوليا في مدينة سالزبوري خلال شهر آذار/ مارس الماضي. وتزعم التقارير أن موسكو أرسلت مجموعة من السفاحين لمحاولة قتل سكريبال، وذلك بشكل مماثل تماما للتقارير التي تفيد بأن الرياض أرسلت قتلة لاغتيال خاشقجي.

بالعودة إلى قضية سكريبال، شهد الوضع العام لهذه الحادثة الكثير من الضجة الإعلامية. من جهتها، أمرت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي بإجراء تحقيق شامل وفوري من طرف الشرطة لتعقب الجناة، الأمر الذي انتهى بطرد 23 دبلوماسيا روسيا من بريطانيا. وبشكل عام، أوضحت ماي أنه من المستحيل أن تتسامح حكومتها مع تنفيذ دولة أجنبية لعمليات قتل في الشوارع البريطانية. وبناء على ذلك، من المؤكد أن رئيسة الوزراء البريطانية ستكون غاضبة من ممارسات النظام السعودي المماثلة في إسطنبول، أليس كذلك؟

صمت رسمي

يبدو أن تيريزا ماي لن تبدي أي استياء إزاء ما اقترفته الحكومة السعودية، حيث التزمت رئيسة الوزراء البريطانية الصمت تجاه قضية خاشقجي في حين كان تصدح منددة بالجريمة الشنيعة في حق سكريبال. وفي هذا الصدد، تشعر الحكومة البريطانية بالرضا بشأن إجراء تركيا والسعودية تحقيقات مشتركة فيما بينهما. ومع ذلك، اتسم الرد البريطاني بالغضب والحنق عندما عرضت الحكومة الروسية مساعدتها للتحقيق في قضية سكريبال. في الوقت الحالي، أخذت ماي تظهر الجانب المخادع والمراوغ في الوقت الذي تسعى خلاله إلى الكفاح من أجل إنقاذ حياتها المهنية بسبب تبعات أزمة خروج بريطانيا من الاتحاد البريطاني.

جمال خاشقجي مختف منذ 2 من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، وذلك بعد دخوله مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول.

في الأثناء، يمكننا جميعا أن نتخيل كيف كانت المملكة المتحدة والولايات المتحدة لتتعاملا مع هذه المسألة في حال أقدمت إيران على اقتراف مثل هذا الجرم عوضا عن السعودية. مما لا شك فيه أن الخلاف كان ليمتد ويكتسح الساحة الدولية، في حين كانت الأصوات التي تنادي بإدانة طهران لتتعالى بشكل يصم الآذان. علاوة على ذلك، كان العالم ليشهد قيام العديد من البلدان بأعمال انتقامية ضد إيران، ومن المرجح أننا سنكون على شفير اندلاع حرب الآن.

في واقع الأمر، يمكن للمملكة العربية السعودية الإفلات من العقاب على خلفية الجريمة التي اقترفتها طالما أن القرار بيد الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة. ولا يعد الأمر بالجديد، فقد كان كذلك على الدوام. ويرجع ذلك بالأساس إلى اعتماد عشرات الآلاف من الوظائف في مجال الصناعة التي تتطلب مهارات عالية، والتي يقع الكثير منها في نطاق الدوائر الانتخابية الهامشية، على مبيعات الأسلحة الموجهة للسعوديين. والأهم من ذلك، يستورد البلدان النفط من السعودية، وهو سبب إضافي يدفعهما إلى تقدير علاقتهما بالبلد الآسيوي.

استجابة رمزية

يمكن تسمية ما تقوم به البلدان الغربية الرائدة بالسياسة الخارجية الواقعية، أي الاعتقاد بأن الدول يجب أن تتحرك من منطلق يخدم مصالحها الخاصة دون مراعاة للاعتبارات الأخلاقية. وبغض النظر عن العبارات المنمقة، لطالما كانت هذه الواقعية تسيّر السياسة البريطانية، ومن المرجح أن الحال سيظل كما هو الآن على الدوام.

استثمرت بريطانيا والعديد من الحكومات الغربية الأخرى في علاقاتها مع محمد بن سلمان، والذي يُنظر إليه على أنه مصلح كبير وصديق جيد للغرب في كل من واشنطن ولندن وباريس

تدفعنا هذه الأسباب إلى الاعتقاد بأن الرد النهائي لحكومة ماي على جريمة مقتل خاشقجي المروعة سيكون رمزيا وليس إجراء فعاليا. ومن المرجح أن المملكة المتحدة ستنسحب من مؤتمر أو اثنين على علاقة بالمملكة، وأن وزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت، سيجد كلمات قوية ليصرح بها حول هذا الشأن، لكن الأمر المؤكد أن مبيعات الأسلحة الموجهة نحو السعودية ستستمر. على الرغم من هذه المحاباة، من المرجح أن يطرأ تغيير هام للغاية على مستوى العلاقات السعودية.

استثمرت بريطانيا والعديد من الحكومات الغربية الأخرى في علاقاتها مع محمد بن سلمان، ولذي يُنظر إليه على أنه مصلح كبير وصديق جيد للغرب في كل من واشنطن ولندن وباريس. وفي الآونة الأخيرة، أشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على نحو متهور، بحقيقة تمتعه بعميل مثل محمد بن سلمان.

داخل أروقة مباني وزارة الخارجية البريطانية والفرنسية والأمريكية، يتساءل أصحاب السلطة عما إذا كانوا قد ارتكبوا خطأ فادحا. ولا يبدو هذا الأمر مثيرا للقلق، حيث أن كل الخطوات التي اتخذت بالفعل، يمكننا التراجع عنها بكل بساطة. وفي حال كانت القوى الغربية السبب وراء بقاء بن سلمان في منصبه، يمكنها ببساطة تنحيته.

ما هي الأمور التي توجد على المحك؟

فيما يتعلق بمحمد بن سلمان، لم يكن قتل جمال خاشقجي جريمة فحسب، بل إنه خطأ فادح للغاية، ومن المؤكد أنه لم يكن أول خطأ يقترفه. ومن المحتمل أن تقوم واشنطن ولندن في وقت قريب بالتوقف عن حماية نظام بن سلمان. في المقابل، يعد إتباع مثل هذا النهج خطيرا في حد ذاته، فمن الممكن أن لا يكون القائد التالي للمملكة العربية السعودية ودودا ومخلصا بشكل مماثل لمحمد بن سلمان.

في الوقت الحالي، لم يعد مصير جمال خاشقجي وحده على المحك، ولا حتى مصير ولي العهد السعودي فقط، بل من المحتمل أن تكون السعودية نفسها على وشك التغيُر بشكل جذري، لتحيد عن مسارها وتدور خارج سيطرة القوى الغربية.

المصدر: ميدل إيست آي