بخطوات ثابتة تشق النكتة السياسية طريقها وسط الشارع الفلسطيني، لتعكس بخفة دمها وبساطة كلماتها الحادة وتأثيرها القوي، ملامح المشهد القاتم والقاسي الذي لعبت في تشكيله العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية وزادته قهرًا وألمًا وإحباطًا.

"النكتة السياسية" باتت ملجأ للكثير من الفلسطينيين للتعبير عن مواقفهم الصريحة للتطورات المتلاحقة التي تُحيط بهم من كل جانب، وكذلك منبرًا للتنفيس عن أنفسهم من خلال إطلاق النكات التي تحمل طابعًا سياسيًا يعتبر أداة قياس "تيرمومتر" لمستوى الرضى والسخط الشعبي عن الحالة العامة.

وشهدت والفترة الأخيرة انتشارًا غير مسبوق لـ"النكتة السياسية" في الساحة الفلسطينية، في ظل تنامي واتساع منابر التعبير على الرأي وخاصة على شبكات وسائل التواصل الاجتماعي وعلى رأسها فيسبوك وتويتر.

الحادثة الأخيرة التي رصدتها أعين وسائل الإعلام، لعقيد في السلطة الفلسطينية يُساعد جيش الاحتلال بتغيير إحدى عجلات مركبته العسكرية بمدينة الخليل بالضفة الغربية، أشعل موجة انتقادات كبيرة وحادة ضد السلطة ورموزها، فيما استغل رواد النكتة السياسية الحادثة ووضعها تحت مقصلة نكاتهم وسخريتهم.

العقيد أحمد أبو الرب يساعد جنود الاحتلال في تبديل إطارات سيارتهم المعطلة

السلاح القاتل

وعلى إثر هذه الحادثة وما تبعها من ردود وسخرية كبيرة، أمر المدير العام للشرطة الفلسطينية حازم عطا الله، بإيقاف مدير شرطة محافظة الخليل العقيد أحمد أبو الرب، عن العمل وإحالته إلى لجنة تحقيق، بعد انتشار صور له وهو يقدم المساعدة لدورية من دوريات الاحتلال الإسرائيلي.

"غزوة البنشر" و"بنشرجي"، بهذه الكلمات عمّ التهكم الواسع والسخرية العالية على حادثة "كمين العَجل" التي أوقفت مدير شرطة الخليل العقيد أحمد أبو الرُّب، عن عمله يومين قبل أن يعود "معززًا مكرمًا"!

وأطلق نشطاء على "فيسبوك" وسمًا باسم #كمين_البنشر، نشروا تحته صورًا ساخرة، للتنديد بسلوك عقيد الشرطة، وربط بعضهم بين الصورة السلبية وأحداث المقاومة في غزة، منددين بموقف السلطة الفلسطينية من الاحتلال.

وصف النشطاء الحادثة بـ"المشينة"، مقارنين إياها بفخرهم العالي واعتزازهم بـ"كمين العلم" و"سقف الباص الطاير"، عكس "كمين العَجل"، متسائلين: أين أمننا في "تغيير الإطارات وإصلاح البناشر؟"

وغرد رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بتعليقات ساخرة وناقدة، على صور تداولها مواطنون توثق تدخل أبو الرب، رفقة أمين سر حركة فتح في يطا كمال مخامرة، لإصلاح وتغيير إطارات جيب لقوات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية.

ووصف النشطاء الحادثة بـ"المشينة"، مقارنين إياها بفخرهم العالي واعتزازهم بـ"كمين العلم" و"سقف الباص الطاير"، عكس "كمين العَجل"، متسائلين: أين أمننا في "تغيير الإطارات وإصلاح البناشر؟".

وعدّ المغردون حادثة "كمين العجل" تماديًا كبيرًا لأداء السلطة المهني والعالي والاحترافي بالتنسيق الأمني مع قوات الاحتلال، بعد أن كان أبو الرب جاثيًا على "ركبة ونص"، لخدمة الاحتلال، منتقدين سلوكه مع قوات الاحتلال واستخدام عكسه مع أبناء شعبه.

الناشط ياسين عزالدين غرد قائلاً: "تغيير قائد شرطة الخليل إطارات السيارات لجيش الاحتلال هي أقل جرائم التنسيق الأمني، وتوقيفه عن عمله لا يعني الكثير، لأن هنالك ممارسات أكثر خطورة تتم والسلطة تدعمها وترفض وقفها"، وأضاف عزالدين في تغريدته على فيسبوك "التعاون مع الاحتلال لمحاربة المقاومة، وتقييد الاقتصاد الفلسطيني بالاحتلال، هي جرائم ترتقي لمرتبة الخيانة".

أما الصحفي جهاد مطر كتب: "‏الكل نازل سلخ في مدير شرطة الخليل ونسيوا أمين سرّ ‎#حركة_فتح في يطا والمسافر د. علي مخامرة اللي حامل الجَكّ ورا العقيد"، خاتمًا حديثه بوسم ‎#كمين_العجل.

ولم تخل تعليقات المغردين عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة من السخرية لما فعله عطالله حيث قال أحدهم: "مدير شرطة الخليل يتولى تغيير "بنشر" سيارة عسكرية إسرائيلية، من الدب الداشر إلى مغير البناشر، مرحلة الهوان والخيانة لن تطول"، ومنهم من علق أسفل الصورة بعنوان "أبو الرب للبناشر وتغيير الإطارات"، وآخر علق بالقول: "خطبة الجمعة في المقاطعة للهباش بعنوان #فك العجال على يد الرجال".

وزاد آخرون من السخرية على المشاهد التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، في ظل احتفال الفلسطينيين في الذكرى الثلاثين لإعلان وثيقة "الاستقلال"، مطلقين على الحادثة "غزة ذات البناشر" و"كمين العجل" و"بنشرجي".

الناشط محمد المدهون قال عبر حسابه في تويتر: "#السلطة تقرر تعديل رتبة العقيد #بالضفة من نجمتين ونسر إلى نجمتين وبلف #كمين_العجل".

استحضارا للأزمات التي ما زالت تستحوذ على بال الفلسطينيين لا سيما في قطاع غزة وفي مقدمتها أزمتي الكهرباء والرواتب، يقال أن: "أكبر مجزرة حتحصل في التاريخ، لو الكهربا بطلت تقطع، والرواتب نزلت بدون خصومات، نص الشعب حيموت من الفرحة!"

ونشرت الصور بعد يوم واحد من وقف إطلاق النار بين فصائل المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، الذي عده الخبراء "انتصارًا"، عكس ما قام به أبو الرب من "إحباط" في الشارع الفلسطيني وسخرية كبيرة، وقارن نشطاء بين جلوس المقاوم الفلسطيني على ركبة ونصف ليطلق صاروخ الكورنيت تجاه حافلة الاحتلال، وأبو الرب الذي جثا ليغير إطار جيب الاحتلال الذي ينكل بالمواطنين الفلسطينيين.

واستحضارا للأزمات التي ما زالت تستحوذ على بال الفلسطينيين لا سيما في قطاع غزة وفي مقدمتها أزمتي الكهرباء والرواتب، قال أحدهم: "أكبر مجزرة حتحصل في التاريخ، لو الكهربا بطلت تقطع، والرواتب نزلت بدون خصومات، نص الشعب حيموت من الفرحة!".

ويُعلق الكاتب أكرم الصوراني على الوضع مازجًا بين السخرية وآلام الواقع بقوله: "رغم الانحطاط السياسي اللي وصلنا له إلا أنو البلد لسه فيها ناس وطنية وناس جوال".

تعبير عن غضب الشارع

في زحمة النكات التي تضج بها مواقع التواصل الاجتماعي، يبقى السؤال عن مدى تأثيرها السياسي وإحداث تغيير في الواقع؟

الناقد السياسي أستاذ الفلسفة السابق في جامعة فيلادلفيا الدكتور موسى برهومة، أوضح أن النكتة السياسية تأتي "تعبيرًا إما عن حالة إحباط ويأس وهزيمة سياسية، أو عن حالة شعور عام بانسداد الآفاق؛ نتيجة الحكم الاستبدادي"، وأضاف برهومة، أن الناس يلجأون إليها كنوع من التنفيس والتعبير عن التذمر، و"تتخذ تعبيرات رمزية تكون في منتهى العمق والذكاء"، ذاهبًا إلى أن "فسحة الحرية تتناسب طرديًا مع اتساع النكتة السياسية أو ضيقها".

وعن مدى تأثيرها في صياغة وعي جَمْعي وخلق حالة رأي عام، يرى برهومة أنه "إذا ازدادت وتيرتها وجرعة النقد فيها، فإنها تساهم في عملية التحريض وصياغة الرأي العام وحقنه بجرعات كبيرة، شريطة أن يكون ذلك في سياق منظم ومبرمج ومسيس"، ويتابع: "فهي سلاح ذو حدين؛ فإما أن تخدم الأنظمة الاستبدادية أو تُسقط الأنظمة الاستبدادية"، لافتًا إلى أن "الكاريكاتير تاريخيًا جاء ليقدم هذا المجهود، وكان شكلاً تنفيسيًا، ثم صار أداة نقدية لاذعة".

تبقى "النكتة السياسية" مخرجًا للمواطنين من حالة اللااستقرار والضبابية التي تعصف بالساحة الفلسطينية، وطاقة صغيرة للتعبير عن الحالة القائمة

ويقول الكاتب والمحلل السياسي فايز أبو شمالة: "تأثيرها يكون أقوى في ظل نظام حكم يعتمد الديمقراطية ويخشى رد فعل الجمهور"، معتبرًا إياها (النكتة السياسية) في فلسطين مجرد تعبير عن حالة الاختناق التي يعيشها المواطنون، وأكد أبو شمالة أن النكتة السياسية باتت تعبر عن حالة المزاج العام الذي يسود في الساحة الفلسطينية، كما يشير إلى مدى الرضى والسخط الشعبي عن الواقع المعاش.

في حين أشار أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية عثمان عثمان، إلى أنه لا اعتبار لما وصفه بـ"الثورة الصغيرة" (الكاريكاتور الساخر) ولا للشعب أيضًا عند صانع القرار السياسي غير المستقل أصلاً.

وهكذا تبقى "النكتة السياسية" مخرجًا للمواطنين من حالة اللااستقرار والضبابية التي تعصف بالساحة الفلسطينية، وطاقة صغيرة للتعبير عن الحالة القائمة.