لم يكن يتوقع شريف، الموظف الذي أفنى صحته وقضى ما يقرب من نصف عمره البالغ ستين عامًا في خدمة الدولة أن يأتي عليه اليوم الذي لا يستطيع أن يفي حتى بمتطلبات علاجه، الأمر الذي دفعه مرغمًا إلى البحث عن الأدوية رخيصة الثمن دون اعتبار لما يمكن أن تؤثر عليه صحيًا.

فوق أرصفة منطقة السيدة عائشة  بمحافظة القاهرة تباع عشرات الأدوية بأسعار تقل عن مثيلاتها في الصيدليات بما يزيد عن خمسة أضعاف، هناك أجد ما أريد، وأكمله بما أحصل عليه من التأمين الصحي، وأوفر ثمن بقية العلاج للبيت والأولاد..هكذا أكمل شريف حديثه لـ "نون بوست" كاشفا النقاب عن كارثة ربما تضع حياة الملايين من المصريين على المحك.

لم تكن آهات الموظف الستيني سوى صرخة مدوية عرًت المجتمع والدولة في آن واحد بصورة كبيرة، لتكشف عن أزمة جديدة وشبح مخيف يطارد المصريين، فالأمر تجاوز سعر تذكرة المترو أو لتر البنزين أو حتى سعر البطاطس ونظيراتها من الأغذية التي باتت عصية على كثير من محدودي الدخل، فالقضية هنا تتعلق بصحة المواطن، حياته التي أصبحت في مرمى الموت.

 الأزمة وإن كانت موجودة منذ سنوات طويلة مضت غير أنها تفاقمت بصورة ملفتة للنظر  بعد قرار وزير الصحة السابق أحمد عماد الدين برفع أسعار ما يقرب من 3010 صنف دوائي  بنسب تتراوح بين 30 و50%، وذلك بعد أيام قليلة من قرار تعويم العملة المحلية قبل عامين..

بين الاختفاء وزيادة الأسعار

لم تشهد سلعة في مصر تأرجحا في أسعارها على مدار الأشهر الماضية كالأدوية، وصلت إلى أن سعر علبة الدواء الواحدة من الممكن أن تتغير كل ثلاث ساعات دون مبالغة، وتجد مدون على الغلاف الخارجي للدواء أكثر من سعر، وحين تسأل الصيدلي تكون الإجابة: "السعر بيتغير كل شوية.. واحنا هنعمل إيه".

التلاعب بصحة المواطنين باتت سمة رئيسية عند أصحاب الصيدليات وشركات الأدوية على حد سواء، إضافة إلى وزارة الصحة التي فقدت دورها الرقابي رويدًا رويدًا ورضخت لضغوط أصحاب الشركات ذوي النفوذ والجاه والمال، بينما يقبع المريض الفقير في ذيل قائمة اهتمام الجميع، دافعًا وحده الثمن.

اختفاء ما يقرب من 2000 صنف دوائي من السوق خلال الفترة الماضية

قفزات جنونية في أسعار الأدوية تجاوزت وبشكل كبير امكانيات الغالبية العظمى من المرضى (30 مليون مصري على الأقل تحت مستوى خط الفقر)، فمن كان يخصص 100 جنيه (6 دولار) لعلاجه شهريًا بات في حاجة إلى مضاعفة هذا المبلغ ثلاث مرات على الأقل في ظل الأسعار الجديدة، مع الوضع في الاعتبار ثبات الدخول وعدم تزحزحها عن مكانها منذ سنوات، هذا مع عدم التطرق إلى تحريك كافة أسعار السلع والخدمات الأخرى والتي أفقدت العملة المحلية وهي العملة التي يتقاضى بها المصريون رواتبهم ما يزيد عن نصف قيمتها ويزيد.

الدكتور مصطفى الوكيل، وكيل نقابة الصيادلة المصرية، كشف في دراسة أعدتها النقابة عن اختفاء ما يقرب من 2000 صنف دوائي من السوق خلال الفترة الماضية، مرجعًا ذلك إلى ارتفاع سعر الدولار أمام العملة المحلية ما تسبب في زيادة كلفة المواد الخام المستوردة ومن ثم تحريك الأسعار بالأسواق المحلية.

وكيل نقابة الصيادلة أشار إلى أن مقترح رئاسة  المصرية كان واضحاً بأن تكون الزيادة على الأدوية الأقل من 30 جنيهاً (1.8دولار) بنسبة 20%، ما دفع النقابة للتدخل لمنع حدوث أي تلاعب في الأسعار،  لكنها لم تنجح في ذلك، قائلا: "بالفعل صدر القرار ولكن للأسف بدأ التلاعب"

وتابع: "بدأنا فى عمل غرفة طوارئ ونجحنا فى رصد تغيير معظم الأسعار بالأسواق والصيدليات بكل المحافظات، وهناك شركات منعت توزيع الأدوية بحجة عدم وجود تسعير واضح وهذا رأى منطقى وصحيح ولديها حق فى ذلك وبالتالى لو عندى مخزن به أدوية قيمتها تصل إلى مليون جنيه، لو انتظرت لساعتين من الممكن أن يكون مليوناً و200 ألف".

قدرت حجم السوق السوداء للأدوية بنحو 525 مليون دولار، وبالتالي يمثل 15 بالمئة من حجم سوق الدواء الإجمالي والذي يصل إلى نحو 3.5 مليار دولار.

أما  البدوي، سكرتير شعبة الأدوية بغرفة القاهرة التجارية، فحمل وزارة الصحة مسئولية ما يحدث، مشيرًا أن “هناك تعمدا في عدم فصل ملف الدواء عن وزارة الصحة، فمن يتولى هذه الحقيبة يكون دائما طبيبا ويستمد قوته من هذا الملف”، موضحًا أن "شعارات حماية المواطنين التي تتشدق بها وزارة الصحة من تغول شركات الدواء باتت وهمية وكشفتها الضغوط الأخيرة، حيث رضخت الوزارة لشروط الشركات المحلية والعالمية، ورفعت الأسعار بشكل عشوائي وفق النسب التي حددتها الشركات"

وكانت  شعبة الأدوية بالغرفة التجارية بالقاهرة قد قدرت حجم السوق السوداء للأدوية بنحو 525 مليون دولار، وبالتالي يمثل 15 بالمئة من حجم سوق الدواء الإجمالي والذي يصل إلى نحو 3.5 مليار دولار.

3.5مليار دولار حجم سوق الدواء في مصر

أدوية على الرصيف

ارتفاع أسعار الدواء بما يتجاوز قدرات المرضى الفقراء دفع كثيرا منهم إلى البحث عن بديل، ومن ثم وجدت الأسواق الشعبية التي تعرض بعض الأصناف الدوائية كثيرة الاستخدام رواجا غير مسبوق، وهو ما يفسر حالة الزخم التي فرضت نفسها مؤخرًا على منصات التواصل الاجتماعي بشأن الصور المتداولة لأدوية تباع على الأرصفة والطرقات شأنها شأن السلع والأجهزة المستخدمة.

وتنتشر هذه الظاهرة في عدد من الأسواق المصرية الشهيرة في مناطق السيدة عائشة بالقاهرة وشبرا الخيمة بالقليوبية وسوق إمبابة بالجيزة، حيث يفترض الباعة علب الدواء على الأرض بأسعار رخيصة جدا مقارنة بما هي عليه في الصيدليات، الملفت للنظر في هذه المسألة هو الإقبال الكبير عليها، وهو ناقوس الخطر الذي يدقه الدكتور مجدي عناني، صاحب إحدى الصيدليات.

عناني في حديثه لـ "نون بوست" كشف أن تحريك  شركات الأدوية لأسعار معظم الأصناف الدوائية بسبب ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه، أحدث حالة من الارتباك في السوق الدوائي المصري، دفع الكثير من المرضى غير القادرين إلى العزوف عن شراء الأدوية من مصادرها الشرعية والقانونية، ومن هنا انتعشت السوق السوداء للأدوية.

بين مطرقة شركات الأدوية التي لا يهمها سوى مكاسبها المادية غير مبالية بحياة المرضى، وسندان تجاهل وزارة الصحة الراضخة لإملاءات وشروط أصحاب تلك الشركات، وفقدانها دورها الرقابي المفترض، يقبع الملايين من المصريين محدودي الدخل في انتظار الموت البطيء ما لم يحدث طارئ.

وأضاف أن مصر بها مئات المصانع غير القانونية التي تقوم بصناعة الدواء والتي يطلق عليها في اللغة الدارجة "مصانع بير السلم" إذ تعتمد هذه المصانع على إنتاج أدوية مقلدة للأدوية الأصلية أو استيراد أدوية صينية وبيعها على أنها أدوية صادرة عن شركات معروفة، هذا بخلاف الأدوية منتهية الصلاحية، كل هذا يضع حياة المريض في خطر، فبجانب عدم صلاحية معظم هذه الأدوية غير أن الصالح منها نسبيًا قد يفسد جرًاء عدم التخزين الجيد وعرضها في درجات حرارة عالية في الطرقات ومن ثم يصبح تناول بعضها أشبه بالانتحار.

هذا علاوة على أن هناك توجها جديدا لدى بعض الشركات أو الصيدليات يتمثل في شراء الأدوية منتهية الصلاحية والتي يتم الترويج لها عبر صفحات مواقع التواصل الإجتماعي، بأسعار منخفضة، ثم يتم إعادة تدويرها من جديد، وبيعها مرة أخرى، وذلك عن طريق عدة محاور : الأول: تغيير تاريخ الإنتاج، حيث يتم مسح التاريخ القديم والرقم الكودي الخاص به، ثم إلصاق تاريخ حديث يضمن بقاء المنتج صالحًا لمدة زمنية كافية، الثاني: إضافة سعر منخفض على علبة الدواء مقارنة بسعرها الحقيقي في السوق، موضحًا أن السعر الجديد المطبوع على الدواء هو السعر القديم الذي كان معمولا به قبل رفع الأسعار، مايعطي انطباع لدى المشتري أن الصيدلية تبيع بالأسعار القديمة وهو ماقد يعزز من ثقة ومصداقية الصيدلية أو الشركة لدى المشتري.

أدوية على الرصيف تباع في الأسواق الشعبية المصرية

 

حياة الملايين على المحك

في عام 1992 نشر معهد الأمراض المعدية بالولايات المتحدة الأمريكي بحثا علميًا تطرق إلى مخاطر تناول الأدوية منتهية الصلاحية أو المغشوشة، البحث حذر وبشدة من المخاطر الصحية الناجمة عن تناول هذه الأنواع من الأدوية  وفي مقدمتها أنها تقوم بتكسير كرات الدم البيضاء، وبالتالي تحطم جهاز المناعة بشكل كبير، وذلك بعد تدمير الصوديوم والبوتاسيوم فى خلايا الجسم، مما يؤدى لسرعة ضربات القلب فتحدث الوفاة، وهذا ما أشار إليه الدكتور أحمد فاروق، عضو مجلس نقابة الصيادلة بمصر.

الغالبية العظمى من المرضى المصريين فقراء، وهو ما يعمق من الأزمة، إذ باتت حياتهم في خطر حال لجوءهم إلى المصادر البديلة في الحصول على الدواء، خاصة مع تصاعد الأزمة الاقتصادية التي انعكست على الحياة المعيشية بصورة لم تشهدها مصر منذ عقود طويلة، والتي زجت بما يزيد عن ثلث المصريين في غياهب جب الفقر.

وبين مطرقة شركات الأدوية التي لا يهمها سوى مكاسبها المادية غير مبالية بحياة المرضى، وسندان تجاهل وزارة الصحة الراضخة لإملاءات وشروط أصحاب تلك الشركات، وفقدانها دورها الرقابي المفترض، يقبع الملايين من المصريين محدودي الدخل في انتظار الموت البطيء ما لم يحدث طارئ.