لا تزال القرارات التي صدرت عن اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني الذي عُقد بمدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة بداية الأسبوع الحاليّ، تُثير الكثير من الجدل وتحيطها علامات استفهام كبيرة بشأن مقدرة وجدية الرئيس محمود عباس على تنفيذها، ومتى؟

"تعليق الاعتراف بـ"إسرائيل" ووقف التنسيق الأمني"، كان أبرز القرارات التي صدرت عن الدورة الـ30 للمجلس المركزي الفلسطيني الذي شهد مقاطعة غير مسبوقة من الفصائل الفلسطينية والقوى الوطنية، وعلى رأسهم حماس والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية والمبادرة الوطنية، وسط اتهامات للرئيس عباس بالاستفراد بالقرار الفلسطيني واستخدام "المركزي" لخدمة مصالحه الشخصية والحزبية والتقرب من "إسرائيل".

وقرر المجلس المركزي في بيانه الختامي إنهاء التزامات منظمة التحرير والسلطة كافة تجاه اتفاقاتها مع السلطات الإسرائيلية، وفى مقدمتها تعليق الاعتراف بدولة "إسرائيل" إلى حين اعترافها بدولة فلسطين على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، نظرًا لاستمرار تنكر "إسرائيل" للاتفاقات الموقعة وما ترتب عليها من التزامات وباعتبار أن المرحلة الانتقالية لم تعد قائمة.

الملفت للانتباه في هذه القرارات أنها قد اتخذت قبل شهرين في الدورة السابقة للمجلس المركزي التي عقدت بشهر أغسطس/آب الماضي برام الله

كما قرر وقف التنسيق الأمني بأشكاله كافة، والانفكاك الاقتصادي عن الاحتلال ، على اعتبار أن المرحلة الانتقالية وبما فيها اتفاق باريس لم تعد قائمة، وعلى أساس تحديد ركائز وخطوات عملية للاستمرار في عملية الانتقال من مرحلة السلطة إلى تجسيد استقلال الدولة ذات السيادةوخول المجلس المركزي الرئيس الفلسطيني محمود عباس واللجنة التنفيذية متابعة وضمان تنفيذ ذلك.

النوايا الخبيثة

الملفت للانتباه في هذه القرارات أنها اتخذت قبل شهرين في الدورة السابقة للمجلس المركزي التي عقدت بشهر أغسطس/آب الماضي برام الله، لكن حتى اللحظة هي معطلة ولا تزال حبرًا على ورق، ولم تر طريق التنفيذ بأمر مباشر من الرئيس عباس، الأمر الذي أثار الشكوك عن تأثيرها وكلمة السر في إعادة إقرارها والهدف منها.

ويجمع سياسيون ومحللون أن الرئيس عباس سيُبقى قرارات المجلس المركزي معلقة فيما يخص "إسرائيل" دون تنفيذ أي منها، لكنه سيسارع لتنفيذ كل القرارات المتعلقة بتشديد الحصار والخناق على قطاع غزة وحركة حماس دون أي تردد، ليفتح بابًا جديدًا من العقاب والفصل السياسي.

حركة حماس وعلى لسان الناطق باسمها حازم قاسم اعتبرت خطاب الرئيس عباس أمام المجلس المركزي يعكس "حالة الفشل والإحباط لديه بسبب سياسته المقيتة"، وتكشف نوايا المجلس للانفصال تجاه قطاع غزة.

أكدت حركة الجهاد الإسلامي على لسان الناطق باسمها مصعب البريم أن تهديدات منظمة التحرير لغزة هو "مزيد من الفصل السياسي والجغرافي لقطاع غزة"

وقال قاسم إن "الخطاب يعكس موقفه الصدامي تجاه فصائل العمل الوطني الرافضين لسياسة التفرد والإقصاء والانفصال التي ينتهجها في التعامل مع شعبه والشركاء في الوطن"، مضيفًا "عباس غيب نداء العقل والمنطق والوحدة الذي نادت وطالبت به كل مكونات الشعب الفلسطيني للذهاب إلى وحدة وطنية مبنية على الشراكة وعلى أسس محددة ومتوافق عليها".

كما أكدت حركة الجهاد الإسلامي على لسان الناطق باسمها مصعب البريم أن تهديدات منظمة التحرير لغزة هو "مزيد من الفصل السياسي والجغرافي لقطاع غزة". وقال البريم إن "على السلطة عدم معاقبة كامل الشعب الفلسطيني بسبب خلاف سياسي، لذا يجب تعزيز صمود المواطن، وإلغاء الإجراءات والعقوبات السابقة للسلطة الفلسطينية في غزة"، مشددًا أن على المؤثرين في القيادة الفلسطينية وكل الأطراف إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني "لمنع مزيد من الانهيارات في أجيال الشعب".


جانب من اجتماعات المجلس المركزي السابقة

في حين شكك عبد الحكيم عوض القيادي في التيار الإصلاحي في جدية تعاطي قيادة السلطة الفلسطينية مع القرارات الصادرة عن مجلسها المركزي الإقصائي، مؤكدًا أن ما صدر عن المجلس مجرد ذر للرماد في العيون.

وقال عوض إن "هذه القيادة لا تجرؤ على تنفيذ أي من قرارات الهيئات الوطنية بما فيها "المجلس المركزي"، لافًتا لتصريحات قادة الاحتلال التي سخرت من بيان المجلس فيما يتعلق بوقف التنسيق الأمني.

وشدد عوض على أنه لا بد من خطوات جادة لانتشال الحالة الفلسطينية مما هي عليه من هوان وترد، عبر الدعوة إلى حوار وطني شامل ومسؤول وعلى أعلى المستويات، يعيد الاعتبار للمنظمة وهيئاتها ومؤسساتها ويلتزم بقراراتها، ويعيد الاعتبار للعمل في إطارها على أساس الشراكة السياسية الديمقراطية.

وكان الرئيس عباس اتخذ إجراءات عقابية ضد قطاع غزة، وشملت خصمًا يتراوح بين 40% و50% من رواتب موظفي السلطة، وتقليص كمية الكهرباء التي تراجع عنها بعد عدم خصمها من أموال المقاصة، والتحويلات الطبية وإحالة الآلاف إلى التقاعد المبكر الإجباري، وتأخير متعمد في صرف رواتب الموظفين، ما ضاعف الأزمة والمعاناة في غزة.

تزوير خطير

صالح رأفت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية نائب الأمينة العامة للاتحاد الديمقراطي "فدا" أشار إلى أن المجلس المركزي كرر من جديد معظم قرارات الدورة الأخيرة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في نهاية أبريل/نيسان الماضي.

المجلس المركزي هيئة دائمة منبثقة عن المجلس الوطني (أعلى هيئة تشريعية تمثيلية للشعب الفلسطيني)، التابع لمنظمة التحرير التي تضم الفصائل، عدا حركتي حماس والجهاد الإسلامي

وأكد رأفت أنه "من المهم الآن أن يتم تنفيذ جميع هذه القرارات، وخاصة إنهاء الانقسام وتنفيذ اتفاق المصالحة الوطنية الذي تم التوصل له في القاهرة تحت الرعاية المصرية في أكتوبر/تشرين أول/ ونوفمبر/تشرين ثاني 2017، وكذلك تلك القرارات بشأن تحديد العلاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي".

ودعا رأفت إلى أن تتولى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية مهامها التي نص عليها النظام الأساسي للمنظمة بصفتها الهيئة التنفيذية الوحيدة المسؤولة عن تنفيذ قرارات المجلس الوطني والمركزي.

وأشار القيادي رأفت إلى أنه لم يكن هناك داعٍ لتشكيل لجنة عليا من عدد من أعضاء اللجنة التنفيذية واللجنة المركزية لحركة فتح ومن مجلس الوزراء والقيادة العسكرية والأمنية الفلسطينية وعدد آخر من الشخصيات المستقلة لتولي تنفيذ قرارات المجلس المركزي، لأن ذلك سيهمش اللجنة التنفيذية وسيحولها إلى لجنة استشارية. مضيفًا: "من المؤسف أن يتم في اللحظات الأخيرة شطب ما توافقت عليه لجنة صياغة البيان الختامي من نص تضمنه البيان، والخاص بالتأكيد على قرارات المجلس الوطني والمركزي بضرورة صرف الرواتب لموظفي ومتقاعدي السلطة الوطنية الفلسطينية في قطاع غزة أسوة بموظفين القطاع العام في الضفة الغربية".

وختم رأفت في نهاية بيانه اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والحكومة الفلسطينية الالتزام بقرارات الدورة الأخية للمجلس الوطني، وكذلك قرارات الدورة الـ29 للمجلس المركزي بإلغاء أي إجراءات اتخذتها السلطة الفلسطينية بشأن الموظفين في قطاع غزة، وصرف رواتبهم كما تُصرف في الضفة الغربية.

انتقد المحلل السياسي عدم حديث المجلس المركزي عن الإجراءات العقابية ضد قطاع غزة، رغم حديث المركزي عن صمود الشعب وما يسمى بتعزيز الصمود

والمجلس المركزي هيئة دائمة منبثقة عن المجلس الوطني (أعلى هيئة تشريعية تمثيلية للشعب الفلسطيني)، التابع لمنظمة التحرير التي تضم الفصائل، عدا حركتي حماس والجهاد الإسلاميومنذ منتصف يونيو/حزيران 2007 يسود الانقسام السياسي أراضي السلطة الفلسطينية، عقب سيطرة حماس على قطاع غزة، في حين تدير حركة فتح برئاسة الرئيس محمود عباس الضفة الغربية.

قرارات مع وقف التنفيذ

وبنظرة تحليله للواقع الفلسطيني القائم والقادم ومدى تأثير قرارات المجلس المركزي فيه، يرى الكاتب والمحلل السياسي حسن لافي أن القرارات التي اتخذها المجلس المركزي لمنظمة التحرير تحمل في طياتها إعادة وتكرار لقرارات سابقة اتخذها المجلس من قبل ولم تجد لها رصيدًا على أرض الواقع.

وأعرب لافي عن أمنياته أن يتم تنفيذ هذه القرارات وتصبح نافذة، حينها سيخرج الكل يصفق للرئيس، مستدركًا أن التجربة تقول إن مثل هذه القرارات لن تطبق، مشيرًا إلى أن المركزي في الدورة الماضية اتخذ قرارًا بوقف العلاقة مع الاحتلال، لكن قيادة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية لم تأخذ خطوات حقيقية في هذا الاتجاه، لافتًا إلى أن العلاقات العلنية والسرية بين قيادات السلطة وقادة الاحتلال تدل على تطور العلاقة وليس تراجعها.

وأكد لافي أن اللغة التي جاءت في بيان المجلس المركزي بشأن العلاقة مع قطاع غزة لغة انقسامية وليست وحدودية، كما جاء في تحميل حركة حماس المسؤولية الكاملة عن استمرار الانقساموشدد على أننا بحاجة إلى لغة تصالحية لا تقطع الطريق أمام المصالحة والوحدة التي هي خيارنا الوحيد لما تمر به القضية الفلسطينية من مخاطر، كما جاء في بيان المركزي.

وانتقد المحلل السياسي عدم حديث المجلس المركزي عن الإجراءات العقابية ضد قطاع غزة، رغم حديث المركزي عن صمود الشعب وما يسمى بتعزيز الصمود، متسائلًا "أليس من تعزيز الصمود رفع العقوبات عن الشعب الذي يخوض أهم معركة في المقاومة السلمية والمتمثلة في مسيرات العودة وكسر الحصار"؟ كما لفت إلى أن المركزي لم يأت على ذكر مسيرات العودة مطلقًا التي تمثل المقاومة الشعبية.

رأى المحلل السياسي ذو الفقار  سويرجو أن المنظمة ستتعامل بشكل فوري مع قطاع غزة، وسط الحديث عن اجتماع يجري لذلك لفرض المزيد من الإجراءات والعقوبات على القطاع

حديث الرئيس محمود عباس في التفريق بين أسرى وأسرى، كان قد لاقى الكثير من الانتقادات في الشارع الفلسطيني، حيث أكد عباس أن الشهداء والأسرى خط أحمر، في المقابل يتم قطع نصف رواتب الأسرى من قطاع غزة، ولا يعتمد شهداء وجرحى مسيرات العودة، ولا يتم صرف مخصصات الجرحى من السلطة، خاصة المبتورة أقدامهم.

حيث اعتبر محصلة اجتماع المجلس المركزي أن غزة مظلومة بالقرارات، على الرغم من أن النتائج أتت بخلاف التوقعات بإعلان القطيعة الكاملة مع غزة، لكنها لم ترتق للغة الوحدة وتعزيز صمود مليوني فلسطيني محاصرين في غزة.

من الخاسر الأكبر؟

الجانب الإسرائيلي كذلك عقّب على قرارات المجلس المركزي، وأشار مدير قسم الشؤون العربية في القناة العاشرة العبرية تسيفي يحزكيلي، إلى قرارات الرئيس عباس التي أصدرها عشية انتهاء اجتماع المجلس المركزي، قائلًا: "أبو مازن وكأنه يقول لـ"إسرائيل" عززوا قوتي وقفوا إلى جانبي".

وأضاف أن السلطة الفلسطينية الخاسر الأكبر في حال قررت وقف التنسيق الأمني مع "إسرائيل"، حيث إنها تستفيد بشكل كبير من ذلك أمنيًا وماليًا، كما أن السلطة لا تزال بحاجة إلى "إسرائيل"، منوهًا إلى أن السلطة ستتخذ قرارًا خلال أشهر بالانفصال التام عن قطاع غزة

من جهته تهكم مراسل قناة "كان" العبرية جال بيرجر من القرارات التي اتخذها المجلس المركزي، التي تنصل المجلس بموجبها من الاعتراف بـ"إسرائيل"، ووقف التنسيق الأمني، وقال بيرجر في تغريده له على "تويتر": "قرار المجلس المركزي مجرد توصية، كتوصيات أبو مازن التي اتخذها في السنوات الماضية ولم ينفذها".

وأضاف "أبو مازن ضخ الكثير من الهواء الساخن في الأجواء، وهو قرر ألا يقرر، باختصار ليس علينا أن نشعر بالإثارة، سيستمر التنسيق الأمني مع إسرائيل وكذلك الاعتراف بالدولة". ‫وتابع يقول "تمامًا كما يفعلون في الجيش، تريد أن تدفن فكرة؟ قم بإنشاء لجنة وابدأ بالعمل".  

أما زعيم حزب "هناك مستقبل" المعارض يائير لبيد فزعم أن القرارات عبارة عن نكتة سخيفة، قائلًا: "إسرائيل ليست بحاجة لاعتراف من أحد، وبإمكان السلطة تجاهل الوقائع على الأرض والاتصال بنا عندما تعترف بها"، على حد تعبيره.

‫وكان عضو بارز في منظمة التحرير قال لقناة "كان": "لن يتم تنفيذ القرار من اليوم، لقد أنشأنا لجنة ستنعقد للمرة الأولى وستتألف من ممثلين عن منظمة التحرير والحكومة والأجهزة الأمنية، وسيناقشون طرق تنفيذ القرارات ودراسة ما يمكن تنفيذه وكيفية تنفيذه".