منذ بدايات الثورة الرقمية العالمية، اشتبكت مجتمعاتنا المحلية وتفاعلت مع المنتج التقني العالمي بمختلف أنماطه، وبدأت نتائج هذا التفاعل تلقي بظلالها على واقعنا، كما أنتجت ظواهر اجتماعية وثقافية ونفسية وسياسية مختلفة، ولا شك بأن اشتباك المستخدمين في الأردن مع الميديا الاجتماعية بمختلف أنماطها أنتج ظواهر مختلفة ومعقدة في ذات الوقت؛ دفعتنا إلى طرح كثير من التساؤلات حول الحاضر والمستقبل وكيف سيبدو مجتمعنا الأردني خلال السنوات المقبلة في ظل الإقبال الشديد على مواقع الشبكات الاجتماعية والتي تعد أحد أنماط الميديا الاجتماعية، وبدأنا حينها برسم التوقعات حول المستقبل القريب والبعيد لهذا المجتمع بما يحمله هذا المستقبل من مخاطر وتحديات وآفاق إيجابية في ذات الوقت.

سنحاول تسليط الضوء على بعض الظواهر الاجتماعية والسلوكات الفردية التي بدأت بالظهور عقب انتشار استخدام مواقع الشبكات الاجتماعية، وما تلا هذا الانتشار من إجراءات قانونية وتشريعات جديدة نتجت على طبيعة تعاطي الأفراد (المستخدمين) لمواقع الشبكات الاجتماعية والمواقع الإلكترونية، والإشكاليات الناتجة عن هذا التعاطي بما يمس خصوصية الأفراد وظاهرة اغتيال الشخصية والأسماء المستعارة ونشر الوثائق المزورة ونشر المعلومات المغلوطة والتعبير عن الرأي دون الالتزام بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية، والخلط القائم في مفاهيم الحريات والتعبير عن الرأي وانتهاك الخصوصية وما سوى ذلك من ممارسات تدل على انخفاض مستوى المعرفة والخبرة في استخدام تلك المواقع بما يحقق النزعات الفردية المتطرفة من جهة والمآرب السياسية المؤدلجة لبعض الجهات، لسنا بصدد الترويج للتشريعات التي تحد من الحريات بقدر ما نسعى إلى طرح رؤى جديدة للتعاطي مع الظاهرة الرقمية.

عملت المؤسسة التشريعية ومديرية الجرائم الإلكترونية التي تأسست حديثا لضبط الفوضى وحماية خصوصية الأفراد وتقنين وتوجيه عملية استخدام مختلف أنماط الميديا الاجتماعية والتطبيقات الذكية

مع الإقبال الكبير على استخدام مواقع الشبكات الاجتماعية في الأردن، لم تكن ثمة تشريعات تنظم طريقة التعامل مع تلك المواقع وما ينتج عنها من ظواهر تقنية جزئية وميزات مختلفة للتطبيقات الذكية، شكل هذا الأمر تحديا للمؤسسة التشريعية التي لم تعتد على التعامل الدقيق مع ظاهرة عالمية كبرى هي الثورة الرقمية، كما أن المستخدمين باشروا باستخدام المواقع والتطبيقات بطرق مختلفة ولأهداف كثيرة، فهناك أهداف وحاجات فردية تتعلق بالأدوار الاجتماعية وسؤال الهوية والتعبير عن القدرات والرغبة في الإقصاء والإسقاط للأفراد والهيئات...الخ، وهناك أهداف سياسية أو إيديولوجية قصدت إلى التأثير على الأفراد والجماعات، وظهرت دعوات تهدف إلى نشر الطائفية والعنصرية واغتيال الشخصيات العامة وإسقاط الرموز الوطنية، وحملت تلك الدعوات التي امتطت ظهر الميديا الاجتماعية في أحشائها رغبة بنشر الفوضى والعنف والأزمات داخل المجتمع.

في هذا السياق عملت المؤسسة التشريعية ومديرية الجرائم الإلكترونية التي تأسست حديثا لضبط الفوضى وحماية خصوصية الأفراد وتقنين وتوجيه عملية استخدام مختلف أنماط الميديا الاجتماعية والتطبيقات الذكية، وجاء قانون الجرائم الإلكترونية الأصلي والمعدل ليضع الأفراد عند حدود مسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية.

 بدأ كثير من المستخدمين في الأردن بالانخراط بالميديا الاجتماعية والتفاعل معها بشكل تلقائي وغير مدروس، اعتبروا أن تلك الجدران الإلكترونية هي مساحات التعبير المطلقة لكل ما يجول في خواطرهم معتمدين على سؤال (الفيس بوك) بماذا تفكر؟؟ دون أن يدركوا أن تلك المواقع والتطبيقات قبل تصميمها تكون قد أعدت لأهداف محددة يدخل فيها الثقافي والسياسي والاجتماعي والديني، وهي منبثقة عن سياق المجتمعات الصناعية المعقدة بالدرجة الأولى والتي يتحمل فيها الفرد التزاماته ومسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه الدولة والمجتمع والحياة بشكل عام، ولقد لعبت الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعيشها مجتمعاتنا العربية من فقر وبطالة وانسدادات في الأفق بشكل عام؛ دورا رئيسا للتوغل في مواقع الشبكات وتداول كل ما ينشر كإسقاطات نفسية وردات فعل سياسية وإيديولوجية؛ ما تسبب في حدوث شبه فوضى في الفضاء الإلكتروني تعمل على تأجيج الفتن والصراعات ونمو التناقضات.

ما نحتاجه اليوم هو إحداث عملية توازن وانضباط في التعاطي مع الميديا الاجتماعية

تعاملت الحكومة الأردنية لمعالجة تلك الظواهر بطريقة كلاسيكية حيث أصدرت تشريعات تحدد مستويات التعبير وبث المعلومات، وتحمي الخصوصيات الفردية، كما بدأت مديرية الجرائم الإلكترونية بالاشتغال على قضايا انتهاك الخصوصية وحماية الأفراد، كانت تلك الإجراءات إيجابية في جوانب معينة لكنها غير كافية للتعامل مع ظاهرة كونية تحمل تعقيداتها وأزماتها المتنقلة على الفرد والجماعة، فهناك الكثير من المواطنين الذين أحيلوا للقضاء بسبب سوء الاستخدام، وأصبحت المحاكم تتلقى شكاوى كثيرة حول تلك القضايا، جزء كبير من تلك القضايا كان بسبب الجهل بالقانون وطرق التعبير وحدود الحريات ومسائل الإرهاب والأمن القومي، هذه الحالة سترهق المؤسسة القضائية والأمنية بالدرجة الأولى، كما ستعمل على إهدار الطاقات الفردية في قضايا ليست ذات معنى هادف.

ما نحتاجه اليوم هو إحداث عملية توازن وانضباط في التعاطي مع الميديا الاجتماعية، التزامات أخلاقية ومسؤولية مجتمعية، وإيمان بخصوصية الأفراد وتوجهاتهم، لأن المضي نحو الاستخدام الخاطئ للميديا وتوظيفها في العنف الرمزي والطائفية واغتيال الشخصيات والمساس بمعتقدات الناس أمر يقود إلى توترات اجتماعية في المستقبل، ومن هنا يبرز دور مؤسسات المجتمع المدني، والوزارات المعنية مثل وزارة الثقافة ووزارة التربية والأوقاف والمؤسسات الثقافية الراعية لنشر الثقافة الهادفة، ولحد الآن لم تبرز أية برامج شاملة أو استراتيجيات وطنية تنظم عملية التعاطي مع الثورة الرقمية بعيدا عن موضوع التشريعات والذي يأتي كتحصيل حاصل.

هذا الأمر يتطلب كثير من الجهد الموجه لنشر الوعي والثقافة وروح الحوار الراقي على جدران مواقع الشبكات الاجتماعية، وبصفتي الشخصية كناشطة اقترحت إطلاق مبادرة إلكترونية اجتماعية تحت مسمى " سوشلها صح" تدعو إلى تدريب الشباب وتثقيفهم وتوجيههم نحو الاستخدام الأمثل للميديا الجديدة وفق المعطيات والتشريعات الوطنية وبعيدا عن روح النزاع والرغبة في انتهاك خصوصية الآخر، تلك المبادرة تضع في عين الاعتبار عددا من المحاور هي؛ جوهر التقنية وأهداف تصميمات التطبيقات الذكية وسياقاتها الثقافية التي ولدت من رحمها، وطرق التعاطي مع مختلف التطبيقات في سياقات المحلية وخصوصيتنا الثقافية كمجتمع أردني، إلى جانب محاور تتناول الأسس لإنشاء فضاءات رقمية تحمل روح الحوار والتعددية واحترام حريات الأفراد.