في الليلة الـ18 بعد اختفاء الكاتب السعودي المرموق جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول، وفي جنح الظلام كعادة الأوامر الملكية السعودية منذ سنوات، أعلنت الرياض روايتها الجديدة، وبعد طول صمت سعودي وإنكار كامل بالبداية جاءت رواية الرياض الرسمية عن الحادثة غير مقنعة وعصية على التصديق.

رواية سعودية تنهشها التساؤلات

18 يومًا منذ اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي استهلها مسؤولون سعوديون بأن الرجل دخل قنصلية بلاده وخرج بعد دقائق فور انتهاء معاملته، قالها ولي العهد نفسه في تصريحات لوكالة "بلومبيرغ" الأمريكية، وقالها مصدر بالقنصلية مطالبًا السلطات التركية بالتعاون في البحث عن الرجل.  

تتواصل التساؤلات عن روايات "مرتبكة ومحرجة"، بدأت بالإنكار وانتهت بالإقرار الأخير بوفاة الرجل جراء "الشجار"

وفي الليلة الـ18 بعد اختفاء الكاتب السعودي المرموق، أعلنت الرياض روايتها التي تقول: "التحقيقات الأولية توصلت إلى شجار واشتباك بالأيدي بين أشخاص قابلوه في القنصلية ما أدى لوفاته"، وتعلن وكالة الأنباء السعودية الرسمية "واس" أن التحقيقات تجري مع 18 موقوفًا سعوديًا دون أن تعلن أسماءهم وما إذا كان من بينهم الـ15 الذين ذاع صيتهم في الرواية التركية انطلاقًا من تسجيلات وكاميرات المراقبة.

أول ما يثير التساؤل: أين كانت رواية الشجار المفضي إلى الموت طوال الأسابيع الماضية؟ وبفرض جهل ولي العهد بالأمر حين أكد لوكالة "بلومبيرغ" في الـ5 من أكتوبر أن خاشقي دخل وخرج، فهل بقيت إدارة القنصلية على جهالة أيضًا بما وقع داخل جدرانها؟  

تبدو الرواية السعودية الأخيرة مغايرة تمامًا لما كشفته التحقيقات التركية

وتتواصل التساؤلات عن روايات "مرتبكة ومحرجة"، بدأت بالإنكار على لسان محمد بن سلمان وشقيقه خالد سفير الرياض في واشنطن في وقت سابق، وانتهت بالإقرار بوفاة الرجل جراء "الشجار"، لكن لو مات إنسان داخل مكتب أو مكان عمل فالإسعاف والشرطة أول من يُحاط علمًا بالأمر، فلماذا لم يتصل العاملون في القنصلية بالسلطات في إسطنبول لإسعاف خاشقجي أو على الأقل التأكد طبيًا من وفاته المفاجئة؟

لا إجابة عن أي من هذه التساؤلات البديهية فيما أعلنته وكالة الأنباء السعودية، إلا أن مصدرًا بوزارة الخارجية السعودية كشف في الوقت عينه تقريبًا جانبًا آخر من الرواية، مؤكدًا قصة الرواية المفضية إلى الموت، ومشيرًا إلى مشتبه به توجه إلى إسطنبول للقاء خاشقجي بعد ظهور مؤشرات على رغبته في العودة إلى البلاد.

يضيف مصدر الخارجية السعودية أن النقاش بين جمال خاشقجي ومن أُوفد إليه تطور إلى شجار نجمت عنه الوفاة،  فهل يُفترض بالنقاشات التي تجري في مقار دبلوماسية مع من يبدون رغبتهم في العودة لبلادهم أن تُفضي إلى شجار يودي بالحياة؟  

قُتل خاشقجي.. فأين الجثة؟

الثابت من حوار خاشقجي لتليفزيون "بي بي سي" قُبيل مقتله أنه أكد عدم قدرته على العودة للبلاد، فمتى أظهر هذه المؤشرات؟ ولمن؟ وما علاقتها بمعاملة تتعلق بالزواج؟ ولماذا تم اللقاء في إسطنبول ولم يتم في واشنطن حيث كان يقيم خاشقجي أصلاً؟ تعجز الاستخبارات السعودية عن إجابة هذه الأسئلة فيجري عقابها دون المساس بشخص ولي العهد.

محمد ابن سلمان سيشرف بنفسه على إعادة هيكلة الاستخبارات بعد أن حاصرته شخصيًا الاتهامات والمقاطعات ودعوات الرحيل من كل اتجاه لقرابة 3 أسابيع

ففي القلب من الليلة السعودية الحافلة تصدر أوامر ملكية من العاهل السعودي بتشكيل لجنة وزارية برئاسة نجله ولي العهد لإعادة هيكلة رئاسة الاستخبارات العامة، لكن المثير للدهشة أن محمد ابن سلمان سيشرف بنفسه على إعادة هيكلة الاستخبارات بعد أن حاصرته شخصيًا الاتهامات والمقاطعات ودعوات الرحيل من كل اتجاه لقرابة 3 أسابيع.

بالتزامن مع هذا يُعفى سعود القحطاني من منصب مستشار بالديوان الملكي، ويُعفى أحد عسيري من منصب نائب رئيس الاستخبارات العامة، وتُنهي خدمات ضباط رفيعي الرتبة في الاستخبارات أيضًا، منهم اللواء محمد صالح الرميح واللواء رشاد حامد المحمداي، لكن لم ترد إشارة رسمية بارتباط تلك الإقالات بعمليات التحقيق الجارية عن مقتل خاشقجي، وكأن المشهد بحاجة لمزيد من الغموض والالتباس.

توالت المواقف التي أجمعت على التشكيك في الرواية وصولاً إلى رفضها

وبعيدًا عن البيانات الرسمية يتحدث من وُصف بالمصدر المطلع على التحقيقات السعودية إلى وكالة "رويترز" عما قال إنها أوامر دائمة من الاستخبارات بإعادة المعارضين إلى المملكة، وإن هذه الأوامر في حالة خاشقجي ربما تكون فُسرت على نحو عنيف، وما سماها "التعليمات التالية" لم تكن محددة كما ينبغي؛ ما أدى إلى وفاة خاشقجي ومحاولة التستر على ذلك.

وذكر المصدر المطلع أن سائق القنصلية كان من بين من سلموا الجثة لمتعاون محلي، والعقيد السعودي ماهر المطرب اُختير لتنفيذ العملية لكونه عمل مع خاشقجي في لندن، وبحسب تحقيقات "بي بي سي" تلقى المطرب - الذي يعتقد أنه قاد الفريق السعودي - تدريبًا عاليًا بالتجسس الإلكتروني، يتيح للمخابرات السعودية مراقبة أشخاص عن بعد.

رغم محاولات الرئيس دونالد ترامب تسويق الرواية السعودية على أنها "رواية موثوقة"، تجد تلك الرواية نفسها عصية على التصديق عند الكثيرين

لعله يقصد عملية استقبال خاشقجي بعد ظهور بوادر العودة للوطن، فهل يقصد أن المطرب من تشاجر وقتل؟ ولو تهورت انفعالات المطرب حتى أزهق روحًا، فلماذا يتستر عليه كل من كانوا في القنصلية حتى يورطوا أنفسهم؟ ولماذا لم يتصل أحدهم بالسلطات التركية للتعامل مع القتيل المفاجئ؟

يتقاطع حديث المصدر المطلع عن المطرب مع الروايات التركية، لكن ماذا عن سائر الأشخاص الـ15 الذين قادهم المطرب وظهروا معه في كاميرات المراقبة، ومنهم الطبيب صلاح الطبيقي؟ والسؤال الأهم أين الجثة؟ وهل خرجت جزءًا واحدًا أم أشلاءً؟ وأين صور خروجها؟ وماذا عن صورة جولة القنصل المثيرة للجدل مع مراسلي "رويترز" وفتح الخزائن والأدراج لتأكيد أن خاشقجي ليس موجودًا ولا معلوم المصير؟

رواية عصية على التصديق إلا على ترامب   

الرواية السعودية عن ملابسات مقتل خاشقجي والإجراءات التي اتخذتها المملكة سرعان ما وجدت صداها لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أعرب عن تصديقه الراوية الرسمية السعودية، ومن ولاية أريزونا أكد ترامب انفتاحه على فرض عقوبات لم يحددها، لكنه بدا أكثر حفاظًا على حليفه محمد بن سلمان حين تمسك بصفقات السلاح الموعودة مع السعودية.

تتالت المواقف التي أجمعت على التشكيك في الرواية وصولاً إلى رفضها والتمسك بمحاسبة السعودية عن مقتل خاشقجي

ورغم محاولات الرئيس دونالد ترامب تسويق الرواية السعودية على أنها "رواية موثوقة"، تجد تلك الرواية نفسها عصية على التصديق عند الكثيرين، إذ يقول الضابط السابق في "سي آي إيه" غلين كارل: القول إن اغتيال جمال خاشقجي تم دون علم ولي العهد "كذبة سيئة" لحماية ابن سلمان، والكذبة - من وجهة نظره - أن تكون الاستخبارات السعودية والأفراد الـ15 تصرفوا بمفردهم دون أن يكون هناك أمر من أعلى هرم الحكومة، "لقد أثبتوا أنهم يكذبون بشكل سيء".

وبحسب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز وكبير الباحثين في معهد الشرق الأوسط دانيال سيروار فإن الرواية السعودية بخصوص مقتل خاشقجي "غير مقنعة وغير متماسكة"، فوصول 15 شخصًا للدخول في شجار مع خاشقجي "ليس منطقيًا"، وربما هذه السردية التي كانت تنتظرها واشنطن.

حاول الرئيس دونالد ترامب تسويق الرواية السعودية على أنها "رواية موثوقة"

وإذا كانت الإدارة الأمريكية اكتفت في رد فعلها على الإعلان السعودي بالتعبير عن حزنها لما وصفته بـ"وفاة خاشقجي"، وتمسكها بإحقاق العدالة في هذه القضية، فإن مواقف برلمانيين أمريكيين اتسمت بالكثير من الحدة إزاء الرياض، وتعمق الشرخ بين الرئيس الأمريكي والكونغرس حين تتالت المواقف التي أجمعت على التشكيك في الرواية وصولاً إلى رفضها والتمسك بمحاسبة السعودية عن مقتل خاشقجي.

فقد شكَّك السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام - الذي يعتبر من أبرز حلفاء ترامب وسبق أن دعا لرحيل ولي العهد السعودي - بالرواية التي قدمتها الرياض، وكتب في تغريدة على "تويتر": "يصعب تصديق الرواية السعودية بشأن مقتل خاشقجي نتيجة شجار ودون علم محمد بن سلمان، وذلك بعد أن سبق القول إن خاشقجي غادر القنصلية".

ومع تبدل رواية السعودية عن اختفاء خاشقجي مع مرور كل يوم، علق السيناتور الجمهوري بوب كوركر رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بقوله: "لا ينبغي أن نفترض أن روايتهم الأخيرة ذات مصداقية"، ودعا كوركر إدارة ترامب إلى تحديد المسؤوليات عن مقتل خاشقجي بشكل مستقل وفق قانون "ماغنيتسكي" الذي يتيح فرض عقوبات على مسؤولي المملكة.

وتوالت مواقف المشرعين الديمقراطيين المشككة في الرواية السعودية، فالسيناتور الديمقراطي كريس مورفي يقول": "السعودية على مدى الأسبوعين الماضيين كذبت علينا بالقول إن خاشقجي حي رغم علمها طوال الوقت أنه ميت"، مضيفًا: "التفسير السعودي الجديد لمقتل خاشقجي منافٍ للعقل، والكونغرس بقيادة الجمهوريين لن يفعل شيئًا للرد على قتل الرياض خاشقجي ومساعيها للتستر على ذلك".

من جانبه قال السيناتور الديمقراطي باتريك ليهي في بيان: "رواية الرياض تفوح منها رائحة التستر"، داعيًا إلى امتناع الولايات المتحدة عن التواطؤ في التستر على مقتل خاشقجي، أما السيناتور ريتشارد بلومنثال الذي ينتمي لنفس الحزب فقال: "التفسيرات السعودية تتحدى المنطق والمصداقية، ولهذا يجب محاسبة الجميع وليس من اختارهم ولي العهد كبش فداء".

عضو الكونغرس الديمقراطي آدم شيف: "الزعم بأن خاشقجي قُتل خلال شجار مع 15 شخصًا أُرسلوا من السعودية لا يتمتع بأي مصداقية على الإطلاق"

كما قال عضو الكونغرس الديمقراطي آدم شيف: "إذا كان يتشاجر مع أولئك الذين أرسلوا للقبض عليه أو قتله، فإنه كان يفعل ذلك لإنقاذ حياته، إذا لم تتحرك الإدارة، فيتعين على الكونغرس أن يتحرك"، مضيفًا "الزعم بأن خاشقجي قُتل خلال شجار مع 15 شخصًا أُرسلوا من السعودية لا يتمتع بأي مصداقية على الإطلاق".

وقُبيل أقل من 3 أسابيع على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، حوَّل السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي مقتل خاشقجي إلى قضية انتخابية، وقال في تغريدة: "الكونغرس بقيادة الجمهوريين لن يفعل شيئًا للرد على قتل السعودية جمال خاشقجي ومساعيها للتستر على مقتله".

واستمرارًا في التشكيك، وصفت محررة الآراء العالمية بصحيفة "واشنطن بوست" كارين عطية تفسير المملكة السعودية لوفاة الصحفي جمال خاشقجي بأنه "محض هراء ومهين"، وأضافت: "ما أكرهه بشأن البيان هو استخدام المبني للمجهول للدلالة على أنه كان حادثًا، خاشقجي لم يمت في أثناء شجار، لقد قتل بأيدي رجال سعوديين وفي قنصلية، لقد أنهوا حياته".

وطرحت المحررة التي كانت تمر عليها مقالات خاشقجي قبل نشرها سلسلة من الأسئلة البديهية ردًا على الرواية السعودية: "ماذا حدث للجثة؟ لماذا كذب المسؤولون وقالوا إنه غادر القنصلية؟ ما الأدلة التي لديهم لتدعم حقيقة وقوع اشتباك بالأيدي؟"، وكذلك فعل إريك سوالويل العضو الديمقراطي بلجنة الاستخبارات الذي كتب على "تويتر": "أين الجثة؟ عائلة خاشقجي تستحق أن يتم تسليمها رفاته فورًا".

وبعد تأكيد السعودية رسميًا وفاة الصحفي جمال خاشقجي، عبَّرت الأمم المتحدة عن "انزعاجها الشديد"، وطالبت بتحقيق نزيه لكشف المتورطين في العملية والمدبرين لها، داعيةً لعدم المسارعة لتصديق الرواية الرسمية التي لم يصدقها حتى الآن إلا ترامب ومخرجي هذا السيناريو "الهزلي".