مصدر الصورة: حساب "بَدُرْ بدرة" على تويتر

اشتعلت في نوفمبر 2012، وسائل التواصل الاجتماعي بأخبار تؤكد هدم الرواق العثماني وإزالته بالكامل لصالح مشروع توسعة صحن الطواف حول الكعبة المشرفة، كان منظر الرافعات الشاهقة بخطافاتها الحديدية، ثقيلاً على قلوب كل من شاهدها، وكان صمت وتكتم الجهات الرسمية فضلاً عن مقاول المشروع عن إظهار حقيقة الأمر، يصب مزيدًا من الزيت على النار.

وبعد أيام أصدرت الرئاسة العامة لشئون المسجد الحرام والمسجد النبوي بيانًا وزعته على الصحف ووسائل الإعلام، تؤكد فيه أنه سيتم فك الرواق العثماني وإعادة تركيبه بعد انتهاء أعمال مشروع توسعة المطاف.

يومها استدعت الذاكرة الحيّة للمواطنين ذكرى القلعة العثمانية التاريخية على
جبل أجياد، ولم يحظ بيان الرئاسة برد الفعل المنتظر، وكلما طالب المواطنون بتوضيحات أكثر، كان الرد جاهزًا: البيان واضح ولا مزيد من التعليق حول الأمر.

لم تهدأ الأنفس، وهي ترى الحفارات تنقر كديوك جائعة، قباب الرواق البيضاء، وكانت الصور وتسجيلات الفيديو عبر الفيس بوك وتويتر وقنوات اليوتيوب مسلسلاً يوميًا يتابع جديده كل الناس طوال اليوم والليلة.

وكان جزءًا من ذاكرة المكان الذي ظل صامدًا طوال أكثر من 1270 عامًا، يتبخر أمام أعينهم ولا يملكون فعل أي شيء غير الدعاء وإظهار مزيد من السخط وعدم الرضا بما يجري أمام أعينهم في عمارة بيت الله العتيق مأوى أفئدة خمس سكان العالم اليوم.

أمس، نقلت صحيفة مكة خبرًا مفاده أن السلطات السعودية قررت إسقاط الرواق الشرقي حول صحن المطاف والاكتفاء بثلاث واجهات فقط.

وقال الخبر الذي كتبه "عمر المضواحي": إن "الأمر قد حُسم وبات ظهور الرواق البديل للرواق التاريخي حول صحن المطاف بالمسجد الحرام بعد فكه وترميمه وبدء تأسيس ورشة أعمال تسابق الزمن لإعادة تركيبه في شكله الجديد، مسألة وقت لا أكثر".

طوال العامين الماضيين ظلت تصاميم ومخططات الشكل النهائي والواقع الجديد لـ "الرواق البديل" محل جدل ونقاش وشدّ وجذب في أضيق نطاق ممكن، بين مختصين وخبراء ومسئولين في مكة المكرمة، تمترسوا معًا خلف مطالباتهم لمقاول تنفيذ التوسعة، بضرورة الحفاظ على شكل وأصالة الرواق التاريخي، ومن الجهات الأربع، صونًا للقيمة التاريخية النادرة لهذا الرواق وللمحافظة على هوية الصورة الذهنية المترسخة في أذهان المسلمين، وحرصًا على بقاء جمالية المكان العتيق من أي رؤية هندسية قاصرة لا تتعامل بتقدير كاف مع هوية ومسلمات المكان المقدس.

ولا يعلم أحد ماذا حدث بعد ذلك، قبل أن تطبق الجهة المنفذة رؤيتها المعمارية المتفردة لشكل الرواق البديل بصورته الجديدة والنهائية حول الكعبة المشرفة، وتسقط رواق الجهة الشرقية بالكامل، من دون أي تبرير أو أسباب، معلنة فتح المجال لنقد قدرات مهندسي التصميم وضيق اختياراتهم للوصول إلى حلول تحافظ على أصالة وهيئة الرواق التاريخي الذي يعود إلى القرن الأول الهجري.

وبين طرفة عين وانتباهتها، طوت كل الملاحظات المعترضة، لتمضي بصمتها وغموضها المعتاد، فيما استقر عليه أمر مقاول التنفيذ وصدقه العمل، لتعيد للأذهان من جديد ما حاول تطبيقه في المدينة المنورة قبل عامين عندما خطط وصمم وأعلن عن "منبر بديل" و"محراب بديل" للتوسعة الجديدة، بدلاً من منبر النبي وقبلته ومحراب صحابته في المسجد النبوي الشريف، وما رافقه من هرج ومرج انتهى بأمر ملكي من الملك "عبد الله بن عبد العزيز" يقضي بالتراجع عن ذلك التصميم الهندسي الصادم للمنطق والتاريخ والهوية لثاني أقدس المساجد في الإسلام.

وكانت صحيفة "مكة" قد كشفت عن معمل ضخم لترميم أعمدة وقباب وواجهات الرواق العثماني أُقيم في أقصى مشعر مزدلفة تديره جورسوي (Gursoy) إحدى أكبر الشركات التركية المتخصصة في الترميم، بعد أن تولت فكّ جميع أجزائه ( 2754 قطعة) لمعالجتها وإعادة تركيبها بعد الانتهاء من أعمال مشروع توسعة المطاف لتتسع الطاقة الاستيعابية لصحن المطاف من نحو 48 ألف طائف في الساعة إلى 105 آلاف.

وفي لقاء سابق من الصحيفة معوالأستاذ الدكتور "معراج مرزا" كشف عن زيارته مع أمين العاصمة المقدسة الدكتور "أسامة البار" وعضو هيئة كبار العلماء الشيخ "عبد الوهاب أبو سليمان"، لمعمل ترميم الرواق العثماني في مزدلفة،
وكان مرزا يومها متحفظًا في الحديث، غير أنه بدا متأثرًا بشدة لعدم معرفة العالم بهذا الجهد الخارق التي تبذله السعودية للعناية بأدق التفاصيل المتعلقة بمشروع توسعة وإعمار الملك عبد الله بن عبدالعزيز للمسجد الحرام، وكشف عن أبرز ما جرى خلال الزيارة الخاصة للمعمل، وكيف أنه والبار وأبو سليمان، توقفوا أمام عرض مصور لخرائط منفصلة توضح ثلاثة مقترحات لتصميم الرواق التاريخي بموضعه وصفوفه الجديدة:

  • الأول لرواق كامل وبصفين من القباب تحيط بالجهات الأربع.
  • الثاني بثلاث جهات شمالية وغربية وجنوبية من صفين من القباب، والضلع الشرقي بصف واحد فقط من القباب.
  • الثالث يظهر فيه إلغاء جانب الرواق الشرقي للمطاف وتركه خاليا تماما، ليصبح الرواق من ثلاث جهات فقط.

وإبراء للذمة، أبلغ ثلاثتهم في قول واحد، كبير مسؤولي الشركة التركية بأن التصميم الأخير (الثالث)، غير مقبول وسيثير كثيرا من الجدل فيما لو تم اختياره ومضى العمل بتنفيذه.

وجددوا رضاهم بأن يكون الخيار الثاني وبصف واحد من القباب للجهة الشرقية هو الحدّ الأدنى المقبول،

وضمن احتفالات السعودية باليوم الوطني الرابع والثمانين في 23 سبتمبر الماضي، شاركت وزارة المالية (دون أي إعلان مسبق لمشاركتها) بجناح خاص في معرض "مشاريع متميزة في عهد خادم الحرمين الشريفين" والمقام في مركز المعارض بالرياض وضعت فيه نسخا جديدة ومحدّثة لمجسمات الحرم المكي الشريف بعد الانتهاء من مشاريع توسعته وعمارته، ظهر فيه وللمرة الأولى شكل "الرواق السعودي" الجديد، بارتفاع واضح لأعمدته وأقواسه الضخمة تحت مسطح الطواف العلوي الحديث، وكما ظهر فيه "الرواق البديل" للتاريخي ثبت أنه بالفعل لا يغطي جهات المطاف الأربع بل 3 فقط تستثني الجانب الشرقي التاريخي للكعبة المشرفة.

كما أظهرت مجسمات المسجد الحرام المئذنتين العملاقتين (420 مترا) في أقصى المصطبات الجديدة بارتفاع ضخم عن بقية المآذن الأخرى التي تعلو جميعها فوق المباني الرئيسية للمسجد الحرام، وبتفاصيل أكثر وضوحا لوظائفها "الجديدة" عما عرف عن المآذن من قبل.

الجانب الشرقي من الكعبة له أهمية خاصة، وهذه الواجهة هي  أهم واجهة في الرواق العباسي ـ العثماني العتيق. ففي هذه الجهة تحديدا، يكمن مستودع ذاكرة حيّة لتاريخ عمارة المسجد الحرام منذ القرن الهجري الأول.

والتي كانت تضم في داخلها ما يعرف بـ"درب النبي صلى الله عليه وسلم" عند دخوله للبيت العتيق انتهاء بباب بني شيبة أمام الكعبة المشرفة.

وهو الدرب الذي كان يحرص الخلفاء والملوك والسلاطين منذ القرن الهجري الأول، وعبر التاريخ على وضع أعمدتهم الموشومة بإهداءاتهم للبيت العتيق، وتخليد أيام ملكهم فيه لتكون شاهدة عبر الزمان خلفا عن سلف.

من جهته، حذر مرزا من أن شكل الرواق الثلاثي "سيصبح مثار تندر عبر التاريخ!"، مشددا على ضرورة إبقاء الصورة الذهنية النمطية لدى زوار البيت الحرام، وألا تحدث أي تشويه فيما لو تم إعادة بناء الرواق القديم من ثلاثة جوانب فقط.

ونبه الخبير المكيّ بعمارة الحرم الشريف، إلى ملاحظة أخرى رصدها خلال مشاهداته لأعمال تنفيذ أساسيات الرواق الجديد.

وقال: كان الهدف المعلن من تخفيض مستوى أرض الرواق القديم إلى مستوى صحن المطاف هو زيادة الطاقة الاستيعابية له، بحيث يمكن الطائفين في أوقات الذروة من الحركة بين الأعمدة بكل انسيابية، وهذا لن يتحقق بعد إحداث الدرج داخل الرواق إذ ستكون عائقا كبيرا للانسيابية، وأخشى أن يظهر للعامة وكأن الهدف من تخفيض مناسيب الرواق هو الهدم والإزالة للقديم فقط، لأن الاستفادة مع هذه السلالم في الصحن ستكون محدودة جداً.

وأضاف: كان الأولى أن يكون درج النزول من الدور الأرضي للتوسعة إلى الرواق القديم وصحن المطاف من جسم بناء التوسعة وليس كما هو المشاهد حاليا لنعطي سعة في أرضية المطاف باستخدام أرضية الرواق للطواف أوقات الذروة كما كان معلنا قبل الهدم وإعادة البناء.

المهندس أنس صيرفي يطرح رحلة سريعة عن تاريخية أروقة المسجد الحرام بقوله “تعهد الخلفاء والسلاطين الرواق المحيط بالكعبة المشرفة بالعناية والزيادة منذ أول بناء له في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أن تلاه الخليفة المهدي العباسي بتوسعته القائم عليها حاليا سنة 168هـ والتي بقيت على حالها 810 سنوات حتى العهد العثماني الذي شهد إعادة بنائه المتصدع وجعلت لسقفه قبابا دون زيادة.

وقال: جاءت التوسعة السعودية الأولى 1375هـ لتؤسس لبناء جديد متعدد الأدوار للمسجد الحرام والمحافظة بأقصى ما يمكن على الرواق التاريخي، وزادت مساحة الحرم 10 أضعاف، وهذه الزيادة كانت تمثل حينها أكبر تهديد للرواق التاريخي لولا حكمة الملك فيصل الذي أمر بالمحافظة عليه، ولولا هذا التدخل السامي لذهب الرواق ذو القيمة التاريخية مع ما ذهب من مآذن وأبواب ومعالم قيمة من حوله.

ثم قال صيرفي وهو رئيس مجلس إدارة مكتب الأبنية للاستشارات الهندسية بجدة: عاد الرواق العثماني مؤخرا إلى المشهد بعد دراسات أكدت تسببه في ضيق المكان ووقوفه حائلا دون زيادة استيعابية الطواف وانسيابية حركته خاصة في جزأيه الشمالي والجنوبي، فواجه تهديدا آخر بالإزالة قبل 3 أعوام إلا أن توجيهات الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله بالمحافظة عليه كانت بمثابة طوق النجاة الثاني الذي حفظ هذا الإرث الحضاري كشاهد على تاريخ أمة وتعاقب حرصها وتشرفها بخدمة الحرمين الشريفين.

وتابع: كان من أهم ميزات مشروع التوسعة الأخيرة، أن جعلت منسوب البناء الجديد محاذيا لمنسوب صحن المطاف وبالتالي عودة الرواق إلى منسوبه السابق قبل رفعه عن منسوب الصحن في التسعينات الهجرية الماضية لدرء أخطار السيول التي كانت تداهم الحرم الشريف، وهذه نقطة إيجابية في العمل، مشيرا إلى أن “إعادة بناء الرواق ستكون فرصة مواتية لكي ينسجم في شكله مع محيط التوسعة الجديدة بخلاف ما كان سيخلفه من فراغات لو بقى في موضعه الأصلي بحسب التصميم السابق للتوسعة”.

وأكد صيرفي “أنه من الممكن أيضا أن يأخذ الرواق شكلا أكثر انتظاما بحيث يكون بعمق موحد لا يتجاوز صفين من الأروقة والقباب تحافظ على هوية المسجد الحرام التاريخية وصورته الذهنية العالقة في الأذهان على مدى القرون الماضية”.

في تصريحات مشروطة بعدم الإفصاح عن هويتها، كشف عدد من الخبراء والمختصين عن ملاحظات يجب الانتباه لها وتداركها قبل فوات الأوان.

وقالوا: علينا أن نطرح سؤالا جوهريا يختصر كل الحكاية: هل واجهات صحن الكعبة المشرفة تطورت أم تدهورت؟ وأشاروا إلى أنه من الجدير وضع المقارنات لتتضح الصورة، وملاحظة كيف استعمل المصمم نمط أقواس ضخمة جافة موزعة على دورين دون نسب جمالية ومقارنتها بصور للرواق السعودي قبل الهدم (والذي بني قبل 60 سنة) لنعلم هل تصميمه يتطور أم يتدهور؟وحذروا في شكل واضح بقولهم: للأسف، سيفتح الشكل الجديد للرواق أبواب النقد على بلادنا، وسنتهم بأننا نزيف التاريخ.
وأضافوا: نحن بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن نعيد الرواق التاريخي كما كان لنحافظ على قيمته، أو أن يزال تماما.

لأن تزييفه لن يحظى بأي قيمة، فالنسخ المقلدة ليست لها أي قيمة في واقع الأمر، مشيرين إلى أن الأعمدة التي تبنى الآن في نطاق الرواق القديم ليست أصلية، بل نسخة مصنوعة بالخرسانة.

وأضافوا: يمكن تشبيه ما يحدث الآن في إعادة بناء الرواق بأنه قتل لروح وجسد الرواق التاريخي مع الإبقاء على ثوبه الخارجي فقط؟ أزيل الرواق التاريخي وغيير مكانه ففقد أصالته ولم يحل مشكلة ضيق صحن المطاف، كما أن الرواق الجديد لم يحترم التاريخ، ولا هوية عمارة الحرم المكي، ولا حتى المنظور الهندسي الدقيق في حمى الكعبة المشرفة.

وتابعوا: كان على المقاول أن يكون واضحا منذ البداية؛ إما أن يفصح بأن مشروع إعادة الرواق التاريخي ستكون بالنسخ الأصلية من أجزائه بعد فكها وترميمها، أو أن يعلن أن الرواق البديل لا يمت بصلة إلى الرواق التاريخي.

وتوقف الخبراء أمام استخدام مصمم واجهات الرواق الجديد للأقواس الضخمة، القائمة على أعمدة مرتفعة للغاية وتقطع هذه الأقواس (بصورة غير مناسبة) بلاطات أدوار الحرم الجديد.

وشددوا في قول واحد على السلبيات الظاهرة والمتعددة للتصاميم النهائية، وكشفوا أنها اشتملت على عدة مآخذ تؤكد أن مهندسي عمارة الحرم قبل 60 عاما كانوا أكثر حرصا من مصممي اليوم على القيمة الجمالية.

وزادوا: إن الأقواس الجديدة ضخمة وأعلى من سطح الكعبة المشرفة، ما يعني أن المصمم لم يراع الخلل بمعايير النسبة والتناسب بين الكعبة وما يحيطها، بحيث أضحت الأقواس الجديدة تقزم المنظور الهندسي للكعبة المشرفة، خلافا للقديمة التي كانت متواضعة وأنيقة ورشيقة، وتراعي بهاء وعظمة الكعبة المشرفة وتؤكد أن الكعبة هي نقطة الارتكاز الرئيسة المستهدفة بالإظهار والإجلاء أمام كل داخل لبهو البيت العتيق.

وختموا: هذه الأقواس لن تسفر إلا عن صورة مشوهة، وستفقد الحرم الشريف روحانيته وستظهره بهوية جديدة وكأنها في خصام مع التاريخ والجغرافيا، ومع المقدس.

ويُسجل موقع تويتر الاستياء الشديد من المغردين السعوديين بتدمير الرواق العثماني:

https://twitter.com/zahirothman/status/522780926296596480

https://twitter.com/sultanbinsulman/status/519937991494881280

https://twitter.com/sofatani1/status/417583655264215040
https://twitter.com/dabbaghh/status/390079660832620544

https://twitter.com/art_moqawama/status/398053622484701186

https://twitter.com/safarayad/status/358632518460772352

https://twitter.com/igogy/status/334967533809586177
https://twitter.com/i5awla/status/322865049196720129
https://twitter.com/i5awla/status/322863469646983169
https://twitter.com/kholood17_l/status/317699364682334210

https://twitter.com/proflailazazoe/status/284615294117347328

https://twitter.com/abd1900/status/276374028254605312

المصادر: صحيفة مكة (1) (2) - نون بوست