الصورة: متظاهر بحريني خلال اشتباكات مع السلطات، الخميس الماضي

ترجمة وتحرير نون بوست

تمنع الحواجز الخرسانية الملونة بالأسود والأصفر الدخول إلى ذلك المجمع السكني لأثرياء السنة، حيث كان يحرس الجنود السنة الذين وُلدوا في الخارج قصور نخبة من رجال الأعمال والأسرة الحاكمة.

وما وراء ذلك المجمع السكني أو الجيب السني المعزول، كانت هناك قرى فقيرة للشيعة، الذين يمثلون أكثر من 70٪ من سكان البحرين البالغ عددهم 650 ألفًا! وهناك تناوش الشرطة الشبان الذين يلقونهم بالحجارة ليلاً، وبشكل متزايد يحملون أسلحة مثل البنادق محلية الصنع التي تستخدم طفايات الحريق لإطلاق قطع من الحديد الصلب ناحية الجنود.

هذه المعارك هي امتداد للكراهية الطائفية القديمة، ربما، قدم الإسلام ذاته، لكنها أيضا تعبر عن تجل واضح التدافع الحاد حول السلطة الذي يمتد عبر المنطقة في أعقاب غزو العراق وثورات الربيع العربي.

كانت هذه الجزيرة قبالة الساحل الشرقي للملكة العربية السعودية هي أول دولة تتحول فيها مطالب الربيع العربي، في مواطنة متساوية وحكم ديمقراطي إلى عداء طائفي، وبينما بدا في البداية أن البحرين ستكون حالة شاذة بالنسبة لدول الربيع، إلا أن تجربة البحرين كانت تشير إلى ما سوف يحدث في المنطقة إذ أن هذا هو ما حدث تمامًا بين السنة والشيعة في سوريا والعراق، في منافسة إقليمية على النفوذ بين إيران والسعودية.

أكاديميون ونشطاء يقولون إن العنف الطائفي الذي يجتاح الشرق الأوسط ليس إطلاقًا لعنان الكراهية الطائفية التي قُمعت طويلاً بواسطة الحكام المستبدين الذين حكموا المنطقة، لكن بدلاً من ذلك، فإن إحياء تلك المشاعر وهذا العداء هو نتيجة استغلالها في صراع على السلطة بكل ما تعني!

"هناك أطراف تريد أن تبقي التوتر بين الطائفتين حيًا لأجل الحصول على قطعة أكبر من الكعكة"، حسبما يقول الشيخ ميثم السلمان، وهو عالم شيعي اُعتُقل لتسعة أشهر وتعرض للتعذيب على يد الشرطة البحرينة في 2011 بسبب دعمه للثورة البحرينية.

الآن، هذه الثورة قد تم تحويل ساحتها "اللؤلؤة"، حيث اعتصم المتظاهرون لأسابيع قبل ثلاث سنوات، إلى معسكر عسكري دائم، حتى التمثال الذي يحمل اسم اللؤلؤة هُزم عندما هاجمت القوات البحرينية وقوات من ممالك سنية مجاورة عبر جسر الملك فهد الواصل بين السعودية والبحرين لسحق الحركة التي يهيمن عليها الشيعة ويطالبون فيها بالديمقراطية.

لكن في اللحظة التي تُثار فيها تلك الأحقاد الطائفية، فإن تبعاتها تتسع ولا يمكن التنبؤ بها، وقد تطال أولئك الذين سعوا إلى استغلالها بالأساس، في سوريا على سبيل المثال، سعت حكومة بشار الأسد ومؤيديه الإيرانيين إلى تصوير الثورة باعتبارها محاولة طائفية للاستيلاء على السلطة من قبل المتطرفين السنة، بهدف حشد المسيحيين والأقليات الدينية الأخرى ضد الثورة، ومن جانبها قامت السعودية ودول الخليج السنية الأخرى بفعل الشيء نفسه على الناحية الأخرى، فقاموا بإشعال الاستياء السني من إيران والعلويين الذين ينتمي إليهم الأسد، كما ضخوا مساعدات متزايدة للمتشددين السنة الذين نموا بسرعة.

الآن، حققت الثورة السورية أسوأ المخاوف الطائفية، وهددت تلك الطائفية ليس فقط عائلة الأسد، لكن إيران والسعودية أيضًا، المتطرفون السنة هم الأكثر ضراوة بين الثوار، والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) استولت على مساحات شاسعة من الأراضي عبر الدولتين، والآن تتباهي بإعدام الشيعة وبتفجير الحسينيات.

خطر داعش وصل إلى عتبات كل من الحكومة العراقية والنظام الملكي في السعودية الذي يخشى تهديد المملكة!

وفي جميع أنحاء المنطقة، تبع الصراع الطائفي نفس النمط، فإضعاف الدولة يؤدي بالمواطنين إلى الحرص على الارتداد إلى هوياتهم الطائفية، بينما الحكام غير الآمنين يحيطون أنفسهم بموالين من عشائرهم وطوائفيهم، وهناك تنفير وإبعاد منهجي للآخر، وهو غالبًا ما يكون على أسس طائفية، وفي حالة حلفاء الولايات المتحدة مثل البحرين والعراق، يقول محللون إن الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى قد غضت الطرف عن تجاوزات الحكام الذين دعموهم.

وفي ذات الوقت، فإن تلك الشقوق الداخلية تتسع بعدد من العوامل، مثل الثقل الجيوسياسي للمنطقة، والدولة الدينية الشيعية في إيران، ونظيرتها السنية في السعودية.

يقول "فالي نصر" عميد كلية الدراسات الدولية بجامعة جونز هوبكنز الأمريكية: إن "المملكة العربية السعودية وإيران يوظف كل منهما السياسة الخارجية الطائفية لتحقيق أهداف تقليدية، فهما يلعبان مثل الدول العظمى، وقطع الشطرنج التي يحركانها كلها تؤجج الطائفية".

أما الولايات المتحدة فإن الخطر بالنسبة لها يتمثل في تزعزع استقرار المنطقة وأمن حلفائها وشركات النفط، كما أن الصراع على السلطة والذي يجري حاليًا سيترتب عليه مخاطر جديدة قد تعقد المحاولات للوصول إلى اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي.

لكن على الرغم من ذلك، فإن واشنطن لا تزال مرتبكة في المنطقة من خلال حفاظها على التحالفات على جانبي الصراع الطائفي، إذ تتحالف مع السنة في السعودية والبحرين والمعارضة السورية، وتتحالف مع الشيعة في السلطة في العراق، وافقت الولايات المتحدة السلطات البحرينية في محاولة السعوديين سحق الانتفاضة السلمية في البحرين، وفي العراق بقيت الإدارة الأمريكية صامتة تمامًا وسط أدلة متزايدة من أن رئيس الوزراء نوري المالكي يقصي الأقلية السنية من السلطة ويتغاضى عن الانتهاكات ضدهم.

العرب يفهمون ذلك بشكل تآمري: واشنطن ترحب بالفوضى الطائفية.

طار وزير الخارجية "جون كيري" إلى بغداد لحث الحكومة العراقية التي يقودها الشيعة على تقاسم السلطة وتجنب الطائفية، كان يأمل في أن يخفف بعض الاستياء الذي دفع المسلمين السنة إلى تقبل المتطرفين، لكن في البحرين، يستاء الشيعة ويقول "خليل المرزوقي" نائب رئيس جبهة الوفاق الشيعية البحرينية: "نحن بحاجة لسماع رسالة مشابهة".

الانقسامات السنية الشيعية بدأت في القرن السابع الميلادي، بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إذ أقر الفريق المهيمن، الذي اعتُبر السنة فيما بعد، أن القيادة يجب أن تمر عبر تسلسل ما بدأ بأبي بكر، لكن طرفًا آخر ظهر لاحقًا يعتقد في أحقية الإمام علي بخلافة النبي.

اليوم، تضم طائفة الشيعة 15٪ من المسلمين البالغ عددهم 1.6 مليار مسلم، على الرغم من أنهم يشكلون غالبية السكان في إيران والبحرين والعراق وأذربيجان ، كما يشكلون نسبة معتبرة في لبنان.

الخلافات اللاهوتية بين السنة والشيعة تقارب خلافات الكاثوليك والبروتستانت في المسيحية، إذ تتمحور حول دور رجال الدين وسلطتهم وحول بعض تفاصيل العبادات، ومع ذلك، كثيرًا ما عاش السنة والشيعة معًا وشكلوا تحالفات سياسية وحتى اجتماعية بالزواج، لكن العديد من السنة لا يرون الشيعة مسلمين حقيقيين، وهو ما يذكي خطاب المظلومية الشيعي الذي يمتد لقرون.

الوضع في العراق على سبيل المثال يشي بأن هناك وميض في آخر النفق، فاستطلاعات الرأي التي أُجريت منذ الغزو الأمريكي للعراق تشير باستمرار إلى أن أغلبية العراقيين من السنة والشيعة يؤيدون التعايش المشترك، لكن احتكار المالكي للسلطة والانتهاكات المتزايدة لحقوق الإنسان أضعفت الوحدة الوطنية، وفي استطلاع أجراه المعهد الوطني الديمقراطي  NDI  -ومقره واشنطن - في ربيع عام 2012 أظهر ارتفاع نسبة الذين يرون العراق على أنه بلد منقسم في غالبه إلى 35٪ بعد أن كانت النسبة 12٪، ومن بين السُنة قال 58٪ أن العراق منقسم غالبًا.

وفي البحرين، عندما سار آلاف المتظاهرين ومعظمهم من الشيعة نحو دوار اللؤلؤة في تحد للحكومة، في فبراير 2011، كان أحد القادة الأكثر ظهورًا هو "إبراهيم شريف" وهو مسلم سني معروف كناشط ضد الفساد الحكومي وأمينًا عامًا للحزب الليبرالي الرئيسي في البحرين، كما أن شريف كان أحد أوائل القادة الذين يتم القبض عليهم، ولا يزال الرجل يقبع في السجن حتى الآن بتهمة الخيانة.

وبعد حملة القمع تلك، بدأ المتظاهرون الشيعة في تبني الهتافات الشيعية بشكل متزايد، كما تصاعدت الأحداث بعنف بعد أن هوجمت قوات الأمن وأعلنت مجموعة أطلقت على نفسها اسم لواء عشتار مسئوليتها عن هجوم أسفر عن مقتل اثنين من الشرطة البحرينية وضابط إماراتي.

الكثير من أطراف المعارضة البحرينية يقولون الآن إن أملهم الوحيد هو أن يعم السلام المنطقة ليشمل السعودية وإيران، وهو ما قد يخفف من مخاوف العائلة الحاكمة من تقديم تنازلات للأغلبية الشيعية، ورغم كل التوتر، إلا أن ذلك لم يتصاعد بعد إلى حيز العنف الطائفي بين المدنيين، لكن قادة معارضين يحذرون من أن البحرين قد تكون برميل البارود القادم!

المصدر: نيويورك تايمز