بينما تتحدث الحكومة المصرية عن خطورة التحديات التي تواجهها ليل نهار، والمؤامرات التي تحاك ضدها لإجهاض جهودها وتهميش دورها، ينكشف وبصورة كبيرة تواضع إمكانياتها وسوء إدارتها كلما هطلت الأمطار هنا وهناك بين الوقت والآخر، إذ تسقط الأقنعة وتتصاعد معها معدلات قلق المصريين.

هذا القلق ليس نتاج سوء أوضاع البنية التحتية التي افتضح أمرها بصورة كبيرة وفقط، ولا الفشل في إحداث التنسيق المفترض بين مختلف أجهزة الحكومة المعنية، فهذا قد يكون سمة العديد من الدول في هذا الفصل من العام، بل إن الأكثر قلقا في هذه المسألة ما يعكسه التعامل مع الأمطار حول مدى قدرة الدولة بمعناها الأشمل والأعم على مواجهة الكوارث والأزمات الكبرى التي قد تتعرض لها.

مصر بتغرق في شبر مياه.. باتت تلك العبارة الأكثر انتشارا على ألسنة المصريين الثمان والأربعين ساعة الماضية، حيث أصيبت الشوارع والميادين بحالة من الشلل التام جرًاء الموجة المطرية التي أصابت العديد من المحافظات المصرية والمرجح أن تستمر حتى أول الأسبوع القادم.

وكالعادة.. ومع موسم الشتاء من كل عام، تخرج الأجهزة التنفيذية والمحلية لتعلن عن كامل استعداداتها للتعامل مع الأمطار والسيول، مخصصة لذلك ميزانيات بمئات المليارات، لكن سرعان ما تغرق تلك الوعود في مستنقعات المياه التي تغطي كبريات الشوارع وأهمها، ناهيك عن الحواري والأزقة والمناطق النائية والتي تتحول معظم وقت الشتاء إلى مدن من الأشباح، حيث لا أحد يخرج من بيته بعد أن تحولت الطرق إلى منصات للتزحلق على الطين وبرك من المياه الراكدة.

إنذار الإسكندرية ليس كافيًا

قبل 3 أعوام شهدت محافظة الإسكندرية موجة قاسية من الأمطار والسيول تسببت في غرق أحياء بأكملها حتى غطت في بعض الأحيان منازل بأكملها، وقتها اكتفى كل مسئول بالدفاع عن نفسه وتبرئة ساحته، حتى تفرق دم مسئولية ما حدث بين أروقة المحافظة ووزارة التنمية المحلية والإدارات التنفيذية الداخلية.

الصور المرعبة التي تناقلتها وسائل الإعلام حينها كانت صادمة للجميع، وهو ما أدى إلى حالة من الاستنفار لدى أهل إسكندرية في ظل ما كشفته تلك الأزمة من تردي مستوى البنية التحتية وتقاعس المسئولين عن القيام بواجباتهم، وعلى الفور كان لابد من تقديم كبش فداء لتهدئة الأجواء الملتهبة، وهو ما كان حيث تم التضحية بالمحافظ آنذاك الدكتور هاني المسيري الذي أجبر على تقديم استقالته.

استبشر البعض خيرًا، إذ من المنطقي أن المحافظ الذي تم الإطاحة به بسبب سواء إدارة أزمة الأمطار لابد وأن يكون جرس إنذار لمن يخلفه، ومن ثم عليه أن يعيد النظر في خارطة البنية التحتية للمحافظة وأن تكون وكامل أجهزتها على أهبة الاستعداد، لكن العجيب أن الوضع لم يتغير، إذ لم تزل شبكات الصرف الصحفي معطلة، ولا  تزال المدينة الساحلية تغرق – كالعادة -  في شبر مياه.

غرق أحياء بأكملها في الإسكندرية جرًاء أمطار 2015

غياب التنسيق وسوء الإدارة

حذرنا مرارا وتكرارا أن هناك ١٤ محافظه معرضه للسيول سنويا وهي شمال وجنوب سيناء البحر الأحمر و وسوهاج وأسيوط وقنا وأسوان والمنيا وبني سيوف والفيوم والسويس والاسماعيليه والقاهره والأقصر، ومن ثم لابد من الاستعداد الكامل ورفع درجة التأهب القصوى.. بهذه الكلمات استهل الدكتور حمدي عرفة استاذ الاداره المحليه وخبير استشاري تطوير المناطق العشوائيه حديثه معلقًا عن أزمة الأمطار في مصر.

عرفة في حديثه لـ "نون بوست" أشار أن متوسط حجم الأمطار الساقطة في كل محافظه يصل  الي ٤ ملايين و٦٠٠ الف متر مكعب وهي كافيه لزراعة ٧٠٠ الف فدان في كل مره حيث أنها نعمه  ولكن نتيجة إهمال بعض المسؤولين في المحليات يمكن أن  تتحول الأمطار الي نقمة.

كل محافظه تحتاج الي ٤٠٠ مليون جنيه علي الأقل لتطهير وصيانة وإنشاء عدد المخرات السنوية حيث يوجد ما يقرب من ١١١٢ كفر ونجع وعزبه وقريه  مهددين بالسيول خلال فصل الشتاء، وتصل تكلفه سد الإعاقة الي ٢ مليون جنيه

كما أضاف أن مخرات السيول، طبيعية كانت أو صناعية، هزيل جدًا،  إذ لا تتعدى  ٢٦ مخر في كل محافظه  تم إنشاءها منذ عقود وكان يجب التنسيق مع وزاره الري لصيانتها دوريا من حيث وجود مخرات للطرق منعا لحدوث حوادث، حيث  يمكن الاستفاده من  السيول في الزراعه ومياه الشرب وشحن للمياه الجوفيه وهذا مالم يستعد له المحافظين بالصوره الكامله والكافيه.

وأشار  استشاري تطوير المناطق العشوائيه أن مصر الآن بحاجة ماسة إلى خطة استراتيجية قومية للتعامل مع  السيول لتجنب العشوائية التي يدار بها هذا الملف الذي بات يمثل صداعا للجميع، لافتًا إلى وجود ١٢٦ محطة أرصاد كان يمكن الاستفاده منها مع أدارت الأزمات التابعة لمركز دعم واتخاذ القرار حيث وصل ارتفاع منسوب المياه في السيول علي الطرق بارتفاع من ٣ م الي ٥ م ووصل عرضها الي من ٣٠٠ الي ٥٠٠ م علي الأقل.

هذا في حين ان كل محافظه تحتاج الي ٤٠٠ مليون جنيه علي الأقل لتطهير وصيانة وإنشاء عدد المخرات السنوية حيث يوجد ما يقرب من ١١١٢ كفر ونجع وعزبه وقريه  مهددين بالسيول خلال فصل الشتاء، وتصل تكلفه سد الإعاقة الي ٢ مليون جنيه وكل خزان يحتاج إنشاءه الي ٢٥٠ الف جنيه حيث تكلفه السد العادي الي مليون جنيه مع العلم انه لايوجد معدات كافيه لشفط المياه في المحليات حيث تصل الي سيارته واحده فقط في كل حده محليه قرويه.

الأمطار كشفت سوء أوضاع البنية التحتية في كثير من المدن المصرية 

تساؤلات مشروعة

عدد من التساؤلات تفرض نفسها مع كل موجة أمطار تشهدها الشوارع المصرية، تتكرر على ألسنة المارة ذهابا وإيابا دون إجابة محددة أو شافية تغلق الباب أمام رياح التشكيك في قدرات الدولة ونزاهة مؤسساتها.

أول هذه الأسئلة يتعلق بمدى ما توليه الدولة من تخطيط واستعدادات لمواجهة أى أزمات مماثلة فى مخططاتها للمدن والطرق الجديدة العديدة التى تقوم بإنشائها، وهنا لابد من وقفة، إذ أن المؤشرات الحالية تقود إلى أنه بعد سنوات، قصرت أم طالت، ستشهد المدن الجديدة كوارث كالتي تشهدها المدن الحالية، وحينها ربما يكون الجواب: لم نكن مستعدين ولم نخطط فى هذه المشروعات الجديدة لمثل هذا النوع من الأزمات.

ثاني الأسئلة لا يختلف كثيرًا عن الأول، غير أنه يتطرق إلى أنه طالما أن هناك حديث عن أهمية تطوير البنية التحتية من جانب وعزف الدولة على قلة الموارد من جانب آخر، أليس من الأجدر تطوير ماهو قائم بالفعل من البنى التحتية وتحسين مستواها بدلا من إهمالها وإنشاء اخرى جديدة؟

التساؤل الثالث والأخير فيتعلق بالدور الغائب للمجالس المحلية، وهنا قد يلتمس البعض العذر لها، إذ أنها لا تزال مُغيبة وعن عمد، فى ظل تعطيل إجراء انتخابات المحليات حتى الآن، الامر الذي يتطلب سرعة الانتهاء من قانون المحليات والبت فعلا في هيكلة منظومة محلية قادرة على مواجهة مثل تلك الأزمات.. ليبقى السؤال: لماذا تسوف الدولة وتماطل في انتخابات المحليات بحجة أن القانون لم ينته بعد؟

ما يقرب من تريليون جنيه تم إنفاقها على البنية التحتية والخدمات بالمحافظات خلال الأعوام الأربعة الأخيرة من 2014 وحتى 2018

تريليون جنيه.. أين ذهبت؟

تساؤلات عدة طرحها عدد من المواطنين بشأن مصير الميزانيات المخصصة لتنمية البنية التحتية، حيث تتساءل الصحفية أميمة محمود، مسئول قسم المحليات بصحيفة الأحرار المصرية، عن ملامح الخطة الحكومية لتطوير بنية المحافظات، لافتة إلى أنها وبحكم عملها على إضطلاع بحجم تلك الميزانيات والتي تتجاوز مئات المليارات على حد قولها.

أميمة لـ "نون بوست" كشفت أن حجم الفساد في مصر وصل لمراحل لا يمكن حصرها، لافتة إلى أنه في عام 2016 فقط  شهد 968 واقعة فساد معلنة، هذا غير مالم يتم الإعلان عنه، إذ أنه لا يمكن لأي شخص أن يقف على مستوى الفساد الحقيقي إلا خبراء متخصصون وفرق مهيأة لهذا الغرض.

يذكر أن اللواء أبو بكر الجندى، وزير التنمية المحلية،قال خلال اجتماع المحافظين في مارس الماضي أن ما يقرب من تريليون جنيه تم إنفاقها على البنية التحتية والخدمات بالمحافظات خلال الأعوام الأربعة الأخيرة من 2014 وحتى 2018، غير أن الواقع الذي تكشفه موجات الأمطار ما بين الحين والآخر تجعل من هذا الرقم المعلن علامة استفهام في حاجة إلى إجابة سريعة.