"فقيه المغرب الذي عرفناه شابا وشيخا وكهلا، عرفناه ابن الشريعة ورجل الشريعة وأستاذها بصفة عامة وأستاذ مقاصد الشريعة التي تخصّص وتبحر فيها وخلف الشيخ الطاهر بن عاشور فيها بصفة خاصة.. نعم الرجل، يقول الحق ويقف ضدّ الباطل ولا يخاف في الله لومة لائم، يساهم بكل ما يستطيع لخدمة الأمة الإسلامية.." بعض الكلمات التي قالها الشيخ العلامة يوسف القرضاوي في شخص الشيخ أحمد الريسوني الذي انتخب أمس رئيسا للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لبيانه مناقبه وخصاله التي يعلمها العامة والخاصة.

خليفة للقرضاوي

انتخاب الريسوني في هذا المنصب خلفا للمؤسس الشيخ يوسف القرضاوي، جاء في ختام مؤتمر الجمعية العمومية لاتحاد علماء المسلمين المنعقد في مدينة إسطنبول التركية، والذي شارك فيه في هذه السنة 1030 عالما و50 جمعية إسلامية.

بانتخاب الشيخ المغربي أحمد الريسوني رئيسا لأكبر مؤسسة إسلامية تجمع علماء المسلمين من مختلف دول العالم والذي تأسس عام 2004، تنتهي حقبة القرضاوي أحد أبرز الوجوه الإسلامية في العالم، بعد أن بقي في هذا المنصب 14 سنة، لتبقى حقبة جديدة مع أستاذ المقاصد.

ويعد الريسوني (65 سنة) عالما مقاصديا مغربيا وعضوا مؤسسا ونائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حاليا، وشغل مهمة رئيس رابطة المستقبل الإسلامي بالمغرب ما بين 1994 و1996، ورئيس حركة التوحيد والإصلاح من 1996 إلى 2003، والمدير المسؤول لجريدة "التجديد" بين 2000 و2004.

تدرّجه التعليمي

ولد الشيخ أحمد بن عبد السلام بن محمد الريسوني عام 1953، في قرية أولاد سلطان بناحية مدينة القصر الكبير في إقليم العرائش شمال المملكة المغربية، وتابع تعليمه الابتدائي والثانوي في مدينة القصر الكبير، وحصل فيها على شهادة البكالوريا في الآداب العصرية، والتحق لسنة واحدة بشعبة العلوم القانونية في كلية الحقوق، ولسنة أخرى بشعبة الفلسفة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية.

بعد ذلك، التحق الشيخ بكلية الشريعة في جامعة القرويين بفاس، وحصل فيها على الإجازة العليا عام 1978، وأتمَّ دراساته العليا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس في الرباط، وحصل على شهادة الدراسات الجامعية العليا عام 1986، ودبلوم الدراسات العليا في مقاصد الشريعة عام 1989.

لم يكتفي الشيخ بهذا، بل واصل تعليمه العالي حتى حصل على شهادة دكتوراه الدولة في أصول الفقه عام 1992، ليساهم بعد ذلك في تأسيس جمعية خريجي الدراسات الإسلامية العليا بالمغرب، وكان أول أمين عام لها.

رجل علم وعمل

طوال الفترة الماضية، عرف الريسوني بجمعه بين العلم الشرعي والعمل الواقعي بالشرع والشريعة، فالريسوني عالم ميداني يحقق علمه في ميادين الحياة العامة والخاصة، ويتحقق من نظرياته ومفاهيمه بتعمد بإنزالها من الأعالي والأبراج إلى الفجاج والأمواج.

بدأ الشيخ نشاطه الوظيفي سنة 1973 في وزارة العدل المغربي أين قضّى فيها 5 سنوات كمحرّر قضائي، وعين رئيسا للقسم الإداري في المحكمة الابتدائية بمدينة سوق أربعاء الغرب عام 1976، ثم استقال منه، لينتقل بعدها إلى التعليم ليشغل وظيفة أستاذ بالتعليم الثانوي الأصيل بثانوية الإمام مالك بمدينة مكناس بداية من سنة 1978 إلى غاية 1984، وأستاذا لعلم أصول الفقه ومقاصد الشريعة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ جامعة محمد الخامس، وبدار الحديث الحسنية ـ بالرباط، من سنة 1986 إلى سنة 2006.

اعتبر الريسوني أن مقاصد القرآن هي التي ينبغي أن تكون الميزان والمعيار الذي لا بد للمفسرين في مناهجهم وتفسيراتهم

منذ عام 2006 عمل في مشروع "معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية"، بصفته "خبيرًا أوَّل" لدى مجمع الفقه الإسلامي الدولي بجدة، ثمَّ عُيِّن نائبا لمدير المشروع، ثم مديرا له إلى نهايته عام 2012، خلفا للدكتور جمال عطية الذي تعبت صحته وترك الأمر، فكان نعم الخليفة ونعم القائم بهذا الأمر.

نال عضوية مجلس الأمناء والمجلس العلمي لجامعة مكة المكرمة المفتوحة، وعمل مستشارا أكاديميا لدى المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وأستاذا زائرا في جامعة زايد بالإمارات العربية، وبجامعة حمد بن خليفة بقطر، وهو يدير منذ أواخر عام 2012 مركز المقاصد للدراسات والبحوث.

خلال الفترة الماضية، ألّف الريسوني قرابة 30 كتابا، أبرزها: "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي" الذي ترجم إلى 4 لغات (الفارسية والأردية والإنجليزية إضافة للعربية)، ونظرية التقريب والتغليب وتطبيقاتها في العلوم الإسلامية، ومن أعلام الفكر المقاصدي، ومدخل إلى مقاصد الشريعة، والفكر المقاصدي قواعده وفوائده.

ورثة الريسوني عن القرضاوي حبه للعمل الإسلامي وخدمة الأمة

كتب أيضا كتاب الاجتهاد: النص والمصلحة والواقع (ضمن سلسلة حوارات لقرن جديد)، ومقاصد المقاصد (الغايات العلميّة والعمليّة لمقاصد الشريعة)، والأمة هي الأصل (مجموعة مقالات)، والوقف الإسلامي، مجالاته وأبعاده (نشرته منظمة الأسيسكو وترجم إلى الإنجليزية والفرنسية)، والشورى في معركة البناء، والكليات الأساسية للشريعة الإسلامية.

التجديد في فقه المقاصد

قيمة فكرية، تعتزّ بها الحركة الإسلامية الوسطية، يقول الشيخ علي القره داغي إنه استطاع أن يجدد في فكر المقاصد، وأن يضيف وأن يوضّح ويحقق مجموعة كبيرة من مقاصد التأليف السبعة المعروفة، فكتاب نظرية المقاصد عن الشاطبي يعتبر من أهم المصادر الأساسية، فبعد الإمام الشاطبي وبن عاشور جاء الشيخ الريسوني.

عرف فقيه الوسطية والاعتدال، باهتماماته العلمية والعملية ذات الارتباط الوثيق بعلم الأصول ومقاصد الشريعة، إلى درجة أن المسافة بين الجوانب النظرية والجوانب التطبيقية في فقهه المقاصدي تكاد تكون شبه منعدمة.

 دخل الرجل باب المقاصد بدافع أسئلة حارقة أملتها عليه نزعته الحركية الإسلامية التي تطلبت منه تقديم أجوبة فقهية وشرعية لعدد من القضايا الحديثة والمسائل المعاصرة التي وجد نفسه كفاعل إسلامي مجبرا على التفاعل "الشرعي" مع مختلف تفاصيلها.

حاول الريسوني في كتاباته ونشاطه الحركي الطويل، أن يبيّن علاقة المقاصد بالفقه

إن الطلب المتزايد والمتنامي، على "الفقه المقاصدي" يستوجب، في نظر الريسوني، "الحاجة إلى الترشيد والتسديد لهذه الحركة المقاصدية، حتى تحقق مقاصدها وفوائدها ولا تحيد عنها". ويراد بمقاصد الشريعة؛ الحِكَم التي مِنْ أجل تحقيقها ولإبرازها في الوجود خَلَقَ الله تعالى الخَلْق، وبعث الرسل، وأنزل الشرائع وكلّف العُقلاء بالعمل أو التَرْك، كما يُراد بها: مصالحُ المكلّفين العاجلة والآجلة الّتي شُرعت الأحكام مِن أجلِ تحقيقها.

والمقاصد العامة للقرآن الكريم عند الريسوني هي "التي أنزل القرآن لأجل بيانها للناس، وتوجيههم إليها وحثهم على إقامتها ورعايتها، بحيث نجد العناية بها والقصد إلى تحقيقها في عامة سوره وأجزائه، سواء أكانت في عقائده أم في أحكامه وآدابه، أم في قصصه أم في صنف من آياته".

وذكر الريسوني خمس غايات علمية لمقاصد القرآن الكريم، فاعتبر أن مقاصد القرآن هي التي ينبغي أن تكون الميزان والمعيار الذي لا بد للمفسرين في مناهجهم وتفسيراتهم، فبمعرفتها ومراعاتها يضمن المفسر لنفسه ولتفسيره أن تكون اهتماماته ومقاصده واستنباطاته في نطاق القرآن الكريم بلا زيادة ولا نقصان، وهو ما سماه "تفسير القرآن في ضوء مقاصده".

ترشيد السياسة الشرعية

نظرا لما يصفه الريسوني بـ"الريبة المشروعة التي يثيرها بعض الخائضين في مقاصد الشريعة والمتحمسين لها بلا حدود"، حاول رئيس اتحاد العلماء المسلمين في كتاباته استباق خطر محدق بما يتيحه هذا "الفقه" الذي بدأ يتميز ويتخذ "شكل علم أو تخصص علمي مستقل"، من إمكانات تأويلية مبهرة للشريعة الإسلامية، وقراءات مدهشة لنصوصها للتوجيه والتحكم في أغراضه ومآلاته، حتى لا تنعكس سلباً على "استقرار الأحكام والثوابت الشرعية، ومنظومتها الفقهية الأصولية."

وألقى الريسوني في كتابه "مقاصد المقاصد"، نظرة فاحصة على ما يصدر اليوم باسم الشريعة والسياسة الشرعية من آراء وفتاوى، ومن مواقف وتصرفات، فوجدها طافحة بالخلل والقصور، مبنية على علم ضحل بمقاصد الشريعة، ووجد الفكر السياسي والممارسة السياسية الإسلامية في أمس الحاجة إلى مزيد من الوعي المقاصدي والنظر المقاصدي.

خدم الريسوني طوال حياته الأمة الإسلامية 

استنجد الشيخ العلامة في كتابه بمشاهد من صلح الحديبية تتمثل في صيغة كتابة وثيقة الصلح وتذمر الصحابة من بعض البنود ليستنتج من المشهدين معا أنه "لا بأس أحيانا، أو لا بد، من تقديم تنازلات شكلية أو خفيفة، ومن تحمل أضرار قريبة ومؤقتة، إذا علم أو ترجح في تلك الحالة أن العواقب البعيدة والنتائج الكبيرة ستكون مربحة ومريحة، فهذا من أهم قواعد السياسة الشرعية والفقه الرشيد."

حاول الريسوني في كتاباته ونشاطه الحركي الطويل، أن يبيّن علاقة المقاصد بالفقه، ويؤكّد أنها كعلاقة الروح بالجسد؛ فالمقاصد هي الروح والفقه الحي هو الجسد الذي تجري المقاصد في دمائه، لكن أي توظيف للمنهج المقاصدي في الاجتهاد الفقهي لا يعتمد النص الشرعي في البداية والنهاية يعد، في نظر الريسوني، انحرافا عن مقاصد المقاصد.

انتخاب الشيخ أحمد الريسوني في منصب رئيس اتحاد علماء المسلمين، سيضع على عاتقه دون شكّ مهمة احياء العمل الإسلامي في الأمة، وحسن إدارة المرحلة الحالية "الاستثنائية" في تاريخ الأمة الإسلامية لما تعرفه من أحداث لها أن تساهم في بلورة مستقبلها، وأن يطبّق ما كتبه في كتبه طوال السنوات الماضية حتى تحصل الفائدة.