لا ريب في أن إهانات ترامب للدول الأوروبية بجملة "ادفعوا ما عليكم"، وتحركاته غير المواتية للمصالح الأوروبية، كانت كافية لتحرك شعور بعض القادة الأرووبيين، لا سيما قادة ألمانيا وفرنسا؛ الدولتان الأكثر فاعلية في الاتحاد الأوروبي، نحو الدعوة لتأسيس "جيش حقيقي" للدفاع عن أوروبا.

كانت الدعوة الأولى من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي دعا، في أيلول/سبتمبر، ومن ثم في 6 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، إلى تأسيس جيش أوروبي خاص، للحد من الاعتماد على الولايات المتحدة، معللاً ذلك بصعوبة حماية مصالح الأوروبيين، وبالأخص ضد التحرك الصيني الروسي، ما لم يكن هناك جيش أوروبي خالص.

وعلى خطى ماكرون، مضت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، لتدعو، في 13 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، لتأسيس جيش أوروبي يُكمل عمل حلف الشمال الأطلسي "الناتو".

أيضاً، يُذكر أن عدداً دول أرووبية أخرى دعت إلى تأسيس جيش أوروبي مُشترك.

منظمة الأمن والتعاون في أوروبا:

عند الحديث عن أمن الدول الأوروبية على نحوٍ خاص، ربما لا يخطر على البال "الناتو" كونه يحوي بعض الدول غير الأوروبية، بل يخطر على البال منظمة والتعاون في أوروبا، ربما لأنها تحوي كلمة "أوروبا". لكن الحقيقة بأن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي تم تأسيسها في 3 تموز/يوليو 1973، ليست منظمة أوروبية خالصة، بل هي منظمة دولية لتشجيع التعاون الإقليمي في محيط أوروبا. تضم في عضويتها 56 دولة، من بينها روسيا. ولا تقوم المُنظمة بدورٍ أمنيٍ أو عسكريٍ كما هو مُتوقع، بل هي مُنظمة تسعى، في المقام الأول، لنشر مفاهيم التنمية الليبرالية السياسية والاقتصادية ودفع الاقتصاد العالمي إلى مزيد من النمو والتجارة والاستثمار العابر للحدود، من خلال دعم التطور الاقتصادي، وخلق فرص العمل إضافة إلى تحسين مستوى المعيشة في البلدان الأعضاء فيها، وصياغة اتفاقيات الحد من التسلح وتعزيز حقوق الإنسان وحرية الرأي.

 انسحاب الولايات المُتحدة المتتالي من بعض الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية، وتلويحها باستكمال الانسحاب من بعض الاتفاقيات الأخرى، لا سيما تلك المُتعلقة بالسلاح النووي، يجعل أوروبا وأمنها في مقدمة الدول المُعرضة لتهديدات تطوير روسيا والصين لأسلحتها النووية

على الرغم من دور المنظمة الناعم، غيّر مؤتمر منظمة الأمن والتعاون في أوروبا المُنعقد في 13/11/2017، هويتها جزئياً، حيث وقعت 23 من الدول الأوروبية على وثيقة مُشتركة تتضمن فكرة تأسيس جيش أوروبي ذاتي موحد. لكن إلى الآن، ليس هناك تحرك أوروبي ملموس لتحقيق ذلك.

دوافع تأسيس هذا الجيش:

تلويح الولايات المُتحدة بالانسحاب من الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية:

عملياً، انسحاب الولايات المُتحدة المتتالي من بعض الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية، وتلويحها باستكمال الانسحاب من بعض الاتفاقيات الأخرى، لا سيما تلك المُتعلقة بالسلاح النووي، يجعل أوروبا وأمنها في مقدمة الدول المُعرضة لتهديدات تطوير روسيا والصين لأسلحتها النووية. الأمر الذي يُفقد منظمة الأمن والتعاون الأهمية، ويُحيل الاتحاد الأوروبي لمواجهة سباق تسلح، وتدهور في مسار التعاون التجاري والاستثماري العابر للحدود. وفي إطار السببية، يُشير ذلك إلى تنامي التهديدات الأمنية والعسكرية أمام الدول الأوروبية، ما يجعلها مضطرة لطرح فكرة تأسيس جيش يحفظ حدودها، ويزيد من مستوى الاعتماد الاستخباراتي والأمني الذاتي الذي يقيها أي تحرك يخل بأمنها.

تنافر المصالح بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي:

تاريخياً، اعتمدت أوروبا على القوة الأمريكية، من أجل مواجهة الأخطار التي تواجهها، في إطار حلف "الناتو". لكن مع قدوم الرئيس ترامب لسدة الحكم بتوجهات اقتصادية، وأخرى قومية تتشدد للمصلحة الأمريكية، بعيداً عن مفهوم المصلحة القطبية الغربية، أضحت الدول الأوروبية بحاجة ماسةٍ لقوةٍ بديلة للقوة الأمريكية التي تُخالف المصلحة الأوروبية فيما يتعلق بالملف الإيراني والفلسطيني والسوري، وملفات التعاون الاقتصادي الحر، وغيرها من الملفات التي لُخصت في تخوف الأوربيين من اتباع ترامب نظرية "الدفع مقابل الأمن" معهم.

تُشير المفوضية الأوروبية إلى أن التعاون الدفاعي في مواثيق الاتحاد الأوروبي لا يتضمن إنشاء جيش للاتحاد الأوروبي

مواتية الظروف بعد اتخاذ بريطانيا قرار الانسحاب:

كانت بريطانيا من الدول التي لطالما عارضت تأسيس جيش أوروبي مُشترك، انطلاقاً من ارتباطاتها الوثيقة بالسياسة الأمريكية التي تُرجمت بكل وضوح في مشاركة بريطانيا الولايات المُتحدة غزو العراق.

تنامي خطر الجهاديين الأوروبيين:

بالتزامن مع اقتراب انتهاء الأزمتين السورية والعراقية، انتشرت في أروقة مؤسسات صنع القرار الأوروبي تخوف من التهديدات التي قد تطال القارة بعد عودة الجهاديين الأوروبيين إلى بلدانهم، حيث يحتاج ذلك الملف لتنسيق استخباراتي وأمني وثيق بين دول الاتحاد الأوروبي.

التحرك الروسي النشط:

تظهر ملامح هذا التحرك في أوكرانيا والبحر الأسود والبلطيق والأبيض، وغيرها من المناطق الحيوية بالنسبة للدول الأوروبية التي باتت بحاجة لشكيمة تجزر التمدد الروسي في هذه المناطق الحيوية.

هل الأمر ممكن؟

تُشير المفوضية الأوروبية إلى أن التعاون الدفاعي في مواثيق الاتحاد الأوروبي لا يتضمن إنشاء جيش للاتحاد الأوروبي. ويبدو أن المفوضية تستند إلى اتفاقيات الدفاع التي لم تبت بمسألة تأسيس جيش مشترك بين الدول الأعضاء. في المقابل، يُشير تصريح المفوضية إلى حاجة فكرة تأسيس جيش أوروبي مشترك لتوافق كامل بين أعضاء الاتحاد الأوروبي.

ويبدو أن الصعوبات لا تنتهي على مستوى توافق الدول الأعضاء، بل تمتد لتشمل النقاط التالية:

النزعات اليمينية المتطرفة:

 هذه النزعات التي تُشجع على الانكفاء القومي، وتستخدم شعارات شعبوية تدفع الشعب للمطالبة بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي لصالح المصلحة القومية على حساب المصلحة الجمعية التي يُنادي بها الاتحاد الأوروبي. فضلاً عن ظهور نزعات انفصالية في دول الاتحاد، نتيجة الأزمات الاقتصادية وأزمات اللجوء، ما يجعل أجندة الاتحاد الأوروبي منصبة على ملفات تعيق النظر في تأسيس جيش أوروبي مشترك عالي التكاليف المادية والعسكرية.


 في حال تأسيس جيش أوروبي مشترك، ستكون ألمانيا صاحبة الإسهام الأكبر في تمويل ميزانية الجيش

تنافر المصالح نسبياً بين الدول الأوروبية:

إن كان ماكرون يرى تنافر بين المصالح الأوروبية والأمريكية، فلا يُعقل ألا يكون هناك تنافر عميق في توجهات 27 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي حيال الملفات السياسية والأمنية. فعلى سبيل المثال، توجه ألمانيا حيال أهمية الشريك التركي، تختلف اختلافاً عميقاً عن التوجه الهولندي والنمساوي حياله. وفهي إطار ذلك، لا بد من الإشارة إلى الصراع الأوروبي البيني بين دول الاتحاد، كما هو ظاهر في حوض شرق البحر المتوسط بين إيطاليا وفرنسا، وألمانيا وفرنسا في مالي، وغيرها.

التخوف من تولي ألمانيا زعامة الجيش وتوجيهه نحو خدمة مصالحها:

ألمانيا هي أقوى وأكبر اقتصاديات أوروبا. لذا يُتوقع أنه في حال تأسيس جيش أوروبي مشترك، ستكون صاحبة الإسهام الأكبر في تمويل ميزانية الجيش. وهذا ما قد يجعل ألمايا القوة الأبرز والأكثر تأثيراً وتوجيهاً للجيش. كما أن حالة الغموض التي قد تُحيط هذه القوة، في ظل تنامي المخاطر المُحيطة بالاتحاد الاوروبي، قد تجعل الفكرة لا تلقى قبولاً لدى الدول الأعضاء.


العرقلة الأمريكية الروسية للمشروع:

لعل تهكم الرئيس ترامب بطرح ماكرون فكرة تأسيس الجيش، وتأكيد وزير الدفاع الأمريكي، جيمس ماتيس، على أن "الناتو" هو الأنجع في حماية "المصلحة المشتركة"، يُشددان على أن الخطوة لا تروق لواشطن المُستفيدة من التواجد المباشر في أوروبا التي تُعدّ مجال مناورتها الحيوي أمام روسيا، والراغبة في البقاء هناك مقابل رفع مستوى الإسهام الأوروبي المادي، ما يوحي باحتمال عرقلتها لهذه الخطوة. كما أن روسيا اعتادت المناورة أمام "الناتو"، وبطبيعة الحال سيكون من الصعب عليها المناورة أمام "الناتو" وجيش أوروبي معاً.

في الختام، لا زالت الولايات المتحدة بتزعمها لحلف "الناتو" تُشكّل قوة حقيقية في حماية أمن الاتحاد الأوروبي ومصالحها ولو نسبياً، وفي ظل الصعوبات المذكورة أعلاه، يبدو أنه من الصعب على دول الاتحاد الأوروبي الإقدام على هذه الخطوة التي تحتاج لإرادة سياسية مُجتمعة غير متوفرة في الوقت الحالي. ويبدو أن بعض الدول الأوروبية، لا سيما فرنسا وألمانيا، قد تجد سبيل تحقيق تحركات ثنائية أو جماعية تكاملية مُشتركة خارج إطار "الناتو"، هو السبيل الواقعي للحفاظ على مصالحها غير المتوافقة مع مصالح وتوجهات الولايات المتحدة.