يبدو من المثير للقلق في القرن الـ21 رؤية رجل أبيض يتموضع لالتقاط الصور وهو محاط بأطفال أفارقة صغار يطلبون المساعدة، ففي العام الماضي، زار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس جمهورية إفريقيا الوسطى، وفي هذا العام، تكررت الزيارة مع المستشار الخاص للمبعوث الأممي لسوريا يان إيغلاند من مجلس اللاجئين النرويجي. 

كانت كلتا الزيارتين تقريبًا نفس الشيء، حيث وصف الأول ما يحدث في جمهورية إفريقيا الوسطى بـ"النزاع المنسي"، بينما وصفه الآخر بـ"الصراع المهمل"، وبعيدًا عن الوصف، جذبت الزيارتان الانتباه إلى بلد تجاهله المجتمع الدولي إلى حد كبير في العنف الطائفي وعلى حافة صراع إنساني يحتاج إلى المزيد من المساعدة.

وقعت نداءات المساعدة في معظمها على آذان صماء، وقُطعت الوعود التي لم تتحقق، إذ قالت الأمم المتحدة إنها تحتاج إلى نحو 516 مليون دولار لمساعدة 2.9 مليون شخص في جمهورية إفريقيا الوسطى، لكن حتى الآن، لم تحصل إلا على ربع المبلغ تقريبًا، أي نحو 123 مليون دولار، ليظهر في المشهد قوة جديدة تبحث عن مكان لها بـ"القارة السمراء".

لعنة الألماس

منذ استقلالها عام 1962، تشهد الدولة الفقيرة والغنية بالألماس في الوقت ذاته، توترات عرقية متعاقبة واضطرابات سياسية وصراعات مسلحة، أحدث هذه الصراعات اندلع في 2013، حيث غرقت إفريقيا الوسطى في الفوضى بعدما أطاح متمردو سيليكا المسلمون بالرئيس السابق فرانسوا بوزيزيه، مما أدى إلى حملة عنف مضاد قادتها مجموعات أنتي بالاكا المسيحية.

وسمح التدخل العسكري لفرنسا في ديسمبر/كانون الأول 2013 حتى أكتوبر/تشرين الأول 2016، والأمم المتحدة بانتخاب الرئيس فوستين أركانغ تواديرا وعودة الهدوء إلى العاصمة بانغي، لكن ليس داخل البلاد، حيث تصاعد العنف منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وأودى بحياة الآلاف، كما أدى إلى نزوح أكثر من 650 ألف شخص، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة.

وترجع الأمم المتحدة أسباب تردي الأوضاع من جديد إلى أن إفريقيا الوسطى لا يتوافر لديها قوات أمنية كافية يمكنها بسط سيطرتها على كل المناطق، وهي تنتشر في العاصمة بانغي فقط، كذلك، فإن قوات الأمم المتحدة لا تكفي أعدادها لوقف العنف في هذه البلاد، وهو ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة لطلب زيادة عدد القوات الدولية بـ900 عنصر حتى تتمكن من الانتشار في مناطق التوتر.

وتنشر الأمم المتحدة نحو 12500 عسكري وشرطي في إفريقيا الوسطى للمساعدة على حماية المدنيين ودعم حكومة الرئيس تواديرا، وبحسب نجاة روشدي منسقة الشؤون الإنسانية في جمهورية إفريقيا الوسطى، فإن جنود الأمم المتحدة منعوا العنف الطائفي بين المسلمين والمسيحيين من التحول إلى إبادة جماعية.

لكن بعض الدبلوماسيين وعمال الإغاثة وصفوا قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بأنهم مجرد متفرجين على الصراع، حتى إن البعض وصفهم بأنهم "غير أكفاء"، وقد وقع في أبريل/نيسان الماضي ما يؤكد ذلك، حين اقتحمت قوات تابعة للأمم المتحدة حي "PK5" المسلم في العاصمة بانغي، لاعتقال قائد متمرد محلي أطلق على نفسه اسم "القوة العامة"، لكن تم التغلب على قوات الأمم المتحدة المدججة بالسلاح، ما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات معظمهم من السكان المحليين.

تنشر الأمم المتحدة نحو 12500 عسكري وشرطي في إفريقيا الوسطى

بالإضافة إلى نقص القوات الدولية في إفريقيا الوسطى فإن عددًا من الجمعيات المدنية في البلاد تطلب مغادرة القوات الدولية لبلادها لأنها - كما يقول الرافضون لوجود القوات الأممية - لم تستطع حتى الآن نزع أسلحة مسلحي حركة سيليكا السابقة واستعادة المناطق التي يسيطر عليها مسلحو سيلكيا في شمال إفريقيا الوسطى إلى سيطرة الحكومة، بينما تعتبر بعض الفصائل من المسلحين في ميليشيا بالاك القوات الدولية عدوًا مباشرًا لها.

ورغم مرور أكثر من عامين على انتهاء الفترة الانتقالية في إفريقيا الوسطى، فإن كثيرًا من المسلمين في إفريقيا الوسطى ما زالوا يعتبرون الأوضاع في بلادهم ماضية على حالها التي وصفتها منظمة العفو الدولية عام 2014 بأن إفريقيا الوسطى "بلد ترتكب فيه جرائم إبادة بحق المسلمين".

وتشمل الانتهاكات التي طال المسلمين منها الكثير، عمليات قتل واغتصاب جماعي وانتهاكات خطيرة أخرى وثقتها الأمم المتحدة، وتشمل قتل مدنيين على أساس الدين أو العرق أو الدعم المتصور لجماعات مسلحة، وتجنيد الجماعات المسلحة لآلاف الأطفال وهجمات على الجهات العاملة في المجال الإنساني، وكذلك قوات حفظ السلام الدولية، ووفيات نتيجة التعذيب أو سوء المعاملة في مراكز الاعتقال.

إفريقيا ليست للإفريقيين

كانت فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، أولى الدول التي وجدت موطئ قدم لها في إفريقيا الوسطى، وكانت قد تدخلت عندما سيطر مقاتلو "سيليكا" المسلمين على العاصمة بانغي عام 2013، لكنها الآن على خط التراجع بعدما غادر بعض الجنود بعد اتهامهم بالاعتداء الجنسي، حيث تعرضت بعض الفتيات للاغتصاب من الجنود الفرنسيين بهدف حمايتهن، واتهمت منظمات حقوق الإنسان بعض الجنود بتصوير الفتيات اللواتي أجبرن على ممارسة الجنس مع الكلاب.

دفعت هذه الخطوة كل من أمريكا وفرنسا وبريطانيا إلى التعبير عن قلقها والمطالبة باستثناء بعض الأسلحة من عمليات التسليم وإحصاء كامل الأسلحة التي يتم تسليمها

أسقطت محكمة في فرنسا التهم، وقالت إنه لا يوجد أدلة كافية على المقاضاة، ومنذ ذلك الحين، غادرت معظم القوات الفرنسية، أما الأشخاص المتبقين فهم جنود حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة والجنود الأوروبيون في بانغي، ويدربون جيش جمهورية إفريقيا الوسطى ذي القيادة الضعيفة.

وفي مايو/أيار سنة 2014، وبعد بداية جولة جديدة من الإرهاب، وصلت وحدة تابعة للقوات الإستونية قوامها 45 مقاتلاً إلى البلاد، إلا أن ذلك لم يساعد في حل النزاع القائم، علاوة على ذلك، بدأت القوات الفرنسية تدريجيًا في الانسحاب والانتقال إلى جمهورية الغابون ومالي، ما فتح الطريق أمام الإستونيين، ومن ثم أمام الروس.

ومع مرور الوقت، تحولت إفريقيا الوسطى إلى ساحة تتنافس فيها الدول الكبرى، وفي خضم الصراع الذي اندلع وجدت قوى دولية الفرصة مواتية لتحقيق مصالح خاصة بها في هذه المستعمرة الفرنسية السابقة التي تضم موارد طبيعية مهمة كالماس والذهب.

وكانت روسيا آخر القوى التي وجدت ساحة نفوذ لها في هذا البلد الذي لا يزال يشهد صراعات داخلية، ففي نهاية عام 2017 سمحت الأمم المتحدة لروسيا بتسليم أسلحة وإرسال مدربين عسكريين إلى "بانغي" رغم وجود حظر سار على بيع الأسلحة لحكومتها، ودفعت هذه الخطوة كل من أمريكا وفرنسا وبريطانيا إلى التعبير عن قلقها والمطالبة باستثناء بعض الأسلحة من عمليات التسليم وإحصاء كامل الأسلحة التي يتم تسليمها.

ولاحقًا وقع البلدان اتفاقات ثنائية، وقالت موسكو إنها نشرت 175 من المدربين العسكريين والمدنيين لتدريب قواتها، وتوسع مجال تحرك الروس في إفريقيا الوسطى، فالجنود الروس تولوا الأمن الرئاسي، في حين تحدثت مجموعات مختلفة عن وساطات داخلية يقوم بها الروس.

وبناءً على طلب من الرئيس تواديرا، فإن المدربين العسكريين الروس، بما في ذلك الجنود السابقين الذين قاتلوا في سوريا وأوكرانيا، هم الآن في جمهورية إفريقيا الوسطى، مما قد يساعد الحكومة على استعادة السيطرة على البلاد، في حين تحدث مراقبون عن أهداف أخرى.

وقبل 6 أشهر من الآن تقريبًا وصلت 20 شاحنة روسية إلى شمالي البلاد عبر السودان، ووفق الجبهة الشعبية لنهضة إفريقيا الوسطى فإن الروس يشاركون في تأهيل مستشفيات هناك، حيث افتتحوا مؤخرًا عيادة في مدينة "بريا" التي يسيطر عليها المتمردون، ومن المتوقع أن يزداد عدد مستشاريهم العسكريين في الأشهر القادمة.

ما وراء التحركات الروسية

مع تراجع القوى الغربية، وفشل محادثات السلام التي أقامتها الأمم المتحدة حتى الآن في وقف القتال، وبينما يبقى الغرب راضيًا عن نفسه ومتجاهلاً ما يحدث في جمهورية إفريقيا الوسطى، تدخلت روسيا لدعم محادثات السلام، ولعبت دور الوسيط في القارة الإفريقية، في محاولة لجمع الجماعات المسلحة حول الطاولة مع الحكومة المنتخبة.

كان آخر التحركات الروسية في سبتمبر الماضي، حيث وقعت جماعات سياسية عسكرية في إفريقيا الوسطى على اتفاق سلام في العاصمة السودانية الخرطوم بمبادرة من روسيا وبرعاية السودان، وتمكنت الأطراف الموقعة على الاتفاق من وضع المبادئ الأساسية لضمان الأمن والسلام في هذه الدولة، وشمل الاتفاق بنودًا أهمها وضع حد للجريمة والعمل على مشاريع تخدم التنمية الاقتصادية في البلاد. 

أحد أفراد الفصائل المسلحة في إفريقيا الوسطى

تمكَّن بوتين مؤخرًا من إيجاد موطئ قدم له في الشرق الأوسط، بتدخله في الصراع السوري لصالح حليفه الرئيس السوري بشار الأسد، والآن يبدو أن الرئيس الروسي يسعى جاهدًا إلى دخول القارة السمراء، فقد ذكرت وكالة "رويترز" نقلًا عن وكالة الأنباء الروسية، أن روسيا بدأت في توسيع علاقاتها الدبلوماسية مع إريتريا، حيث أعلنت موسكو في أواخر أغسطس الماضي، عن خطط لبناء مركز لوجيستي في الدولة الواقعة في شرق إفريقيا.

لم يكن التعاون والتقارب الروسي مع إريتريا هو الأول مع دول القارة السمراء؛ فكما ذكرنا، وقّعت روسيا وجمهورية إفريقيا الوسطى، في أغسطس/آب الماضي، اتفاقًا عسكريًا يمهد الطريق لموسكو لزيادة تدريب القوات المسلحة للبلاد، كما كان للوساطة الروسية السودانية لوقف إطلاق النار في جمهورية إفريقيا الوسطى دور كبير في الاتفاقية التي تم التوصل إليها في هذا الشأن.

يحذر البعض  من أن تنامي الدور الروسي في إفريقيا الوسطى سيحولها إلى رقعة جيوسياسية يسعى فيها كل طرف لتحريك بيادقه

وتعد روسيا ثاني أكبر مصدر للأسلحة في العالم بعد الولايات المتحدة، بحسب موقع "بيزنيس إنسايدر"؛ وهي تستخدم بيع الأسلحة نقطة انطلاق في سياستها الخارجية، إذ استخدمت موسكو هذا النموذج من تصدير الأسلحة في العديد من البلدان الإفريقية مثل السودان وإريتريا لإيجاد موطئ قدم سياسي لها في تلك المناطق.

ومنذ هذا الوقت، تم تسليط الضوء على العلاقات العسكرية الروسية المتنامية مع جمهورية إفريقيا الوسطى والاهتمام الروسي المتزايد بإفريقيا بشكل عام، خاصةً بعد مقتل ثلاثة صحافيين روس، في أثناء إجراء تحقيق صحفي في مزاعم وجود مرتزقة روس في البلد التي تعاني من حرب أهلية في يوليو/تموز الماضي.

وسعت فرنسا لما لها من امتدادات تاريخية وتأثير واسع عبر سنوات من القتال الدامي إلى تقويض الجهود الروسية في إفريقيا الوسطى، وعبرت عن  خشيتها من زيادة النفوذ الروسي في جمهورية إفريقيا الوسطى، وقالت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي إن ذلك "لن يساعد على الأرجح في تحقيق الاستقرار في هذا البلد".

ويرى مراقبون أن روسيا تسعى لتعزيز علاقاتها مع الدول الإفريقية، التي وجدت في موسكو بديلاً عن عواصم غربية تريد التدخل في الشؤون الداخلية لدول القارة، في المقابل يحذر آخرون من أن تنامي الدور الروسي في إفريقيا الوسطى سيحولها إلى رقعة جيوسياسية يسعى فيها كل طرف لتحريك بيادقه.