في الوقت الذي انشغل العالم أجمع، بقصة اختفاء الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية بتركيا، وتفاصيلها المأساوية التي تتكشف ساعة بعد أخرى، بشكل لا يوجد له مثيل في أعتى دراما الخوارق، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يتقيأ انتهازية من نوع عتيق معروف ضمنًا لشعوب الشرق الأوسط، كما تتفهمها عن ظهر قلب حكومات دول المنطقة التي تعرف كيف تتعامل معها وتستغلها لصالحها. 

يبدو لي أن "قتلة مارقين" وراء اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي.. من يعلم؟ هذا ما تفتق عنه ذهن رئيس أكبر دولة في العالم، خلال حديثه إلى الصحفيين خارج البيت الأبيض عن أزمة اختفاء خاشقجي، وكأن دونالد ترامب لا يملك أقوى أجهزة الاستخبارات في العالم، وبلاده يطلعها الكبير والصغير على مستجدات كل هفوة تحدث على سطح الكوكب، لتؤكد الغيبوبة الترامبية أن الضمير العالمي أمام صدمة جديدة يبدو أنه تعود عليها، أمام تخاذل الغرب في الدفاع عن القيم، ونزوات الحكام والقوى السياسية وغرائزهم التي تضعف دائمًا أمام "المال السايب" في دول الشرق.

ترامب: "قتلة مارقين وراء ما حدث لخاشقجي"

ظهر ترامب وهو يحاول إيجاد مخرج وممر آمن للعائلة الحاكمة في السعودية، بعد أقل من 24 ساعة على تلويح المملكة بإجراءات انتقامية، يراها الكثيرون ـ مشكوك في صحتها ـ سواء تلك التي جاءت في بيان الدولة الرسمي عن الأحداث قبل يومين، وتأكيدها على الرد بعقوبات أكبر حال إدانتها، أو من خلال مقال تركي الدخيل رئيس قناة العربية والإعلامي المقرب من محمد بن سلمان، الذي ألمح إلى إجراءات عبثية يصعب تصديقها، بالنظر لحجم السعودية في النظام العالمي، وأكد أن بلاده قد تتجه إلى الحلف المناوئ لأمريكا، روسيا وإيران وحزب الله.

عزز ترامب رؤيته بنفي الملك سلمان خلال حديثه معه، أن يكون يعلم هو أو بلاده ما حدث لخاشقجي

طريقة ترامب رغم واقعيتها ودورانها في محيط مواقف الغرب التي لا تخرج عن الإطار المتبع سلفًا، إذا تعرضت مصالح أي دولة لشبح التعطيل لأي سبب كان، استفزت العالم بأسره، وعلى رأسه الناشطون والعاملون بالشأن العام، بعدما اختار رئيس الولايات المتحدة، اللجوء لطريقة ساذجة  للاحتيال على العقول، ولم يجهد نفسه في إيجاد رواية يمكنها العبث بالعقل الجمعي للشعوب لفترة ما، حتى تخمد نار القضية، وحمّل الرجل الذي يتعامل مع العالم باستخفاف دائم، كائنات خرافية مسؤولية إخفاء خاشقجي.

عزز ترامب رؤيته بنفي الملك سلمان خلال حديثه معه، أن يكون يعلم هو أو بلاده ما حدث لخاشقجي، رغم الوثائق والتسريبات التي قدمتها تركيا عبر وسائل إعلامها، والانتقادات التي وجهها وزير خارجيتها للسعودية بسبب عدم تعاونها على مدار أكثر من عشرة أيام في الأزمة، والحقائق التي تتكشف كل ساعة، مما أجبر المملكة على الخضوع والاعتراف بقتل خاشقجي، وما تنتظره فقط استدعاء سيناريو يحفظ ماء وجهها ـ إن صحت رواية شبكة CNN العالمية التي نشرتها خلال الساعات الماضية عن تطورات القضية -.  

ليس جديدًا على الغرب

قبل أيام، كان ترامب واضحًا، كما يبدو دائمًا في التعبير عن أفكاره، مهما كانت درجة صداميتها مع القيم الأمريكية، فالرأي العام العالمي في اتجاه، وهو يفكر في اتجاه آخر تمامًا، خاشقجي ليس مواطنًا أمريكيًا ليوقف من أجله مبيعات الأسلحة الضخمة للسعودية التي تبلغ 110 مليارات دولار سنويًا، والرقم مرشح للمزيد في ظل اختراعه كل يوم وسائل جديدة، يحلب من خلالها، ضرع المملكة الزاخر بخيرات الطبيعة.

واقعية رئيس الولايات المتحدة، تجعله يرى بوضوح أن القطب الآخر في العالم، يعمل على نسف القيم الأمريكية وابتلاع حلفائها واحد تلو الآخر، عبر توفير أجواء مارقة يرتعون فيها كما يحلو لهم، وبدلاً من إنفاق هذه الأموال الطائلة على الأمريكان، ستنفق على الروس والصنيين، وربما كوريا الشمالية، وبالتالي يجب أن تنتصر عنده لغة المال ولتذهب القيم والمبادئ إلى الجحيم.

عام 2006، كانت الأسرة السعودية على موعد مع فضيحة كبرى، سميت بصفقة اليمامة، بسبب الرشاوى التي قدمتها شركة(PAE)  البريطانية العملاقة، للمسؤولين في العائلة السعودية الحاكمة، نظير تمرير صفقات سلاح للسعودية

النموذج الترامبي في الانتهازية، هو الأكثر فجاجة حتى الآن، لكنه ليس وحده، بل بتنشيط بسيط للذاكرة، سنتذكر أن الدول العظمى التي تحكم الكرة الأرضية، دائمًا ما تفضل مصالحها على أي شيء آخر، خاصة لو كانت مبادئها تلك لن يتأتى من خلفها أي جديد للمنطقة الموبوءة بسرطان الاستبداد الذي توطن فيها لدرجة متوحشة، تجعل معها شرائح واسعة من الشعوب باستثناء قلة، ترسخ للقمع وتتمسك بالحاكم المستبد أكثر من تمسكه بنفسه، فلماذا إذًا ستفضل القيم على المنافع والمصالح المادية لبلدانها؟!

عام 2006، كانت الأسرة السعودية على موعد مع فضيحة كبرى، سميت بصفقة اليمامة، بسبب الرشاوي التي قدمتها شركة(PAE)  البريطانية العملاقة، للمسؤولين في العائلة السعودية الحاكمة، نظير تمرير صفقات سلاح للسعودية، وبعد قطع الحكومة البريطانية أشواطًا كبيرة في التحقيق، وأصبحت على بعد خطوة من استجلاء الحقيقة وكشفها للرأي العام العالمي، تخلت فجأة عن مبادئها المعلنة وأوقفت التحقيق دون سابق إنذار، بما وضع مصداقية بريطانيا كدولة تتصدر الداعين لسيادة حكم القانون ومكافحة الفساد في ورطة كبرى، وجعل المبادئ الأوروبية مجرد سلعة تتردد فقط في المتاجر التي لا تتقاطع معها مصالحها المادية. 

كانت أسباب توني بلير رئيس الوزراء آنذاك، هي نفس دوافع ترامب لرفض وضع مكاسب بلاده مقابل القيم التي تعمل بها، التي تدعوها لوضع عقوبات مشددة على السعودية؛ تحدث وقتها عن آلاف الوظائف التي ستضيع على الدولة وبلايين الجنيهات الإسترلينية التي ستفقدها الصناعة البريطانية، بجانب الخوف الشديد من قطع علاقة بريطانيا مع دولة محورية في الاقتصاد العالمي مثل السعودية، بغض النظر عن كل الملاحظات السياسية والقانونية والإنسانية والحقوقية عليها. 

وكما حدث مع بريطانيا وأمريكا، اضطرت السويد للاعتذار عن انتقادها حملات القمع السعودية ضد المدونيين السعوديين، وبعد فترة من الثبات على مبدأها والرسوخ أمام استدعاء السعودية لسفيرها لدى السويد قبل ثلاثة أعوام، احتجاجًا على تصريحات وزيرة خارجيتها مارغو إليزابيث فالستروم، تجاه السعودية، وتصعيد الصراع بمنع وزيرة الخارجية نفسها، من إلقاء كلمة، أمام وزراء الخارجية العرب المجتمعين في القاهرة.

كل مأزق أخلاقي تكون السعودية طرفًا فيه مع الغرب، تعرف المملكة كيف تتصرف وتلعب على فخ المصالح، وتوظف العناد القبلي في إرسال تهديدات جدية، يتلقفها الغرب بواقعية مجردة

وجدت السويد نفسها أمام دائرة مفرغة؛ الغرب يستمتع بالملذات السعودية، وهي تناضل في الفراغ ومن أجل الفراغ وحده، فلا تضامن شعبي سعودي معها، ولا صدى لدفاعها عن الحقوق في المنطقة بأسرها، فقدمت اعتذارًا للسعودية عن تصريحات وزيرة خارجيتها، وتسلم الملك سلمان، رسالة من رئيس وزراء حكومة السويد، يبدي فيها بالغ الأسى والأسف بشأن الأزمة.

كما تدخل وزير الدفاع السويدي السابق بيورن فون، على الخط لتمرير الاعتذار، من أجل الفوز بعقد تسليح يربح بلاده المزيد من الملايين المهدرة على الغرب، وكما سارت السويد سلكت ألمانيا نفس الطريق، وعلى استحياء حاولت كندا حل الأزمة مع المملكة خلال الأسابيع الماضية، التي اندلعت بسبب إدانتها لمنهج السعودية تجاه المعارضين والنشطاء.

شاهد الأمر، أن كل مأزق أخلاقي تكون السعودية طرفًا فيه مع الغرب، تعرف المملكة كيف تتصرف وتلعب على فخ المصالح، وتوظف العناد القبلي في إرسال تهديدات جدية، يتلقفها الغرب بواقعية مجردة؛ فعندما يقف آل سعود أمام معضلة أخلاقية أو قيمية ما، يكون التهديد من حليف كبريطانيا، تهدد في المقابل على الفور بالتحول إلى الرادار الأمريكي، وعندما تكون الأخيرة هي التي في صدر أزمة كمعضلة خاشقجي، تصبح روسيا أو الصين أو حتى فرنسا، البديل الذي يمكن مراودته عن نفسه، وسيقبل حتمًا بالأرطال التي لا حصر لها من الثروات، فالمبالغ التي يقدمها السعوديون سنويًا لأسواق الغرب، تؤثر حتمًا على اقتصاد أي دولة ينسحبون منها، وتضيف لأخرى تعتبر نفسها أمام مصباح علاء الدين، مهما كان المارد الساكن فيه، يرتكب كل الموبقات، في النهاية سيأتي لهم بالمال، وهو المطلوب وليس غيره.