عن عمر ناهز الـ94 عامًا، غيّب الموت جورج هربرت ووكر بوش، الرئيس الحادي والأربعين للولايات المتحدة، بعد صراع طويل مع المرض، حسبما أعلن جورج بوش الابن في بيان نشره الناطق باسم العائلة على صفحته على "تويتر" صباح اليوم السبت الأول من ديسمبر 2018.

تنصيبه رئيسًا لأمريكا في يناير/كانون الثاني 1989 كان تتويجًا لمسيرة طويلة أساسها الحظوة، فقد كانت حياته السياسية عبارة عن سلسلة من الترقيات السياسية انتهت به في البيت الأبيض، لكن سرعان ما خرج منه سريعًا بعدما خذله ناخبوه في أعقاب سلسلة من الفشل لا سيما على الجانب الاقتصادي.

حددت سياسة بوش الذي نجح في كسر الرقم القياسي لأطول الرؤساء الأحياء لأمريكا على مر تاريخها، الكثير من ملامح فترة ولايته، خاصة أنها شهدت العديد من التقلبات التي دفعت الولايات المتحدة لتتربع على عرش القوى العظمى في العالم، على رأسها انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية وتفكك الاتحاد السوفيتي.

وبين من يراه صاحب الفضل في تحرير الكويت من الغزو العراقي وتخليص الشعب الكويتي من الوقوع في أسر العراقيين وآخرين يعتبرونه مدمر الشرق الأوسط وواضع اللبنة الأولى لبناء النظام العالمي الجديد تظل حياة جورج بوش الأب مثار جدل لم يحسم حتى بعد رحيله.

الناجي الوحيد

في الـ12 من يوليو/تموز عام 1912 ولد جورج بوش في بلدة ميلتون بولاية ماساشوسيتس، لأب كان يعمل مصرفيًا قبل أن يصبح فيما بعد عضوًا في مجلس الشيوخ، ثم التحق بجامعة ييل ليتطوع بعدها في سلاح البحرية حيث تلقى فترة تدريب كطيار بحري قبل أن يتم إرساله ضمن المشاركين في الحرب ضد اليابان إبان الحرب العالمية الثانية.

ومن العجيب أن طائرته التي كانت تقله تم إسقاطها في المحيط الهادئ في سبتمبر 1944 حينما كانت تشارك في إحدى الغارات الجوية، ليموت طاقمها بالكامل وينجو بوش وحده إذ استقل قارب نجاة حتى عثرت عليه غواصة أمريكية، لكن سرعان ما تم تسريحه من سلاح البحرية بعد هذه الحادثة بعام واحد.

وفي عام 1945 تزوج بوش من باربارا بيرس لينجبا طفلهما الأول جورج ووكر بوش في يوليو/تموز 1946، كما عاد إلى صفوف دراسته مرة أخرى ليحصل على شهادة البكالوريوس في الأدب من جامعة ييل، وبعدها التحق مباشرة بوظيفة في القطاع النفطي بفضل علاقات والده التجارية، قبل أن يؤسس شركته الخاصة التي بها صار واحدًا من مليونيرات أمريكا بحلول أوائل ستينيات القرن الماضي.

الثراء دفع بوش حينها إلى الاهتمام بالسياسة، ليلتحق بعدها بالحزب الجمهوري عام 1963 حيث صار أمينًا عامًا للفرع المحلي له، ثم رئيس مقاطعة الحزب هاريس في العام نفسه، ليبدأ بعدها مرحلة جديدة من مراحل حياته حين فكر في الترشح على مقعد ولاية تكساس في مجلس الشيوخ.

رغم قصر المدة التي تولى فيها جورج بوش الأب مقاليد الأمور في أمريكا، فإن سياسته الخارجية في هذه المدة ساهمت بشكل كبير في تغيير خريطة العالم بصفة عامة والشرق الأوسط بصفة خاصة

حياته السياسية

عام 1964 أدار بوش حملة انتخابية من طراز خاص بهدف الحصول على مقعد عن ولاية تكساس، غير أن المحاولة باءت بالفشل عقب خسارته التي مني بها، إلا أنه نجح في 1966 في الحصول على ذات المقعد، ليصبح لأول مرة في تاريخه عضوًا بمجلس النواب واستمر لولايتين متتاليتين ترأس فيهما اللجنة الوطنية للحزب في القضية الشهيرة التي عرفت بـ"فضيحة وترجيت".

في الفترة من 1971-1973 تولى منصب سفير الولايات المتحدة بالأمم المتحدة، كما تم إرساله كمبعوث دبلوماسي لأمريكا بالصين في فترة السبعينيات، ليدير بعدها لمدة عام واحد وكالة الاستخبارات الأمريكية من عام 1976 – 1977، لتبدأ مرحلة جديدة أخرى من مراحل حياته متجاوزًا المناصب التقليدية كافة ليفكر بعدها في البيت الأبيض.

بوش الأب وزوجته وابنهما

رئيسًا لأمريكا

تجاوز طموح بوش مرحلة البرلمان والمناصب الدبلوماسية في الأمم المتحدة إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث كرسي الرئيس، وبالفعل خاض معركة الترشح للانتخابات الرئاسية عام 1980 أمام رونالد ريجان، غير أنه خسر، ومع ذلك عينه ريجان نائبًا له في الفترة من 1981-1988

وفي انتخابات 1989 نجح بوش الأب في الحصول على كرسي الحكم بعد منافسة شرسة، وتنبأ له الكثيرون بحضور قوي لما يتمتع به من قدرات، لكن الوضع لم يدم كثيرًا، إذ لم يمكث في منصبه كرئيس لبلاده سوى ولاية واحدة فقط، وذلك بعد تراجع شعبيته بسبب المعاناة الاقتصادية التي عاناها الشعب الأمريكي خلال تلك الفترة.

وفي انتخابات الجولة الثانية من فترة رئاسته في 1992، خسر جورج بوش الأب، ليتعرض بعدها لهزة نفسية شديدة، على إثرها قرر العزلة والتوقف عن العمل السياسي، وإن ظل محتفظًا بعضوية الحزب الجمهوري، ليظل بعيدًا عن الأضواء حتى عاد مجددًا للمشهد من باب العمل الإنساني في أعقاب مشاركته في احتفالية الذكرى الـ75 لهجوم اليابان على بيرل هاربر، في ديسمبر من العام الماضي، قبل أن يغادر الحياة صباح اليوم.

في 1991 دعا بوش إلى عقد مؤتمر دولي لبحث الصراع في منطقة الشرق الأوسط في العاصمة الإسبانية مدريد، هذا المؤتمر الذي كان اللبنة الأولى لبناء ما أطلق عليه بعد ذلك، الشرق الأوسط الجديد

العراق والشرق الأوسط

تميزت فترة ولاية بوش الأب بالزخم السياسي الدولي والإقليمي، حيث شهدت بعض الأحداث التي أعادت تشكيل خريطة العالم بصورة كبيرة، على رأسها سقوط النظم الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفيتي، الخصم التاريخي للأمريكان، لتغرد أمريكا منفردة على قائمة أقوى دول العالم.

وبعد عام واحد فقط من توليه الرئاسة، قاد الرئيس الأمريكي تحالفا عسكريًا لتحرير الكويت من الاعتداء العراقي عليها في 1990، وحملت العملية حينها مسمى "عاصفة الصحراء"  تلك الحرب التي رفعت أسهم بوش بصورة كبيرة، سواء لدى الغرب أم بعض دول الشرق الأوسط على حد سواء، نجح خلالها في ضمان موطئ قدم ثابت لبلاده في الدولة النفطية الكبيرة.

في 1991 دعا بوش إلى عقد مؤتمر دولي لبحث الصراع في منطقة الشرق الأوسط في العاصمة الإسبانية مدريد، هذا المؤتمر الذي كان اللبنة الأولى لبناء ما أطلق عليه بعد ذلك، الشرق الأوسط الجديد، وكان ذلك برعاية أمريكا والاتحاد السوفيتي سابقًا، هذا بخلاف وفود ممثلة لكل من "إسرائيل" وفلسطين والاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي بجانب أمين عام الأمم المتحدة، وهو ما مثل أول لقاء في التاريخ يضم أطراف الصراع إلى طاولة واحدة.

كثيرون أشاروا إلى أن تحرك بوش ضد العراق كان مفاجئًا كرد فعل لغزو الكويت، وأن القرار جاء منفردًا دون الرجوع للجهات السيادية في أمريكا، غير أن ما تكشف بعد ذلك يفند تلك المعتقدات بصورة كبيرة، إذ كانت واشنطن تخطط للتخلص من كل خصومها في الدول النامية والشرق الأوسط منذ فترة طويلة.

الخطة بحسب البعض كانت تقوم على مساعدة الولايات المتحدة هذه الدول على الركض من أجل التسلح، ثم تنفذ بعدها إستراتيجيتها في تفجير هذه الدول وإشعالها، وهو ما حدث بالفعل مع العراق، حيث تركته ينفق المليارات على التسلح، حتى صار لديه ترسانة أسلحة ضخمة، منها أسلحة اشتراها من الغرب، تماما مثلما حدث مع إيران في فترة حكم الشاه، ثم استغلت حادثة الكويت لتنقض عليه، للقضاء على تلك الترسانة من جانب ووضع موطئ قدم دائم لها في الشرق الأوسط من جانب آخر.

قاد بوش الأب تحالفًا لضرب العراق في 1990تحت مسمى "عاصفة الصحراء"

النظام العالمي الجديد

في الـ11 من سبتمبر عام 1990 ألقى بوش الأب خطابًا تاريخيًا أمام الكونغرس، ذكر فيه ولأول مرة عبارة "النظام العالمي الجديد" هذا النظام الذي كانت ترغب أمريكا في تدشينه بما يخدم مصالح بلاده ويضمن لها التفوق المستمر، سواء فيما يتعلق بمراكز التفوق الاقتصادي أو التخلص من الخصوم السياسيين.

في الـ2 من أغسطس 1990 عقد بوش اجتماعًا مصغرًا جهز فيه لهذا الخطاب، حضرته حينها رئيسة الوزراء البريطانية في ذلك الوقت مارغريت تاتشر، وبعض كبار المسؤولين في عدد من الدول، كان الهدف هو التنسيق من أجل رسم الملامح الأولية لهذا النظام الجديد، وعلى الفور تم تكليف ديك تشيني وآخرين بمهمة وضع هذا الخطاب في إطار نظري أوسع بعد إلقائه بأيام قليلة.

ربما لم يترجم خطاب بوش إلى إستراتيجيات محددة المعالم وذلك بسبب خسارته في الانتخابات الرئاسية 1992 وخروجه بعيدًا عن دائرة الحكم ولجوئه للعزلة السياسية، إلا أن فحوى نظامه الجديد الذي كان يحلم به يتحقق على أرض الواقع، حيث إشعال منطقة الشرق الأوسط بالخلافات وتأجيج الخصومات بين دولها وهو ما ساهم في إنعاش الخزينة الأمريكية بصفقات السلاح المليارية فضلاً عن الحيلولة دون قيام اتحاد إقليمي قادر على تهديد مصالح أمريكا.

وفي المجمل.. ورغم قصر المدة التي تولى فيها جورج بوش الأب مقاليد الأمور في أمريكا، فإن سياسته الخارجية في هذه المدة ساهمت بشكل كبير في تغيير خريطة العالم بصفة عامة والشرق الأوسط بصفة خاصة، فبعد ما يقرب من 36 عامًا على مغادرته منصبه لا تزال سياسته تحصد نتائجها يومًا تلو الآخر، حتى في وجود رؤساء على غير الهوى السياسي له.