لطالما اقتصر السفر على أسباب ومقاصد محددة مثل الترفيه والاستجمام والعلاج والاكتشاف، ولكن مؤخرًا ظهر قطاع السياحة التجميلية التي تقدر صناعتها بمليارات الدولارات ويلجأ إليها كل من يرغب في إجراء عملية جراحية في مظهره الخارجي لتحسين عيب ما أو تجميل ما لديه تماشيًا مع رغباته الخاصة أو إرضاءً لضغوط الحياة العصرية المتحكمة بمعايير الجمال في العالم.

ومع إجراء أكثر من 21 مليون عملية تجميلية في جميع أنحاء العالم سنوياً، من المثير للاهتمام أن الدول العربية تحتل مراتب متقدمة في هذا المجال، حيث تعتبر لبنان وتونس والمغرب ودبي من أكثر الوجهات شيوعًا في العالم، وتتنافس كل دولة في استعراض ما لديها من خدمات عالية المستوى وأدوات متقدمة ونتائج مبهرة وذلك بهدف اجتذاب أكبر عدد ممكن من الزبائن.

أما على الصعيد العالمي، فتعد البرازيل واليابان وإيطاليا والمكسيك من بين أفضل الوجهات الدولية المختارة لجراحات التجميل، كما تتفوق روسيا والهند وتركيا وألمانيا وفرنسا على المراكز العشرة الأولى، وذلك وفقاً للجمعية الدولية لجراحة التجميل (ISAPS).

كيف أصبحت عمليات التجميل وجهة سياحية؟


لا داعي للذكر أن السياحة التجميلية هي امتداد للنمو المذهل الذي شهدته السياحة الطبية خلال العقد الماضي، إذ برزت هذه الظاهرة الحديثة مع ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية في الثمانينيات والتسعينيات فبدأ المرضى حول العالم يبحثون عن خيارات بأسعار معقولة ونتائج مضمونة إلى حد ما، وكانت حينها العمليات الخاصة بطب الأسنان هي المتداولة بشكل كبير فقد وصلت نسبتها إلى 40% من السياحة العلاجية.

تقدر قيمة قطاع السياحة الطبية بين 45.5 و 72 مليار دولار ، ومن المتوقع أن تنمو بنسبة تصل إلى 25% سنويًا على مدى السنوات العشر المقبلة، وإذا أردنا قياس وزن السياحة التجميلية، فهي تمثل ما يقرب من نصف صناعة السياحة الطبية ومن المرجح أن تكون أكثر إذا تم حساب عمليات التجميل المتعلقة بالأسنان والوزن، وذلك بحسب دراسة أجريت عام 2014 في جامعة ليدز.

الولادة الفعلية لهذا القطاع كانت في عام 1997 عندما انهارت عملة تايلاند، ووجهت الحكومة مسئولي السياحة إلى تسويق البلاد كوجهة مثالية للجراحات التجميلية على أمل زيادة إيراداتها وضخ الأموال في اقتصادها

أما الولادة الفعلية لهذا القطاع فكان في عام 1997 عندما انهارت عملة تايلاند، ووجهت الحكومة مسئولي السياحة إلى تسويق البلاد كوجهة مثالية للجراحات التجميلية على أمل زيادة إيراداتها وضخ الأموال في اقتصادها، وبالفعل سرعان ما أصبحت تايلاند وجهة لجميع أنواع الجراحة التجميلية من أكثر من 190 دولة، ففي عام 2013، حققت تايلاند إيرادات مذهلة بلغت 4.31 مليار دولار.

يعود الإقبال الشديد على السياحة التجميلية إلى أسباب عدة، منها أن العناية والخدمات الطبية تكون أكثر تطورًا ورفاهية من المستشفيات المحلية، فضلًا عن الخبرات المتخصصة والمتطورة التي يمتلكها أطباء البلد المستضيف. وفيما يخص التكلفة فهي تكون أقل بدرجة كبيرة. على سبيل المثال، يُعتقد بأن الأسعار في تايلاند تبلغ ثلث أو نصف ما تكلفه العملية في الدول الأخرى، حيث تتراوح تكلفة عمليات تجميل الوجه في إستراليا ما بين 9 إلى 10 آلاف دولار، أما في تايلاند فهي لا تساوي أكثر من 5 أو 4 آلاف دولار، ما يعني أنها تمكن السياح من توفير 40 إلى 80% من تكاليف الجراحة التجميلية في بلادهم.

تشكل النساء نسبة كبيرة من هؤلاء السياح، لكن الأمر لا يقتصر على النساء فقد شكل الرجال 13.8% من المرضى التجميليين

وغالبًا ما تشكل النساء نسبة كبيرة من هؤلاء السياح، لكن الأمر لا يقتصر على النساء فقد شكل الرجال 13.8% من المرضى التجميليين وكان إجرائهم المفضل هو جراحة الجفون تليها تصغير الثدي وتجميل الأنف وشفط الدهون وزرع الشعر.

إذا أردت أن تشبه ممثل/ة ما، سافر إلينا!


تشهد البلدان التي تتمتع أعمالها السينمائية والدرامية بصيت ذائع حول العالم ازدهارًا واسعًا في السياحة التجميلية، فبحسب موقع "دايلي صباح" التركي، لقد أدى عرض المسلسلات والأفلام التركية في تلفزيونات دول الخليج وأمريكا اللاتينية إلى جذب العديد من السياح للسفر إلى تركيا من أجل إجراء عمليات التجميل حتى يصبح مظهرهم شبيهاً بالمشاهير والممثلين الذين يشاهدونهم خلف الشاشات.

نائب رئيس جمعية السياحة الصحية قال:" ‘ن الزبائن يرغبون بأن تكون ملامح وجههم مطابقة للممثلين المفضلين لديهم".

وفي هذا الجانب يقول نائب رئيس الأكاديمية الأوروبية للجراحة التجميلية للوجه البروفيسور فاضل أبايدن أن المرضى يرغبون بالحصول على تعابير وجه المشاهير الأتراك، وأغلب طلباتهم هي التشبه بكيفانتش تاتليتوغ أو لبيرين سات، ويؤكد على ذلك نائب رئيس جمعية السياحة الصحية في منطقة إيجيه زكي هوزير عندما قال أن الزبائن يرغبون بأن تكون ملامح وجههم مطابقة للممثلين المفضلين لديهم.

ويمكن قياس ذلك على الكثير من الحالات في الدول الأخرى والتي يتأثر بها جيل الألفية بصورة المشاهير المثالية واللامعة، فقد أجرت الأكاديمية الأمريكية لجراحة الوجه والجراحة الترميمية مؤخرًا استطلاعًا حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعية على الجراحة التجميلية، وكانت النتائج مثيرة للاهتمام إذ يشهد جراحو التجميل زيادة بنسبة 30٪ في عدد المهتمين بجراحة التجميل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

في هذا العصر الرقمي لا يمكن الهروب من جنون سيلفي وغيرها من الصور التي تذكرنا دومًا بمظهرنا الخارجي وتجعلنا نلاحظ تجاعيدنا وأوزانًا ونقارنها بغيرنا من رواد هذه المنصات، ما جعل المختصون يتوقعون نمو هذه الصناعة بشكل قياسي في المستقبل القريب

ففي هذا العصر الرقمي، لا يمكن الهروب من جنون سيلفي وغيرها من الصور التي تذكرنا دومًا بمظهرنا الخارجي وتجعلنا نلاحظ تجاعيدنا وأوزانًا ونقارنها بغيرنا من رواد هذه المنصات، ما جعل المختصون يتوقعون نمو هذه الصناعة بشكل قياسي في المستقبل القريب تزامنًا مع ارتفاع عدد الجراحات التجميلية.

وذلك بالرغم من جميع المصاعب التي قد يتعرض لها السائح في البلد الأجنبي والتي قد تؤثر على صحته، إضافة إلى احتمالية ذهابه إلى مراكز غير مرخصة، مثل ما يوجد في لبنان التي ينتشر فيها آلاف المراكز ولكن 34 منها مرخصًا رسميًا، إلى جانب مخاطر أخرى تتعلق بالفترة العلاجية والخوف من التعرض إلى جلطات فجائية وما يتبعها من مضاعفات طبية تستلزم تدخل سريع من الطبيب المسؤول عن الجراحة.