عزل غزة عن تاريخها من خلال تجريدها من آثارها عبر السرقة أو الإهمال أو محاولات من هذا القبيل ما زال مستمرا منذ أكثر من قرن من الزمان وحتى اليوم، سواءً أكان الفاعل أو العامل المساهم خارجيا أم داخليا.

لقد شهدت غزة على مدار القرن الأخير سرقة عدة آثار تتحدث عن بداية وجود البشرية في هذا الكون، وعن قدم مدينتها على مستوى العالم، وتتربع هذه المقتنيات المسروقة على عرش الآثار في المتاحف العالمية التي نقلت إليها، وسيتم في هذا التقرير الإيتاء بأهم الآثار والمقتنيات الشاهدة على تاريخ المدينة، ونضالها وحضارتها.

التوابيت الكنعانية

ما بين عامي 1972 و1982، قامت دائرة الآثار في الجامعة العبرية بالقدس المحتلة، بالتعاون مع جمعيات أمريكية، بالتنقيب عن الآثار في منطقة دير البلح وسط قطاع غزة، للاشتباه بهذه المنطقة بوجود كنوز كنعانية وحضارية فيها، كونها العاصمة الجنوبية لدولة فلسطين قديماً.

التوابيت الكنعانية المسروقة

وتمكن علماء الآثار حينها من اكتشاف كميات كبيرة من الأثار، وبسبب هيمنة الاحتلال الإسرائيلي على المنطقة حينها، تم سرقة جميع ما تم اكتشافه ووضع بمتحف "الروكلفر" بالقدس المحتلة، والذي يتواجد فيه العديد من الآثار الفلسطينية والعربية التي تم سرقتها من لبنان وسيناء خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي لتلك البلدان.

وأهم ما تم اكتشافه في هذه المنطقة هي مجموعة من التوابيت الكنعانية، وقدر عددها بخمسين تابوت، يعود تاريخها إلى 1200 عام قبل الميلاد، صممت من الفخار الخالص بشكل هندسي رائع، يوحي بالإعجاز المعماري للكنعانيين بتلك الفترة، ويتواجد بكل تابوت جثمان المتوفى حينها، مع بعض الحلوى، ومقتنيات معينة خاصة به، كحلي زوجته، وخاتمه، وأواني خاصة به، وثيابه أيضا، وكذلك بعض الطعام لاعتقادهم قديما بأن الميت قد يستيقظ ويجوع تحت التراب.

حيث كان يتم وضع لأجل ذلك في التوابيت بعضا من لقاح النخيل ونبتة الميرتل الفلسطينية، لاعتقادهم قديما بأنه يرد الروح إلى الجسد في الحياة الباقية تحت التراب، كما وجدت في التوابيت عظام للضفادع، والضفادع مقطوعة الرأس هي من الطقوس الجنائزية قديما عند الكنعانيين.

الإله زيوس:


 الإله زيوس

يعتبر تمثال زيوس الإله الأكبر بالنسبة لليونانيين، ويوجد له مثيل في أكبر معابد زيوس في أوليمبيا غربي اليونان، بلغ ارتفاعه حوالي الـ 12 متر، وكان قد طُلي بالذهب والعاج، مثله كمثل غيره من التماثيل، والتي وجدت في غزة أيضا، جميعها تحاكي بتصاميمه هيئة (الاله زيوس الأصلي) وهو جالس فوق عرشه، والذي لم تظهر آثاره حتى اليوم.

يذكر بأن تاريخ إنشاء التمثال الأصلي يعود لحوالي الـ430 قبل الميلاد، من خلال اكتشاف بقايا لورشة عمل النحات اليوناني "فيدياس" في خمسينيات القرن الماضي، والذي أول من صمم الإله زيوس من العاج، بينما لباسه صمم من الذهب الخالص، والقاعدة من الرخام الأسود، فلم يتبقى اليوم سوى تلك القاعدة السوداء.

روايات أخرى تقول بأن الإله زيوس نقل من اليونان إلى مدينة اسطنبول، عاصمة الدولة الاغريقية آنذاك، وتم إنشاء في موضعه معبد الإله زيوس، وظل هذا المعبد قائما لمدة 800 عام، حتى عام 462 بعد الميلاد، إذ تم تدمير المعبد المطل على مضيق البسفور بشكل كامل إثر حريق نشب فيه، فذهب العاج وخشب التسليح الذي تم تكوين به زيوس، وذاب الذهب، وبقيت القاعدة كما هي.

وعلى إثر ذلك، قام اليونانيين بإنشاء عدة تماثيل في مستعمراتهم المنتشرة ببن الشرق والغرب، وذاك تيمنا بالتمثال الأصلي، فتم إنشاء أحدهما في أولمبيا غرب اليونان، بينما تم إنشاء الآخر في مدينة غرة كونها حلقة وصل بين مستعمرات اليونان بين أفريقيا وآسيا، وظل هذا الإله يحظى بشموخ الإغريق حتى استولت الإمبراطورية الرومانية على فلسطين واختفى معه هذا التمثال الذي قام على عبادته أهالي بلاد الشام ومصر.

في عام 1879 عثر أهالي غزة على تمثال الإله زيوس في غزة يبلغ ارتفاعه 15 مترا وقد اعتبر من عجائب الدنيا حينها، وقد تم العثور عليه تحت التراب بعشرة أمتار في منطقة تل العجول وسط مدينة غزة، والمصنفة بأنها أقدم المناطق التاريخية في العالم، وقامت السلطات العثمانية بمصادرته حينها وتم نقله إلى متحف بمدينة اسطنبول، وما زال هناك حتى يومنا هذا.

آثار سرقت من منطقة تل العجول


الآثار مسروقة من تل العجول

قد يعتبر تمثال الإله زيوس الذي تم مصادرته من قبل السلطات العثمانية لا يقدر بثمن مادي أو تاريخي مقابل القرصنة البريطانية في تل العجول أيضا، خلال احتلالها للأرض الفلسطينية، حينما وقف عالم الآثار البريطاني ألكسندر بتري على أرض تل العجول وقال كلمته "نحن الآن نقف على موطن الهكسوس الأول وعاصمتهم" حيث يعتبر هذا الموقع الأثر الوحيد الذي يؤرخ وجود الهكسوس حتى اليوم، والذين احتلوا العراق وبلاد الشام ومصر.

الآثار مسروقة من تل العجول

كانت منطقة تل العجول الموقع الفاصل لوضع حد للحرب بين العثمانيين والانجليز في الحرب العالمية الأولى ضمن الأراضي الفلسطينية، وبعد انتصار الإنجليز في هذه المعركة، تمت عملية البحث عن الآثار بداخل الموقع استمر منذ عام 1926 حتى 1931 عبر خمسة مواسم، وتم استخراج أكثر من 3000 قطعة أثرية من الذهب الخالص، عمرها يقدر بأكثر من 4000 عام، أغلبها يعود لملوك وحكام الهكسوس، وكذلك الفراعنة.

حتى الآن لا تعرف وزارة السياحة والآثار أي شيء يخص الآثار المسروقة من موقع تل العجول، لكن بريطانيا من جديد أفصحت عن الآثار المتواجدة بمتاحفها، بحكم القانون البريطاني الذي يقضي بالكشف عن الوثائق وخلافه بعد انقضاء مدة محددة، وكانت الآثار الفلسطينية المسروقة من غزة أغلب ما احتوته المتاحف البريطانية بداخلها.

من القطع الأثرية التي تم مصادرتها، قلائد ونفائس، وأواني وأنتيكا، وكذلك خواتم وأساور وتماثيل صغيرة، جميعها صنع من الذهب الخالص، وكذلك بعض السيوف والسهام وأغطية الرأس الملكية التي صنعت من الذهب الخالص أيضا.

وبحسب ما أوضح المؤرخ الفلسطيني الدكتور غسان وشاح، بأن منطقة تل العجول يحتوي على كنز من التحف الأثرية إذا ما استغلتها وزارة السياحة والآثار وبدأت بالتنقيب عنها، إلا أن بعض المنازل التي أقيمت على أرض هذا الموقع قد تعيق عمليات البحث نوعا ما.

وأوضح المؤرخ جهاد الشرقاوي بأن إقامة بعض المنازل السكنية في أرض تل العجول كانت بلعبة افتعلها عالم الآثار البريطاني بتري الذي أخاف أصحاب أراضي موقع تل العجول بأن الحكومة البريطانية سوف تصادر هذه الأرض لإقامة عليها معسكر للإنجليز إن بقيت بلا سكان، وحدثت هذه المكيدة لأن تل العجول يسبق تاريخ مرور بني اسرائيل من فلسطين والذي يدعي الاحتلال الإسرائيلي بأنهم من سلالتهم، ما دفع السكان المحللين يقيمون مساكنهم على أهم موقع تاريخي في جنوب إمبراطورية فينيقيا سايفا.

دير القديس هيلاريون

يعد دير القديس هيلاريون من أقدم الأديرة في فلسطين ومنطقة الشرق الاوسط، الذي أنشأها الراهب الفلسطيني الأول القديس هيلاريون 329 ميلادي، والذي نشأ وترعرع على يد القديس المصري الكبير أنطونيوس، وتم اكتشاف هذه المنطقة من خلال عمال فلسطينيين يبحثون عن خردة يتاجرون بها عام 1995.

بعد اكتشاف الدير مباشرة، سيطر الاحتلال الإسرائيلي على محيط منطقة هيلاريون، وأعلن عنها منطقة عسكرية مغلقة، واستمر التنقيب عن الآثار الموجودة في الدير مدة عشر سنوات قبل انسحابه من كافة مناطق قطاع غزة، إلا أنه نجح في مصادرة عدد كبير من آثار هيلاريون قبل رحيله عن القطاع.

لم يكتشف الاحتلال الإسرائيلي طيلة سنوات احتلاله لغرة باقي الأثار، وأهمهما تابوت هيلاريون الذي يتواجد فيه جثمانه، الذي تم اكتشافه قبل خمسة أعوام، وكذلك العديد من الأعمدة الرخامية، منها حوض التعميد، وأول بركة لزراعة السمك في العالم، وكذلك كراسي حجرية صممت لتلاميذ القديس قديما، إلا أن ما صادره الاحتلال يحتوي على ما يقارب 60% من محتويات هيلاريون وبالتالي لا يمكن تجاهله، وقد طالبت البعثة الفرنسية للتنقيب عن الآثار في قطاع غزة من الاحتلال الإسرائيلي بإعادة جميع الآثار المسروقة من هذا المقام، كونه الراوي الأول للمسيحيين في بلاد الشام، كما طالبت السلطة الفلسطينية وحكومة حماس بذات الأمر.

أكثر من 40 عاموداً رخامياً تم مصادرته من مقام هيلاريون من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وتم نقله إلى متحف "الروكلفر" في مدينة القدس، وكذلك بعض الطاولات الرخامية القديمة، وهدايا قديمة أهديت للقديس هيلاريون من ضيوفه الرومانيان حينما كانت إمبراطورتيهم تسيطر على مصر وبلاد الشام، كما اختفت بعض الأواني النحاسية والذهبية التي كانت مخصصة لاستحمام القساوسة، وكذلك عصا الراهب وغيرها.

أوضح المؤرخ الفلسطيني الدكتور ناصر اليافاوي بأنه تم العثور على هذا المقام المكون من 20 ألف متر مربع مدفونا تحت الأرض، بفعل الامبراطور الروماني جوليان 362 ميلادي، الذي ارتد عن دينه المسيحي وقام بملاحقة القساوسة والرهبان لتعذيبهم وإعدامهم، فنجح القديس هيلاريون حينها بالهروب عبر البحر لجزيرة قبرص، وتوفي هناك قبل أن يتم نقل جثمانه للمكان الذي نشأ فيه دينا، وخلال تنقيب الاحتلال الإسرائيلي عن هذه المنطقة لم يكن يعرف بأمر التابوت.

فسيفساء مسروقة

تعد حرب الفيلة 217 قبل الميلاد التي اندلعت في جنوب فلسطين، في مدينة رفح بالتحديد، من أكبر معارك العالم التي استخدم فيها أكبر عدد من الفيلة، وكانت الحرب بين إمبراطورية مصر بقيادة الملك "بطليموس" وبين ملك سوريا بقيادة "أنطوخيوس" ليكون المنتصر من نصيبه الحكم في جنوب فلسطين.

حرب الفيل

خسر جيش الملك المصري "بطليموس" 1500 من المشاة و700 من الفرسان و12 من الفيلة، بينما خسر جيش ملك سوريا "أنطوخيوس" 10 آلاف من المشاة و1000 من الفرسان، و5 من الفيلة، ومع أن مخاسر سوريا كانت أكبر من مخاسر مصر إلا في عدد الفيلة، إلا أن النصر كان من حليف جيش سوريا، وذلك لأن فارق القوة كان يتمثل من خلال الأفيال.

بقدر عدد الأفيال الآسيوية التي تتميز بضخامتها والتي تم جلبها من باكستان لتجنيدها لدى جيش سوريا حينها 102، أما جيش مصر كان يتكون فقط من 71 من الفيلة وتم جلبها من دول جنوب أفريقيا، إلا أن ما يعيبها صغر حجمها مقارنةً بالفيل الآسيوية التي استعملها جيش ملك سوريا، والتي أحدثت الرعب في قلوب جيش مصر لهمجيتها وصوتها، ما جعل جيش مصر يتراجع أمام جيش سوريا.

عثر الاحتلال الإسرائيلي في السنوات الأخيرة في مدينة طبريا شمال فلسطين المحتلة وعلى الحدود مع سوريا عدد من القطع الفسيفسائية التي تؤرخ تحرك قوات الملك السوري "أنطوخيوس" من طبريا نحو رفح جنوب قطاع غزة.

وجدت في منطقة تل رفح الأثرية جنوب قطاع غزة عدد من أنياب الفيلة وجماجمها، وبعض عظام صدرها، ما يؤرخ حرب الفيلة التي اندلعت قبل 3000 عام، كما قام الاحتلال الإسرائيلي بمصادرة عدد من قطع الفسيفساء من الموقع قبل انسحابه من قطاع غزة.

عثر الاحتلال الإسرائيلي في السنوات الأخيرة في مدينة طبريا شمال فلسطين المحتلة وعلى الحدود مع سوريا عدد من القطع الفسيفسائية التي تؤرخ تحرك قوات الملك السوري "أنطوخيوس" من طبريا نحو رفح جنوب قطاع غزة.

الجندي المجهول


نصب الجندي المجهول

يقع ميدان الجندي المجهول وسط مدينة غزة، وسمي بذلك نسبة للتمثال الذي نُصب في منتصف الجندي خلال فترة الحكم المصري لقطاع غزة في خمسينيات القرن الماضي، ومع أن هذا النصب ليس بقديم مقارنة مع آثار غزة، إلا أن روايات إنشائه اختلفت، وخاصة أنه يعتبر من أهم المعالم النضالية في غزة، وميدانه اليوم هو الميدان الرئيسي لكافة سكان القطاع، ويحوي بداخله مقر البرلمان الفلسطيني، كما أنه منتزه وحلقة تعارف أبناء القطاع ببعضهم.

تمثال الجندي المجهول صمم من الحجر لجندي من الجيش المصري يرفع إشارة التحية العسكرية وموجها صوب الاتجاه المشير للمسجد الأقصى المبارك، وتدور الروايات حول إنشاء تمثال الجندي المجهول، لنفس السبب والزمان الذي سُمي فيه مفترق الشهداء جنوب مدينة بهذا الاسم، حيث كانا كلا من المفترق والميدان تجمعا عسكريا لقوات أو ألوية من الجيش المصري الذي تواجدت في قطاع غرة دفاعا عنها من الاحتلال الإسرائيلي

في عام 2007 على إثر الاقتتال الفلسطيني الداخلي بين حركتا حماس وفتح، اقتحم الميدان ومقر البرلمان الفلسطيني مجموعة من الملثمين، وقاموا بخطف التمثال ولم يظهر منذ حينها

تسلل عدد كبير من الجنود إلى ميدان الجندي المجهول عام 1953 وقاموا غدرا على القوات المصرية، حتى جعلوا عظامهم وجثثهم كاللحم المفروم، ارتقى على إثرها 36 شهيدا مصريا، وتحركت حينها قوات مصرية من جنوب غزة لنجدة من تبقى بميدان الجندي وسط غزة، فوقعوا في كمين لقوات الاحتلال في جنوب مدينة غزة ارتقى أيضا قرابة 30 شهيدا، وعلى إثرها سُمي هذا الطريق بجنوب غزة بمفترق الشهداء، بينما وسط غزة تعذر التعرف على الجثث بسبب فرمها، فوضع نصب تذكاري لهم سمي بالجندي المجهول، وأقيم حوله ميدان أصبح اليوم متنفس تجاري وترفيهي لأهالي قطاع غزة.

في عام 2007 على إثر الاقتتال الفلسطيني الداخلي بين حركتا حماس وفتح، اقتحم الميدان ومقر البرلمان الفلسطيني مجموعة من الملثمين، وقاموا بخطف التمثال ولم يظهر منذ حينها، ومع أن حكومة حماس استطاعت الكشف عن بعض المقتنيات المسروقة من منزل الرئيس الراحل ياسر عرفات، وبعض القطع الأثرية، إلا أن ذلك الجندي الذي يمثل صرحا عظيما بالنسبة لسكان غزة مازال مختفيا حتى اليوم، وما زال الفاعل مجهولا منذ 12 عاما.