"هجوم من مهربين على لنش تابع للقوات المسلحة" هكذا وُصِفَت حادثة دمياط الأخيرة من قبل أغلب وسائل الإعلام المصرية بل ومن الجيش نفسه.

 فجر الأربعاء الماضي حدثت عملية اشتباك مع لنش عسكري تابع للقوات المسحلة المصرية، وكانت الصورة المرسومة للحادث بناء على بيان صدر عن الجيش في نفس اليوم أن اللنش كان ينفذ نشاطًا قتاليًا في عرض البحر المتوسط شمال ميناء دمياط بنحو 40 ميلاً بحريًا، وأثناء ذلك قام عدد من البلنصات "بمهاجمة" اللنش وإطلاق النار عليه.

إلا أنه تم التعامل معهم عن طريق الدفع بعناصر مقاتلة من القوات البحرية والجوية بعد نشوب النيران في اللنش وتدمير الثلاث "بلنصات" المهاجمة مع القبض على 32 فردًا من منفذي الهجوم بالإضافة إلى خمسة مصابين بين عناصر القوات البحرية وثمانية مفقودين.

كانت تلك رواية الجيش والتي جعلت العلمية مجرد حادثة اشتباك بين مجموعة مهربين إرهابيين وبين قوات البحرية، وتم تبني نفس الرواية من وسائل الإعلام المصرية على اختلافها.

وظل تناول الخبر من نفس الناحية حتى مساء الخميس، حيث انتشر فيديو يظهر فيه أربعة من الملثمين يتقدمهم خامس يلقي بيانًا أمام رايات الجهاديين معلنًا أنه في وقت بث هذا الفيديو سيكون المهاجمون قد استولوا على قطعة بحرية لما أسموه "جيش الردة"، وأنهم قد هجموا به على لنش إسرائيلي لاختطاف طاقمه والتفاوض به على الأسيرات في سجون الاحتلال.

http://www.youtube.com/watch?v=pUnhTlDIeVQ

أحدث الفيديو ضجة واسعة وأثار الجدل حول رواية الجيش وتغيّرت الاحتمالات من مجرد عملية اشتباك مع مهربين إلى عملية جهادية تم الإعداد لها مسبقًا لتكون أول عملية جهادية بحرية في تغيّر نوعي ملحوظ لطرق الهجمات على الجيش.

وتباينت ردود الأفعال على الفيديو، فمن عملية إرهابية يقودها فلسطينيون من غزة إلى عملية برعاية البحرية التركية والعديد من الروايات الأخرى حول طبيعة العملية ومصدرها.

كانت آخر الروايات التي نشرتها جريدة "المدن" الإلكترونية الجمعة هي أن العملية من تنفيذ أتباع "الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)" وأن قائد اللنش "6 أكتوبر" الذي يُدعى "أحمد عامر" أحد المتورطين في العملية.

فبحسب مصادرها داخل البحرية المصرية أكدت "المدن" أن الضابط "أحمد عامر" قام بإخفاء خمسة أفراد على سطح المركب قبل الإقلاع به من ميناء دمياط، وبعد مغادرته للميناء قام أحمد عامر بتصفية طاقم المركب بالكامل بمعاونة الخمس أفراد والسيطرة على المركب الذي أعلن أنه "لنش دولة الخلافة الإسلامية" ردًا على نداء رادار ميناء بورسعيد له عند دخوله المياه الإقليمية.

على الفور خرج لنش مقاتل آخر اسمه "يناير" إلا أن اللنش المختطف بدأ بالاشتباك فورًا مع علم "أحمد عامر" بعطل في مدفع اللنش "يناير" الذي لحق بهم فكان الدور الثاني على سلاح الطيران الذي أرسل بدوره طائرات مقاتلة من طراز "F-16" والتي نجحت في تدمير اللنش كما قصفت ثلاثة مراكب صيد أُخرى مع اعتقال من فيها.

بدت الرواية صادمة في البداية إلا أن كل الشواهد تؤكد لحظة بعد لحظة أنها الرواية الأقرب للتصديق، فبالنسبة لقائد اللنش المتورط في الحادث فقد كان يواظب على الصلاة في أحد المساجد السلفية شرق الإسكندرية.

أما عن الفيديو المنشور فقد كشف منتدى "المنبر الإعلامي الجهادي" الناطق باسم داعش على عهدة أحد أعضائه وهو "أبو أمينة الأنصاري" تفاصيل العملية، حيث إن العملية التي أُطلق عليها اسم "غزوة بحرية" كانت ذات هدف مزدوج: الأول هو قصف زورق بحري كان سينقل 200 جندي إلى سيناء، والثاني هو التوجه لمهاجمة لنش حرس حدود إسرائيلي بهدف أسر طاقمه والتفاوض عليه مقابل الأسيرات في سجون الاحتلال.

وأضاف الأنصاري "عندي فيديو به البيان، يظهر فيه الإخوة قبل الذهاب وكان من المفترض أنهم يصوروا فيديو ويبعتوه من داخل اللانش ولكن الغزوة في البحر وتقريبًا الشبكة لم تساعدهم" وقد تم ذكر اسم الضابط في رواية "الأنصاري" قبل تداوله في وسائل الإعلام.

الجزء الآخر من الرواية هو المعتقلون، فمراكب الصيد التي تم قصفها مراكب تابعة لأهالي "عزبة البرج" المعروفة بولائها للجيش وعدم وجود أي متشددين إسلاميين بين أهلها، وقد ظهر أهالي الصيادين المعتقلين في تقرير مصوّر لقناة الجزيرة مباشر وهم ينفون عن ذويهم تهمة الإرهاب وأنهم هم من تم الاعتداء عليهم وتدمير مراكبهم واعتقالهم.

وبعد تلك الأدلة بدا واضحًا مدى التخبط الحاصل لدى المؤسسة العسكرية في التعامل مع الحادثة وكيف أنها كشفت عن بدأ عملية انشقاقات داخل الجيش نفسه وعمليات خيانة لحساب داعش، وقد برز هذا حتى الآن في عدم تقديم السيسي العزاء في شهداء العملية من جانب الجيش كما هو الحال مع شهداء الجيش دائمًا.

أصبحت الرواية أكثر قابلية للتصديق خصوصًا بعد مبايعة أنصار بيت المقدس لخليفة "داعش" في تسجيل صوتي نُشر الخميس، لتكون مصر ساحة لأتباع داعش بشكل مباشر لا لبْس فيه، وتصبح عملية دمياط في سياق واقعي ومفهوم أكثر مما كانت عليه.

http://www.youtube.com/watch?v=_Ygc8cqdFJE

ويأتي الجزء الأخير في الفصل الأول من القصة مساء الجمعة، فقد انتشر فيلم لأنصار بيت المقدس بعنوان "صولة الأنصار".

ويظهر الفيديو عمليات جهادية في سيناء خصوصًا عملية "كرم القواديس" في شمال سيناء التي وقعت في الرابع والعشرين من الشهر الماضي، وقد أودت بحياة 31 عسكريًا عن طريق تفجير كمين "كرم القواديس" بسيارة ملغومة ثم مطاردة العساكر الفاريين وقتلهم بدم بارد.

ويأتي الفيلم وسط حالات من الإنكار من قِبَل رجال الشرطة والجيش ووصفهم إياه أنه مجرد "فرقعة إعلامية" هدفها إخفاء الخسائر الفادحة في صفوف الإرهابيين، إلا أن الفيلم يظهر بشكل واضح عمليات القتل وتفجير السيارات والأعلام السوداء المرفوعة أعلى الدبابات والمدرعات العسكرية بالإضافة لكمية هائلة من أسلحة الجيش التي تمت السيطرة عليها من قِبل جنود "ولاية سيناء".

وبعد انتشار الفيلم بات من المؤكد أن سيناء خاصة ومصر عامة على أعتاب مرحلة جديدة تزداد فيها العمليات النوعية لجماعة أنصار بيت المقدس التي استبدلت اسمها في الفيديو باسم "ولاية سيناء" لتكون تابعة للدولة الإسلامية، فالتأكيد في الفيلم على أن الحرب كانت على "أئمة الكفر فقط" تكرر كثيرًا لكنهم بعد اليوم لن يستثنوا أحدًا أمام رشاشاتهم كبيرًا كان أم صغيرًا.

صولة الأنصار from El_Raya on Vimeo.

وقد تبايت ردود الأفعال على مواقع التواصل الاجتماعي عن الفيلم وحادثة دمياط:

https://twitter.com/mohamadms/status/533368756790374400

https://twitter.com/waelabbas/status/532609091806715906

والآن، بعد ما يحدث في "ولاية سيناء" والعملية النوعية الجديدة في دمياط زادت الثقة عند جنود الدولة في مصر وبدأت برسم استراتيجية جديدة في الحرب وهي محاربة كل الدول التي تساعد التحالف الدولي ضد الدولة الإسلامية، فمن تفجير لخط إمداد الأردن بالغاز مرورًا بمحاربة "جيش الردة المصري" - على حد وصفهم - وصولاً لمبايعات لأبي بكر البغداي في مصر وليبيا والجزائر واليمن والسعودية؛ أصبحت علامات الاستفهام تزداد حول مصير تلك الدول ومصير كل ما يمثل التحالف الدولي ضد داعش مثل السفارات والقنصليات، وهل ستكون تلك السفارات ضمن خطة داعش أم لا؟ وما هو مصير مصر خاصة في تلك الحرب المُعلنة الواضحة خصوصًا وأنها دولة الجوار الأولى لإسرائيل؟ وهل سيسمح المجتمع الدولي لمصر أن تكون كسوريا أو العراق؟

كل الشواهد تؤكد أن حادثة دمياط ليست مجرد حادثة، وأنها ليست نهاية المطاف أبدًا وأن كل ما حدث في الأسبوع الماضي ماهو إلا فصل أول من القصة التي بدأت ولن تنتهي في القريب العاجل إلا بتأمين تام لأمن إسرائيل سواء كان بالطرق السياسية أو بحرب دولية أطرافها متعددة وساحتها في مصر.