"سنواصل الضغط على إيران بلا هوادة"، بهذه الكلمات دشنت واشنطن على لسان وزير خارجيتها مايك بومبيو حزمة العقوبات الجديدة على قطاعي النفط والنقل والمصارف الإيرانية في الـ5 من نوفمبر الحاليّ، عقوبات تهدف لتغيير سلوكها "الشرير" في المنطقة وفق منطق بومبيو الأمريكي، بينما يرى فيها الإيرانيون رغبة في إسقاط النظام.

بيد تلوح واشنطن بـ"العقوبات الأقسي" في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وبالأخرى تُبقي باب الحوار مفتوحًا، لكن بشروط، 12 شرطًا تحديدًا تراها إيران مستحيلة، بينما تراها واشنطن غير قابلة للتفاوض، وبينما يعول الأمريكيون على إنهاك إيران داخليًا لإشغالها والحد من نفوذها خارجيًا أعلن روحاني أنها ستلتف على هذه العقوبات بفخر.

ورغم تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن تكون العقوبات هذه المرة ضد إيران أكثر صرامة خلال الفترة المقبلة، فإن ذلك لم يمنع وجود استثناءات، حيث وافقت الحكومة الأمريكية على السماح لـ8 دول بالاستمرار "المؤقت" في شراء النفط الإيراني، ما يمنح طهران فرصة لتنفس الصعداء عبر الإبقاء على منافذ للتصدير.

لم يكن هذا هو الاستثناء الوحيد الذي كان مسار تساؤل، فبعد يومين من دخول العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ، أعلن مايك بومبيو استثناءً آخر للسماح بتطوير ميناء تشابهار جنوب شرقي ​إيران​، الذي تشارك فيه كل من الهند وأفغانستان، ويبدو التساؤل أكثر إلحاحًا، فإذا كانت واشنطن تهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني لماذا تفتح له هذه النوافذ التي ربما تجهض العقوبات المفروضة؟

حسابات ميناء تشابهار بين الاقتصاد والسياسة

في مايو/أيار من العام 2016 أثمر اتفاق ثلاثي بين إيران والهند وأفغانستان عن تدشين ميناء تشابهار الذي ترى طهران أنه سيغير حركة التجارة الهندية والأفغانية، وتعقد الأمل عليه ليكون حلقة وصل بين شرق آسيا وآسيا الوسطى، وعبره كذلك تفتح طريقًا إلى أوروبا الشرقية كما قال الرئيس الإيراني حسن روحاني.

الهند وأفغانستان تبحثان عن تخفيض تكلفة حركة تجارية، لكن الطرف الثاني في القضية (باكستان) فتنظر إلى المشروع بمرآة السياسة

ترسل طهران رسائل الاستثمار إلى دول الجوار فتلتقطها الهند التي تعهدت بالقسم الأكبر، فهي تبحث عن منافذ غير مكلفة إلى نفط إيران وأسواق آسيا الوسطى، أما أفغانستان فما فتئت تبحث عن منفذ بحري، وإيران التي تعهدت بالجزء الممتد إلى الحدود الأفغانية فسوف يصبح الممر عبر مينائها، أما المسير فيتواصل برًا إلى عمق أفغانستان.

اتفاق ثلاثي تبدو كل تفاصيله اقتصادية، فإيران تبحث عن دور لها في الممرات التجارية، أما الهند وأفغانستان فتبحثان عن تخفيض تكلفة الحركة تجارية، لكن الطرف الثاني في القضية (باكستان) فتنظر إلى المشروع بمرآة السياسة، وهي التي لعبت لسنوات دور الممر إلى دول آسيا الوسطى عبر ميناء كراتشي.  

تم توقيع اتفاق ثلاثي بين إيران والهند وأفغانستان لتدشين ميناء تشابهار

اُفتتحت المرحلة الأولى للميناء في نهاية العام الماضي، وبحسب الإحصاءات فإن سعته ارتفعت إلى نحو 9 ملايين طن بعد أن لم تكن تتجاوز 3 ملايين طن قبل التحديث، ومن المقرر أن ترتفع سعته إلى أكثر من 80 مليون طن عند إتمام مراحله الأربعة الأخرى، حيث تأمل إيران في تشغيله بحلول 2019 على الرغم من تجدد العقوبات الأمريكية ضد طهران.  

تريد إيران أن تلعب دور الممر التجاري في المنطقة، أما حساباتها الاقتصادية فلا تبتعد كثيرًا عن السياسة، إذ قد يُنظر إلى معابر تجارية كهذه مع العالم على أنها منافذ الطوارئ لبلد يُهدد بالعقوبات بين الفنية والآخرى، ورغم تدراك هذه الأهمية تمنح الولايات المتحدة الميناء استثناءً من العقوبات.

يأتي هذا الاستثناء - بحسب وزير الخارجية الأمريكي - ضمن مشروع تقوده الهند لإقامة ممر نقل جديد لإنعاش اقتصاد ​أفغانستان​ المجاورة، وذلك عبر مد خط سكك حديدية من ميناء تشابهار إلى أفغانستان؛ لتستفيد منه الأخيرة، خاصة فيما يخص شحن السلع غير الخاضعة للعقوبات مثل الأغذية والأدوية إلى البلد الذي تمزقه الحرب.

يبدو أن هذه الخطوة التي اتخذها بومبيو، لا تنفصل عن تقييم واشنطن لاتجاهات علاقاتها مع بعض القوى الآسيوية، خاصة الهند والصين

ونقلت وكالة "رويترز" عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية قوله إن الإعفاء من العقوبات الممنوح لمشروع تشابهار يهدف لتعزيز العلاقات الأمريكية مع أفغانستان والهند في إطار تنفيذ سياسة ممارسة أقصى ضغط لتغيير سياسات النظام الإيراني التي تهدد الاستقرار في المنطقة وخارجها.

وبحسب المبررات الأمريكية، يبدو أن هذه الخطوة التي اتخذها بومبيو، لا تنفصل عن تقييم واشنطن لاتجاهات علاقاتها مع بعض القوى الآسيوية، خاصة الهند والصين، فضلاً عن رؤيتها لمستقبل الترتيبات السياسية والأمنية في أفغانستان، ومع ذلك، فإن تلك الخطوة قد تساهم في توجيه مزيد من الرسائل المزدوجة التي ربما تؤثر على موقف إيران من العقوبات في النهاية.

من تقويض تجارة الأفيون إلى الضغط على باكستان

ألقى قرار ترامب في البداية بظلال من الضبابية على استمرارية مشروع تشابهار الذي من شأنه أن يساهم في بناء اقتصاد أفغانستان، ما يشكل خطرًا على هدف رئيسي في الإستراتيجية الأمريكية الرامية لإنهاء أطول حرب دخلتها الولايات المتحدة، لكن بعد يومين من إعادة فرض العقوبات على إيران، حصلت أفغانستان على الضوء الأخضر للتعامل مع إيران.  

يبعد ميناء تشابهار الذي يطل على المحيط الهندي عن الأراضي الأفغانية 900 كيلومتر

وعلى الرغم من أن واشنطن لم تفصح عن هوية البلدان الـ8 المعفاة من استيراد المنتجات النفطية الإيرانية، كان يُتوقع أن تكون أفغانستان من بينها أو جزء من استتثناءات أخرى، نظرًا لاعتماد كابول على ميناء تشابهار الإيراني كطريق حيوي مهم يصل بالمياه الدولية، وهو ما أكده السفير الأمريكي في أفغانستان، جون آر باس، في تغريدة عبر تويتر.

كتب جون آر باس، لكن كلماته لم تحمل أي أسباب، فقد جاء في تغريدته: "بعد دراسة مستفيضة، منحت الولايات المتحدة استثناءً، بموجب قانون إيران للحرية ومكافحة الانتشار، للسماح لأفغانستان بمواصلة استيراد المنتجات النفطية من إيران، ومتابعة شحن البضائع غير الخاضعة للعقوبات من خلال ميناء تشابهار لصالح أفغانستان".

ويرجع ذلك إلى رؤية واشنطن أن استمرار تطوير ميناء تشابهار يمكن أن يساعد في دعم جهود تحقيق الاستقرار في أفغانستان - بعد 17 عامًا من الغزو الأمريكي لم تفلح خلالها في الإطاحة بحكم طالبان - خاصة أنه سوف يساهم في تأمين قسم من احتياجاتها من السلع والأدوية، وسيساعد الهند على الوصول إلى أسواقها، وهو ما يجعل الميناء وسيلة تدعم من خلالها أفغانستان علاقاتها مع الهند وقوى إقليمية أخرى.

ويجري تطوير مشروع ميناء تشابهار المدعوم من الهند في إيران في إطار ممر جديد للنقل لأفغانستان التي لا توجد لها منافذ بحرية، حيث يمكن أن يفتح لها المجال أمام تجارة بملايين الدولارات ويقلص اعتمادها على جارتها باكستان التي تتخذ منها موقفًا عدائيًا في بعض الأحيان، وأُغلقت العام الماضي الحدود معها لنحو 50 يومًا بسبب خلافات.

بحسب توماس لينش الخبير العسكري الأمريكي لوكالة "رويترز"، فإن سريان المشروع سيقوض هدفًا آخر لترامب يتمثل في الضغط على إسلام أباد للقضاء على معاقل المسلحين الأفغان على حدودها

لذلك ربما لا ينفصل هذا الاستثناء عن التوتر الحاليّ الذي تتسم به العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وباكستان، حيث قد تسعى الأولى إلى استثمار هذا الإجراء لممارسة ضغوط على الأخيرة، خاصة أن تطوير هذا الميناء يساهم في التقليل من أهمية موقعها الإستراتيجي بالنسبة للهند التي كانت تعتبر الأراضي الباكستانية الممر الرئيسي للوصول إلى آسيا الوسطى.    

أما في حال عرقلة واشنطن تطوير تشابهار، فإنها ستترك أفغانستان معتمدة على باكستان، وبحسب توماس لينش الخبير العسكري الأمريكي لوكالة "رويترز"، فإن سريان المشروع سيقوض هدفًا آخر لترامب يتمثل في الضغط على إسلام أباد للقضاء على معاقل المسلحين الأفغان على حدودها ودفع المتشددين إلى محادثات سلام.  

الأهم من ذلك من وجهة النظر الأمريكية أن بناء اقتصاد أفغانستان بهذه الطريقة سيخفض أيضًا اعتماد كابول على المساعدات الأجنبية، ويحد كثيرًا من تجارتها غير المشروعة في الأفيون، المصدر الرئيسي لإيرادات حركة طالبان، حيث يقدِّرها صندوق النقد الدولي بنحو ملياري دولار.

ومن باب حسابات الاقتصاد، يصب المشروع في صالح أفغانستان، فاعتمادها على ميناء تشاباهار بديلاً عن ميناء كراتشي يخفض من كُلفة التصدير بنسبة 20%، أما حسابات الهند فتبدو أكبر من ذلك فعينها على دول آسيا، فقد دخلت لتطوير الميناء بـ200 مليون دولار، وتقول إنها مستعدة أن تستثمر 20 مليار دولار.

وباستثناء صادرات الأفيون غير المشروعة، تتمثل منتجات البلاد الرئيسية في الفواكه المجففة والطازجة والسجاد، وقيمة كل منها ضئيلة للغاية مقارنة مع تجارة المخدرات، لكن تلك الصادرات ربما تتوسع لتشمل الموارد المعدنية، وهو ما أبدى ترامب اهتمامًا باستفادة الشركات الأمريكية منها.  

تكتسب هذه الأهداف أهمية خاصة بالنسبة لواشنطن التي تسعى في الوقت الحاليّ لمواصلة جهودها للوصول إلى تسوية سياسية للأزمة الأفغانية، من هنا، اكتسب مشروع تطوير الميناء اهتمامًا خاصًا من جانب الإدارة الأمريكية، لا سيما أنه يتضمن إنشاء سكك حديدية سوف يتم عبرها نقل السلع التي لن تتعرض للعقوبات إلى أفغانستان.

الهند كحليف أمريكي بديل للصين 

قدمت نيودلهي إشارات متضاربة بشأن موقفها من وقف الصادرات الإيرانية، فقبل شهر من دخول العقوبات الأمريكية على إيران حيز التنفيذ أعلنت الهند أنها ستستورد 9 ملايين برميل من النفط إيراني في ذات الشهر، وأكد ذلك ما نقلته "وكالة أنباء فارس" الإيرانية عن مصادر صناعية هندية، أن الهند بصدد التوقيع على اتفاق أولي مع إيران خلال الشهر الحاليّ، ليتم من الآن فصاعدًا تسديد مبالغ تبادلها التجاري بالعملة المحلية "الروبية".

تخشى الولايات المتحدة من تحركات الصين وباكستان لتشكيل الأجندة الاقتصادية للمنطقة استنادًا إلى الاقتصاد الجيولوجي لميناء غوادر الباكستاني؛ ما جعلها تطلق الهند في إيران

قد تفسر تلك الخطوة بمحاولة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقديم حوافز عديدة إلى الهند من أجل دفعها إلى البحث عن مصدرين آخرين للنفط بدلاً من إيران، حيث تأتي الهند في المرتبة الثانية بنسبة 23%، وذلك بعد الصين التي تأتي في مقدمة زبائن النفط الإيراني، حيث استودرت 26% من صادرات النفط الإيراني خلال العام الماضي.

ورغم أن الهند كانت من ضمن الدول التي أعفتها الإدارة الأمريكية من العقوبات الخاصة بشراء النفط الإيراني، فإن ذلك قد لا يكون إعفاءً دائمًا، خاصة في ظل إصرار الإدارة على تحقيق هدفها الخاص بإيصال الصادرات النفطية الإيرانية إلى المستوى صفر.  

كما تسعى الإدارة الأمريكية من خلال تلك الخطوة إلى تعزيز مكانة الهند كمنافس اقتصادي بارز للصين، خاصة أن بكين كانت قد أعلنت عزمها الاستمرار في التعاون الإستراتيجي مع طهران، وثمة مؤشرات تكشف استعداد الطرفين لرفع مستوى نفوذهما الاقتصادي في مناطق آسيا الوسطى.

الرئيس الإيراني والرئيس الهندي

وينبغي النظر إلى العلاقات الأمريكية الهندية في هذا السياق، حيث تؤكد الاتفاقات الأخيرة الموقعة بين الولايات المتحدة والهند حقيقة أن صعود الصين يشكل تهديدًا على توازن القوى الإقليمية، كما تشعر الولايات المتحدة بالقلق إزاء صعود القوة الاقتصادية الصينية في المنطقة.  

وتخشى الولايات المتحدة من تحركات الصين وباكستان لتشكيل الأجندة الاقتصادية للمنطقة استنادًا إلى الاقتصاد الجيولوجي لميناء غوادر الباكستاني؛ ما جعلها تطلق الهند في إيران، ففي حين تسعى الأولى إلى استغلال ميناء تشابهار الإيراني للوصول إلى مناطق النفوذ دون المرور بالأراضي الباكستانية، فإنها سوف تصطدم بالصين التي تسعى لاستخدام ميناء غوادار لتحقيق الهدف ذاته.   

خطوات التراجع الأمريكي التي تصورها الاستثناءات الأخيرة تفسرها طهران بعجز ترامب عن خنق صادرات النفط الإيرانية

وتسعى واشنطن لاستغلال صراع الموانئ الصامت بين الدول، حيث حاولت كل من الهند وباكستان تقويض قوة الأخرى في المنطقة، ومن المؤكد أن تطوير الموانئ لا بد أن يضيف مزيدًا من الحطب في نار هذا العداء، ورغم مرور 70 عامًا على تقسيم الهند وباكستان على أسس دينية، لا تزال العديد من الملفات الخلافية عالقة بين البلدين أبرزها الصراع على كشمير.   

لكن خطوات التراجع الأمريكي التي تصورها الاستثناءات الأخيرة تفسرها طهران بعجز ترامب عن خنق صادرات النفط الإيرانية، فقد كان الرئيس روحاني نفسه حريصًا على التقليل من تأثير العقوبات بعد هذه الإجراءات، حيث أشار، في 11 من نوفمبر الحاليّ، إلى أن الحقائق على الأرض أكدت مصداقية كلام إيران عن عدم قدرة أمريكا على تصفير الصادرات النفطية الإيرانية.

وبالتالي ربما تؤدي الخطوات الأخيرة إلى دفع إيران نحو التمسك بمواقفها المتشددة في الملفات الخلافية المختلفة، فالضغوط الحاليّة التي تتعرض لها قد لا تكون بالقوة التي يمكن أن تدفعها إلى الاضطرار لإجراء تغيير في سياستها التي أثارت استياء العديد من القوى الإقليمية والدولية المعنية بأزمات المنطقة.