ترجمة وتحرير نون بوست

قبل مقتل ثلاثة شبان إسرائيليين في الضفة الغربية بعد اختطافهم في يونيو المنصرم، والذي أشعل جولة جديدة من القتال بين إسرائيل وفلسطين، كنت قد أمضيت أسابيع أحادث الكثيرين على طرفي الصراع عن صفقات تبادل الأسرى، وكان الإعلام آنذاك يعج بأخبار عن جون كيري، الوسيط الأشهر بين إسرائيل وفلسطين، والذي أخذت مساعيه في الفشل، وعن وسطاء يمكن أن يلعبوا دورًا مثل روسيا والصين واليابان. إبان كل هذا، زُرت برلين، ليتكشّف لي دورًا لا يُدركه كثيرون، لفت انتباهي له أوجوست هانينغ، الرئيس السابق للاستخبارات الألمانية (BND).

على مدار العقود الماضية، قليلًا ما ذُكِرَت ألمانيا مع إسرائيل في جملة واحدة، وحين حدث ذلك كان غالبًا عن الهولوكوست، أو، للمفارقة، تشبيه سياسات إسرائيل بالنازية. غير أن برلين، واستخباراتها على وجه الخصوص، لطالما لعبت واحدة من أنجح أدوار الوساطة في الصراع في الشرق الأوسط، وبالتحديد فيما يخص صفقات تبادي الأسرى بين إسرائيل وأطراف كحماس وحزب الله. فقد أمضى مؤخرًا الرئيس السابق للاستخبارات الألمانية بعض الوقت في المنطقة، وسيطًا لعقد صفقات تبادل أسرى ومختطفين، بينما انتشرت أخبار تفيد بأن المستشارة الألمانية أنغلا مِركل بشخصها أعطت كافة الصلاحيات والتمويل اللازم لواحد من الجواسيس الألمان المعروفين للقيام بما يجب من صفقات.

يتحدث كثيرون عن ضعف السياسة الخارجية الألمانية، إلا أن وساطتها في هذه الصفقات سمحت لها رويدًا بلعب دور هام في المنطقة، لتصبح مع الوقت لاعبًا إقليميًا محوريًا، وإن كان صامتًا. تُعرَف ألمانيا اليوم، خاصة تحت قيادة مِركل، بنفورها من كافة أشكال الصراع، ورُغم قوتها الاقتصادية الهائلة، إلا أن نظرتها لعدم جدوى الفعل العسكري، ونجاحها غير القائم على أي توسّع أو دور سياسي بارز، قد نأى بأوربا عن معظم الصراعات الجارية في العالم، وهو أمر يثير إحباط الساسة الأمريكيين الذين يلومون برلين على عدم الاضطلاع بمسؤولياتها الدولية كما ينبغي. في الحقيقة، قد تكون برلين بالفعل “خجولة” بعض الشيء فيما يخص مصالحها القومية، ويمكنك أن تشعر بذلك إذا سألت واحدًا من صناع القرار الألمان عن مصالح بلاده في أي نقطة على الخريطة، حيث ستسمع على الأرجح خطبة قصيرة عن السلام والاستقرار.

على عكس البلدان التي تتباهى بأي وساطة تقوم بها، مثل قطر مثلًا، فإن ألمانيا عازفة تمامًا عن ذلك، لا سيما وهي ترى نفسها في غير حاجة إلى أي نفوذ من أي نوع، وجهودها اليوم في إسرائيل وفلسطين تظل بعيدة عن الأنظار حتى أن بعض صناع القرار الألمان أنفسهم تفاجئوا حين أخبرتهم بتفاصيل عن دور ألمانيا في الصراع. حسنًا، إذا لم يكن ما تقوم به ألمانيا لأجل المجد والنفوذ، ولا لأجل أي مصلحة قومية واضحة، فلماذا تبادر بالوساطة دومًا بين إسرائيل وأعدائها؟ وما هو العائد الذي تحصل عليه من جهودها؟ وكيف تفعل ذلك بنجاح دون تنفير أعداء إسرائيل منها؟ تلك الأسئلة هي التي حملتها إلى هانينغ، في إحدى أيام الصيف الماضي.

صفقات الأسرى

ليس من السهل الحصول على إجابات واضحة من هانينغ، وهو أمر طبيعي نظرًا لعمله الطويل بالاستخبارات، حيث كان واحدًا من أهم شخصيات الجاسوسية الألمانية على مدار عقدين، والمنسق الاستخباراتي الأول للحكومة الألمانية، ثم رئيس الاستخبارات الألمانية بين عامي 1998 و2005، وكان وجوده محسوسًا باستمرار في إسرائيل ولبنان وفلسطين، إذ ظهر كثيرًا في عمليات تبادل الأسرى بين حزب الله وإسرائيل، إما كوسيط مباشر بنفسه، أو كجزء من مجموعة صغيرة.

حددنا موعدًا للقاء، ووصلت قبل موعدي برُبع ساعة لأجده في انتظاري بالفعل مرتديًا نظارته وعلى وجهه ابتسامة خفيفة. كان الوضع في إسرائيل وفلسطين آنذاك يزداد سخونة (شنت إسرائيل عملية الجرف الصامد بعد أسبوعين من لقائنا)، ولكن حماس غالبية الألمان في ذلك الوقت انصب على كأس العالم، ومباراة رُبع النهائي المنتظرة حينها.

لم يكن لدى هانينغ وقت للحديث عن هذه الأشياء، فرُغم تقاعده، كان قادمًا في ذلك اليوم من المقر الجديد للاستخبارات الألمانية في برلين. كنت أتوقع أن يكون حديثي معه هادئًا وعامًا بعض الشيء، بالنظر لحساسية موضوع تبادل الأسرى الإسرائيليين والعرب، وقواعد السرية التي تحد من قدرة أيٍ من الضالعين في الأمر على الحديث، وهو أمر لمسته كثيرًا في لقاءاتي مع كافة الساسة ورجال الاستخبارات والعسكريين الألمان والإسرائيليين الذين قابلتهم. بيد أن معلومات هانينغ الجمة تسللت لي بين الحين والآخر أثناء حوارنا، خاصة حين تطرق إلى مسألة الشباب الإسرائيليين الثلاثة (وكانوا لا يزالون مفقدوين حينها)، وهو أمر لم يكن هانينغ متفائلًا بشأنه، “لا مانع لدينا في الوساطة، ولكن خبراتنا تقول بأنه سيكون صعبًا جدًا إطلاق سراحهم، وأخشى أن يكونوا قد قُتِلوا بالفعل. لا أستطيع أن أجزم، ولكن أعتقد أن الاحتمال الأكبر أنهم ليسوا على قيد الحياة.”

حين يأتي ذكر تبادل الأسرى، ترد إلى الأذهان صفقة جلعاد شاليط الذي أطلقت سراحه حماس مقابل تحرير 1027 أسير فلسطيني، وهي صفقة خططت لها الاستخبارات الألمانية. غير أن هناك أيضًا العشرات من عمليات التبادل التي تمت مع حزب الله وميليشيات لبنانية أخرى، كان للاستخبارات الألمانية خبرة طويلة في التعامل معها. بدأت ألمانيا بلعب هذا الدور مع حزب الله في أواخر الثمانينيات، حين تم اختطاف رجلي أعمال ألمان في بيروت. بمساعدة من سوريا وإيران آنذاك (وعن طريق صفقة ببضع ملايين من الدولارات، طبقًا لبعض الادعاءات) نجحت ألمانيا في تأمين إطلاق سراحهم من مجموعة مرتبطة بحزب الله. حققت ألمانيا إنجازًا مشابهًا عام 1992، حين حررت الاستخبارات آنذاك عاملَي إغاثة ألمان من مختطفيهم اللبنانيين، بالتنسيق مع مسؤولين سوريين.

لم تمر نجاحات ألمانيا مرور الكرام، فقد لاحظتها إسرائيل طبعًا، وهو ما دفع رئيس الوزراء السابق إسحاق رابين إلى طلب مساعدة الاستخبارات الألمانية من المستشار الألماني حينها هِلموت كول، لإيجاد وإطلاق سراح ضابط مفقود من الجيش الإسرائيلي باسم رون أراد. كان يعلم رابين، البراجماتي حتى النخاع، أن ألمانيا لم تكن لترفض طلبه — وهي التي لا تزال، إلى حد ما، تدفع ديونها الأخلاقية والمالية لإسرائيل. كان أراد، الضابط بقسم أنظمة السلاح، قد أُسِر عام 1986، واتجهت أصابع الاتهام حينها إلى حزب الله، غير أن الاستخبارات الإسرائيلية لم تستطع معرفة موقعه وحالته وهوية خاطفيه بشكل مؤكد، وهو ما وضعها في موقف حَرِج، وأدى إلى تراجع صورة الحكومة الإسرائيلية يومًا بعد يوم.

أتى طلب رابين من ألمانيا في وقت لم يكن يثق فيه الإسرائيليون بالألمان، حتى بعد مرور خمسة عقود على المحرقة، وهو أمر لا يزال محسوسًا في الإعلام الإسرائيلي. ففي منتصف التسعينيات، حين نجح وسيط ألماني في إطلاق سراح أسيرَين إسرائيليَّين من لبنان، أشادت صحيفة إسرائيلية بنجاح الصفقة، ولكنها تساءلت ببساطة عن أسباب كون الشخص الذي قام بها ألمانيًّا (!). حتى اليوم، تسارع وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى الاحتجاج المُبالغ فيه حين ينتقد أي سياسي ألماني سياسات إسرائيل.

شراكة براجماتية

رُغم هذا النفور من الألمان، يُظهِر لنا التاريخ ستين عامًا من التعاون الألماني الإسرائيلي في المجال الأمني، وهو تعاون سابق بكثير على دور ألمانيا في تبادل الأسرى. بدأت العلاقات بين استخبارات ألمانيا الغربية وإسرائيل عقب انتصار الجيش الإسرائيلي على نظيره المصري في سيناء أثناء حرب السويس عام 1956، وهو ما دفع بالبلدين الوليدَين آنذاك إلى تعزيز علاقاتهما لردع جيرانهما وبناء قدراتهما العسكرية، وكل منهما لا يزال يشعر بالعُزلة — لأسباب مختلفة — من بعد الحرب العالمية الثانية. أثار انتصار إسرائيل العسكري إعجاب الاستخبارات الألمانية، والتي سعت إلى بناء شراكة مع الموساد، وأملت أن تحصل منها على فائدتين: كسر الاعتماد المُطلق على الاستخبارات الأمريكية للحصول على معلومات، وتعزيز القدرات العسكرية لألمانيا الغربية في وجه أي خطر سوفيتي محتمل.

رُغم حساسية المسألة وبقاء تلك الشراكة خلف الستار لسنوات، ظلت — ولا تزال — شراكة الموساد مع الاستخبارات الألمانية مثمرة للبلدين. على مدار سنوات الحرب الباردة، جمعت وحللت الوكالتان الاستخباراتيَّتان الأسلحة السوفيتية (التي وجدها الألمان في ألمانيا الشرقية، ووجدها الإسرئيليون بين المجموعات المسلحة الفلسطينية)، وطوّرا أنظمة رادار وطيارات لمواجهة الخطر السوفيتي. لاحقًا، تأسست تجارة سلاح قوية بين البلدين، آخرها غواصات دولفين التي باعتها ألمانيا لإسرائيل في سبتمبر الماضي.

لم تكن المخاطر المشتركة فقط هي ما عزز تلك العلاقة، بل العلاقات الشخصية الوطيدة كذلك. فقد وصف برند شميدبوير، المنسق الاستخباراتي الألماني السابق، رئيس الموساد السابق شبتاي شافيد بأنه معلّمه الأول، وتحدث كثيرًا عن لعب الكرة الطائرة مع مسؤولي الموساد الكبار وحضور حفلات زواج أبنائهم. أيضًا، رجع وزير الدفاع الألماني الأسبق فولكر روهِه أثناء غذاء في هامبورج بذاكرته إلى الوراء، وأخذ يسرد تلقيه مكالمات دون موعد كان يقوم بها وزراء الدفاع الإسرئيليون السابقون شيمون بيريز وإسحاق موردخاي، طالبين أسلحة أو تقنيات عسكرية، “بالطبع كنت أعطيهم ما يطلبون، ولم أكن في حاجة إلى الحصول على إذن من المستشار. إن كان في وسع ألمانيا فعل شيء طلبه الإسرائيليون كنا نفعله. لقد كنا أصدقاء، هذا هو الأمر ببساطة.”

رُغم تلك العلاقة الوثيقة، يبدو أن حماس وحزب الله على الناحية الأخرى متفهّمان لتلك الصداقة. ففي حوار أجريته على الهاتف مطلع هذا العام، سألت نائب وزير الخارجية لدى حماس، غازي حمد، عن أسباب اترياح حماس لألمانيا رُغم قربها من إسرائيل، والاطمئنان لها أثناء صفقات تبادل الأسرى. أجابني حمد بأن صلات الألمان بإسرائيل قوية، ومفيدة في الضغط عليها للحصول على تنازلات أثناء الوساطة، كما أن صيت الألمان ذائع في هذا الشأن، حيث رشّح له صديق بالأمم المتحدة وسيطًا ألمانيًّا أثناء المفاوضات بشأن جلعاد شاليط، نظرًا لنجاحات ألمانيا السابقة في صفقات حزب الله وإسرائيل.

تأخذ برلين على عاتقها أيضًا بناء علاقات قوية بجيران إسرائيل العرب كلهم، فعلى العكس من القوى الأوربية الكبرى الأخرى، ليس لدى ألمانيا تاريخ استعماري في المنطقة، بل لديها تاريخ طويل من التجارة وصل إلى 200 مليار دولار فقط العقد الماضي. استثمرت كذلك الحكومة الألمانية بشكل قوي في التبادل الثقافي والدبلوماسية الشخصية، وهو نهج ناجح لبرلين، ويجعلها واحدة من اللاعبين القلائل بالمنطقة ذوي السمعة الطيبة والنفوذ في آن.

بيد أن وجود الوسطاء الألمان لا يعجب البعض. في الماضي، كانت الاتهامات تأتي من حماس وحزب الله بأن الألمان متحيزون لصالح إسرائيل، ولكن الاتهامات اليوم تأتي من الإسرائيليين الذين يستاءلون عن نوايا ألمانيا بعيدة المدى. فقد أشار عدة ضباط بقوات الدفاع الإسرائيلية مسؤولين عن الأسرى (طلبوا عدم ذكر أسمائهم)، أنه رُغم جهود ألمانيا الممتازة في المنطقة، قد لا تكون نواياها سليمة. هكذا يعتقد أيضًا ضابط إسرائيلي سابق، كما ذكر في حديث بإحدى مقاهي تل أبيب، إذ قال بأن دوافع ألمانيا الرئيسية للوساطة هي تعزيز علاقاتها وصلاتها بإيران، والتي تواجدت في أي صفقة تخص حزب الله، وكما قال لي شميدبوير لاحقًا، برلين دائمًا ما تطلب وجود إيران في كافة المفاوضات، إذ تفضّل التعامل مع دول واضحة بدلًا من التفاوض مباشرة مع قوى بدون صفة رسمية.

لطالما أثارت العلاقات الاقتصادية الألمانية مع الدول الخاضعة للعقوبات جدلًا وقلقًا، وخاصة علاقاتها بإيران، حيث أن ألمانيا هي الشريك الاقتصادي الأوربي الأول لإيران. تمثل تلك النقطة أزمة للكثير من الإسرائيليين الذين قابلتهم وتثير علاقات ألمانيا تلك شكوكهم، حيث يفضلون أن تبتعد برلين عن طهران. على سبيل المثال، ظهرت مؤخرًا مقالات في صحف إسرائيلية، مثل “ذه تايمز أوف إسرائيل” و”جيروزاليم بوست”، تحذّر من العلاقة الاقتصادية والسياسية والثقافية الوطيدة بين ألمانيا والنظام الإيراني، وتقول بأن هذا التقارب بينهما يقوّض الجهود الغربية لمنع إيران من الوصول لقنبلة نووية. أحيانًا ما يسخر أولئك الناقمون في إسرائيل على العلاقات الألمانية الإيرانية بالإشارة إلى أن ألمانيا ما ضلعت في الصفقات مع حزب الله إلا للتفاعل مع المسؤولين الإيرانيين.

يتجاهل هانينغ وشميدبوير هذه الانتقادات، والتي سمعوها قبلًا، بل ومن غير إسرائيليين. إذ يذكر شميدبوير كيف فشل مسؤولون أمريكيون في إخفاء شكوكهم تجاه الألمان بأن لهم نوايا أخرى خفية للوساطة في تبادل الأسرى، وقاموا بمواقف شديدة التفاهة. يرى هانينغ أن هذه التلميحات فارغة ومجرد أوهام إسرائيلية، “لم نستخدم قط كل تلك النجاحات في سياستنا مع لبنان أو غيرها، رُغم أنه كان بوسعنا ذلك. في الواقع، لربما كان علينا أن نستخدمها لصالحنا بعض الشيء،” هكذا يقول هانينغ ضاحكًا.

ثمرة الوساطة

ليس غريبًا أن يرى الساسة ومسؤولو الاستخبارات الألمان أن جهودهم في تبادل الأسرى بالمنطقة إنسانية بحتة. فقد أظهر تقرير عام 2013 أن ميزانية المعونات الإنسانية الخاصة ببرلين أعلى من الجميع، باستثناء واشنطن ولندن، وأن القيادة الألمانية أخذت على عاتقها مؤخرًا التزامات كبيرة، منها إرسال معونات غذائية وطبية إلى شمال العراق في أغسطس الماضي، وقبول 26400 لاجئ سوري بنهاية 2015. بالنظر لسُمعة الألمان في العمل الإنساني، لا يبدو أنه سيكون لهم مصلحة في الوساطة لتبادل الأسرى، هكذا سيقول المسؤولون الألمان؛ ليس لألمانيا همّ سوى السلام والاستقرار في المنطقة، دون أي مقابل.

بيد أن كل هؤلاء، حتى الأشد إنكارًا لأي مصلحة تجنيها برلين من كل ذلك، يقرون — بعد إلحاح — أن ألمانيا في الواقع تستفيد من جهودها، عن قصد أو دون قصد. يقول هانينغ أن سُمعة الاستخبارات الألمانية الطيبة في المنطقة هي جزئيًا ثمرة الوساطة المستمرة في صفقات الأسرى، وأن تعاون الاستخبارات مع الموساد، مقابل دعم الموساد في مناطق أخرى من العالم، قلل من اعتماد الألمان على الاستخبارات الأمريكية — وهو تنويع مطلوب. كذلك، يُعَد الوصول إلى المعلومات لدى إسرائيل بسهولة، وشبكة العلاقات التي تملكها ألمانيا حاليًا مع مسؤولي مصر وإيران ولبنان وفلسطين وسوريا (على الأقل قبل الحرب الدائرة الآن) ميزة قوية في هذا الوقت الذي تدور فيه واحدة من أعنف الصراعات في المنطقة.

من الصعب الادعاء بأن ألمانيا تعزز مصالحها الاقتصادية في إيران، لا سيّما وأن صادراتها إلى إيران، وإن أخذنا في الاعتبار رفع العقوبات بعد التوصل إلى صفقة بشأن البرنامج النووي، لن تتعدى 1٪ من مجموع صادراتها. في نفس الوقت، يبدو أن وساطة ألمانيا لم تؤثر أبدًا على علاقاتها بإيران، فالعلاقات بين استخبارات البلدين كانت مدعى فخر للكثير من مسؤولي الاستخبارات الألمانية الذين قابلتهم. أيهما ضمن لألمانيا مقعدًا في المفاوضات مع إيران إذن، كونها شريك اقتصادي رئيسي لإيران، أم العلاقة الوثيقة بين مسؤولي البلدين؟ من الصعب إجابة هذا السؤال.

ما يهم هو أن ألمانيا نجحت، من بين لاعبين كثر في هذه المنطقة المضطربة، في خلق وتشكيل دور مميز لها. ستظل ألمانيا تلعب دور الوساطة في مسألة الأسرى لفترة طويلة، رُغم أن مصر طالما اضطلعت بهذه المهمة، فتلك هي “قناة ألمانيا الخاصة” في المنطقة، كما يسميها مسؤولو ألمانيا وإسرائيل الذين أقابلهم. تُظهِر الوساطة دومًا دور أي بلدٍ على المستوى الدولي، وهي في حالة الشرق الأوسط، وفي تعقيدات المفاوضات العربية الإسرائيلية، تثبت أن ألمانيا أبعد ما يكون عن مجرد لاعب هامشي.

ثمار الغموض

تمتلك الولايات المتحدة مصالح واضحة في الشرق الأوسط، وأهدافها التي تريد جنيها من وساطتها معروفة للجميع، لذلك، فإن المتابع للصراع العربي الإسرائيلي يستطيع بسهولة تقييم جهود واشنطن ومدى نجاح استراتيجيتها مقارنة بما تسعى إليه، كما حدث في أبريل الماضي حين فشلت جهود جون كيري، وانصب الإعلام على تصيّد أخطائه والفرص التي أضاعها أثناء محاولاته التوصل إلى اتفاق إسرائيلي فلسطيني. بالطبع، هذا هو ما تعانيه الحكومات التي تمتلك مصالح قومية مُعلَنة، وسياسة خارجية نشطة وواضحة، إذ تُصبح عرضة للهجمات الساخرة من هنا وهناك، وتصبح أسيرة تقييم أدائها مقارنة بمصالحها المعلنة. في هذا الشأن، اتبعت ألمانيا طريقًا آخر.

حين سألته عن مصالح ألمانيا في المنطقة، قال هانينغ، “لسنا معتادين على تعريف مصالحنا القومية بدقة، ولا تحديد آليات تعريف تلك المصالح وكيفية تحقيقها.” هذا الاستحياء ليس جديدًا، وهو ليس عن عمد في الحالة الألمانية، بقدر ما هو نتاج طبيعة الشخصية الألمانية وخصوصيتها التاريخية — لم تنجح ألمانيا في مساعيها لتكون قوة استعمارية كبرى في القرن التاسع عشر، وفشلت أيضًا داخل أوربا حين حاولت تحقيق مساعيها بحدة وعلنية وصلابة، وذلك لأن تأسيسها وتوحيدها كبلد أتى متأخرًا بعد الاستقرار النسبي للنظام السياسي في أوربا. رُغم أن الكثيرين يحاولون دفع الحكومة الألمانية تجاه اتخاذ خطوات أكثر وضوحًا وحدة (مثال على ذلك قد تكون المراجعة الاستراتيجية الجارية من قِبَل وزارة الخارجية الألمانية)، إلا أن قيادة ألمانيا على ما يبدو ترى الكثير من المميزات في هذا الغموض.

على مدار العقدَين الماضيين، أتاح الغموض والسرية للاستخبارات الألمانية الوساطة في ما لا يقل عن ستة صفقات تبادل أسرى بين إسرائيل وأعدائها، ومكّن ألمانيا أيضًا من ترسيخ دورها كلاعب محوري في المنطقة. معظم ما جنته ألمانيا مرّ على الجميع مرور الكرام، باستثناء بعض متابعي السياسة الألمانية ثاقبي النظر، بدءًا من علاقاتها الوطيدة مع الاستخبارات الإسرائيلية، وحتى شراكتها الوثيقة مع إيران. بدون النقد اللاذع الذي تتعرض له معظم القوى الضالعة في الشرق الأوسط، نجح الألمان في تقليل الضغوط التي تتعرض لها سياساتهم، سواءٌ من الخارج أو من الرأي العام في الداخل.

تؤكد ألمانيا بين الحين والآخر أنها تحتل موقع الجسر بين أوربا وإيران وإسرائيل ولبنان وفلسطين — وهو موقع لا تستطيع حتى واشنطن اليوم، رُغم كل جهودها، أن تدعيه. لعل احتلالها لهذا الموقع لم يكن نتاج رؤية استراتيجية من البداية، ولكنه تم بشكل فعّال للغاية في نهاية المطاف.

حين تعاود حماس وإسرائيل محادثاتهما، ستكون على الطاولة مسألة القتلى والأسرى لا شك، لا سيما الفلسطينيين الذين اعتقلتهم إسرائيل مجددًا بعد أن أُطلِق سراحهم بموجب صفقة شاليط. ستكون مصر هي الوسيط الأبرز في هذه المحادثات، غير أنه في مكان ما، وبشكل ما، سيكون هناك حتمًا دور للاستخبارات الألمانية. بالطبع، لأسباب إنسانية بحتة.

المصدر: فورين آفيرز