أعادت مسيرة الغضب التي نظمها أهالي منطقة سوس الكبير في عاصمة المغرب الاقتصادية الدار البيضاء، أمس الأحد، الأضواء إلى معاناة الأهالي في تلك المنطقة جراء الاعتداءات المتكررة التي تطالهم وأرضهم وماشيتهم، وصراعهم المتواصل مع "الرعاة الرحل"، خاصة بعد تحول هؤلاء الرعاة إلى عمال لدى رجال أعمال كبار؛ ما أعطاهم حصانة تشرع لهم الاعتداء على الأهالي دون اكتراث بالعواقب، فكيف تتعامل السلطات معهم وقد وصل الصراع في بعض الأحيان إلى القتل وحدوث اشتباكات مسلحة بين الطرفين؟

احتجاجات متكررة

طالب المحتجون في هذه المسيرة، السلطات الحاكمة في بلادهم بوضع حد لحالة "التسيب" التي يفرضها الرعاة الرحل الذين يعبثون بأراضي السكان، ويرى الأهالي أن أراضيهم تسلب من أيديهم وثرواتهم تنهب دون أن تحرك السلطات ساكنًا.

وتأتي هذه المسيرة في سياق الاحتفال بيوم الأرض الذي يحتفل به سكان المغرب، أو ما يعرف في الثقافة الأمازيغية بـ"أسن واكال"، وحمل المشاركون المؤطرون بعدد من جمعيات المجتمع المدني، مؤسسات الدولة كامل مسؤوليتها فيما يتعرض له الناس بسوس والشرق وأسامر من إهانات متكررة من الرعاة الرحل.

مسيرة الدار البيضاء ليست المرة الأولى التي يخرج فيها الأهالي للاحتجاج والتنديد بما يحصل لهم ولأرضهم، فقد سبق أن نظم المئات من أهالي السوس وقفات احتجاجية متتالية أمام البرلمان المغربي، رفعوا خلالها شعارات تندد بالهجمات التي تتعرض لها ممتلكاتهم من طرف الرعاة الرحل، مطالبين الدولة برفع الضرر عنهم وتوفير الحماية لهم.

تغطي الأراضي الرعوية ما يناهز 53 مليون هكتار بما في ذلك المجال الغابوي والمجال الحيوي لشجر الأركان

نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قدمت لجنة ممثلة لأهالي جهة سوس ماسة إلى رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، ملفًا مطلبيًا يركز محوره على ضرورة تدخل السلطات المحلية لوقف الاعتداءات التي يتعمدها الرعاة الرحل في تلك المناطق، من أجل إبعاد السكان الأصليين عن أراضيهم، علاوة على المواجهات الدموية التي تقع بين الطرفين.

وسابقًا كانت المراعي مشتركة بين الجميع لتوافرها، وكانت الاستفادة متبادلة، حيث يذهب رعاة من الصحراء إلى منطقة سوس بالخصوص، ويأتي بالمقابل رعاة من مناطق أخرى من المغرب إلى الصحراء حين تكون كميات الأمطار التي سقطت بها كبيرة، أما اليوم فالمراعي تسير نحو مزيد من التخصيص سواء للقبائل أم لسكان منطقة محددة.

من التعايش إلى الصراع

قبل أن يحصل التحول، كان كل من أهالي السوس وبعض المناطق الأخرى في المغرب والرعاة الرحل يعيشون في ألفة، حيث كانت العلاقات بينهم تقوم على الأخوة والتواصل الإيجابي وتبادل المنتجات المحلية مع بعضهم البعض، كما كان الرعاة يقومون بالرعي في المناطق التابعة للأهالي دون أن يعترضهم أحد، ما داموا لم يحدثوا أي مكروه لأحد.

في ذلك الوقت، كان الرعاة الرحل لا يملكون قطعانًا كبيرة من الماشية، بحيث لا يسبب قدومهم لمناطق رعي الأهالي أي ضرر للسكان ولا للمزروعات هناك، فقد كانوا المالكين الأصليين لأغنامهم وهو ما يفسر عدم ارتفاع عددها.  

هذا التعايش سرعان ما زال، أول ما أصبح الرعاة الذي يأتون لمناطق الأهالي ليسوا ملاك هذه القطعان، بل مجرد مستخدمين لمالكين كبار، ويكون المالكون الجدد في الغالب رجال أعمال متنفذين في البلاد، بحيث لا يقف أمامهم والعاملين معهم أحد.

يفد الرحل القادمون من الأقاليم الجنوبية بالمغرب إلى هذه المناطق الغنية بالزراعات بهدف التسمين، ويتغذى قطيع الأغنام الوافد على كل ما يعترض طريقه من عشب ونباتات عطرية وغيرها من النباتات الموجودة بكثافة في تلك المناطق.

ويعيش الرعاة الرحل في المملكة المغربية في شكل مجموعات أسرية تتنقل بين السفوح والقمم والصحاري في مراعي مملوكة جماعيًا لرجال أعمال أو للقبيلة، وتنظم القبيلة استغلال هذه المراعي عبر تحديد وإعلان الفترات المسموح فيها بالرعي، وتقرر إغلاق بعض المراعي التي يحتفظ بها على سبيل الاحتياط.

نتيجة تحول الرعاة من مالكين إلى مستخدمين لدى غيرهم، تحولت ثقافتهم، وأصبح الأهالي في العديد من المناطق في المغرب أمام مشاهد متكررة أبطالها الرعاة الرحل وأغنامهم، وهي ترعى بصفة عشوائية في المراعي المفتوحة والخاصة.

وبدأت أيضًا الاعتداء على السكان المحليين والتهديد المتكرر لسلامتهم الجسدية، كما حصل بنواحي تارودانت قبل أسابيع، حين عمد رعاة رحل إلى تعنيف مواطنين بمنطقة إدوسكا أوفلا، وتجريدهم من ملابسهم واحتجازهم، وقد تم توثيق الاعتداء والحجز في مقاطع فيديو.

وتتكرر المواجهات الدامية أحيانًا، بين السكان المحليين والرعاة الرحل بشكل سنوي في بعض المناطق من المملكة، بسبب موضوع الرعي وما يستتبعه من استغلال للماء وللغطاء النباتي أو حتى اعتداء على مزروعات السكان المحليين.

يوجد في المغرب الآلاف من البدو الرحل، ورثوا حياة الترحال عن أجدادهم منذ عقود

يذكر أن الأراضي الرعوية تغطي ما يناهز 53 مليون هكتار بما في ذلك المجال الغابوي والمجال الحيوي لشجر الأركان، ويشكل النشاط الرعوي المصدر الأساسي لعيش السكان المحليين، كما تساهم سنويًا بنحو 30 إلى 36% من حاجيات القطيع الوطني.

وكثيرًا ما يظهر رحل صحراويون على متْن عشرات السيارات الخاصة ذات الدفع الرباعي يلوحون بالعصي وسكاكين من الحجم الكبير وبنادق الصيد في بعض الأحيان، ويتوعدون السكان الذين يدخلون معهم في مواجهات بالتصفية الجسدية، وتنتهي المواجهات بالتدخل الأمني واعتقال عدد من المتسببين في هذه الأحداث.

اتهامات للسلطات

تجاوزات الرعاة الرحل، يؤكد بعض الأهالي أنها تتفاقم يومًا عن يومِ، رغم مصادقة حكومة سعد الدين العثماني على مشروع المرسوم رقم 2.18.77 المتعلق بإحداث المجالات الرعوية والمراعي الغابوية وتدبيرها وتهيئتها، الذي ينص على أن رعي القطعان والترحال الرعوي يجب ممارسته في إطار احترام حق ملكية الغير.

ويتهم بعض الأهالي، سلطات البلاد بالتقصير في حمايتهم والتباطؤ في ردع المعتدين من الرعاة الرحل، ومنع الاعتداءات المتكررة في حقهم ما جعلهم يدافعون عن حياتهم وأرضهم بأنفسهم ما جعل الأوضاع تخرج عن السيطرة في مرات عديدة.

ويتهم هؤلاء الأهالي، السلطات المحلية في جهاتهم بحماية الرعاة الرحل كونهم مستخدمين لدى رجال أعمال نافذين وزعماء قبائل لا يمكن للسلطات الوقوف أمامهم حتى ولو أدت ممارساتهم إلى مواجهات دامية مع السكان المحليين.

ويوجد في المغرب الآلاف من البدو الرحل، ورثوا حياة الترحال عن أجدادهم منذ عقود، رافضين تغييرها، لا يستقرون في أرض معينة، الماء بالنسبة لهم خاصة هو إكسير الحياة، أينما وجد، تجدهم مستوطنين قربه لشهور أو لسنوات إلى أن تفرض قسوة الطبيعة سطوتها، فتجدهم يرحلون رفقة مواشيهم وممتلكاتهم البسيطة، على رأسها الخيام وبعض الأثاث البسيط.

في مقابل ذلك، يبرر الرعاة الرحل تنقلهم من الصحراء إلى الجبال حيث المراعي والماء باضطرارهم إلى ذلك نتيجة انعدام المناطق الرعوية في المناطق الجنوبية، ويؤكدون أنهم يدفعون المال مقابل الرعي هناك غير أن الأهالي يريدون الانتفاع بالمراعي لوحدهم.

فضلاً عن تهديدهم من الرعاة الرحل، يشتكي السكان المحليون من تهديد الخنازير التي تهجم عليهم بأعداد كبيرة ما يصعب عليهم التصدي لها، إلى جانب استلاء السلطات على أراضيهم بحجة تنظيم المجال الزراعي في المملكة.